Minbar Libya

بقلم عبد السلام الراجحي

كتب الأستاذ المهدى كاجيجي أن الأسطورة ولدت من رحم التاريخ، وغات ولدت من رحم الأسطورة.

نعم غات جنوب ليبيا، أسطورة التعايش السلمي الليبية، فهذه المدينة تعيش حالة فريدة من بين كل المدن الليبية بعد فبراير 2011، فقد استطاعت المدينة المحافظة على السلم الأهلي بالرغم من الاختلافات السياسية بين أبنائها، وعرف على المدينة التنوع السياسي كباقي المدن، في شهر فبراير يخرج أبناء المدينة من أنصار ثورة فبراير ليحتفلوا بحرية وأمان.

وفي شهر سبتمبر يخرج أنصار نظام القذافي للاحتفال بحرية وأمان، وستجد فيها من يناصر عملية الكرامة وآخرين مع معسكر فجر ليبيا، بل إنك سترى صورة تنوع فريدة حيث تجد بيت يرفع علم الاستقلال ويقابله تماما بيت آخر يرفع علم النظام السابق.

ويظل الجار يحترم جاره، ويتمنى له كل الخير، وبعد جولتهم معا بالسوق لقضاء حوائجهم يتوجهون إلى مسجدهم لتأدية صلاة المغرب جنبا لجنب، ليذهبو بعدها لعيادة جار لهم مريض أو لمشاركة جار آخر في حفل زفاف أحد أبنائه أو ليشاطره أحزانه لفقد حبيب له فرق بينهم الموت.

نعم هذه حقيقة التعايش السلمي الذي يغزل نسيجه أبناء مدينة غات, وهنا يطفو على سطح هذه الحقيقة سؤال يفرض نفسه على المشاهد لهذه الصور الراقية؛ لماذا لم تعرف غات ما حدث في كل المدن والقرى في ليبيا؟

للإجابة على جزء من هذا السؤال الكبير للسر الكامن وراء هذا التعايش السلمي في المدينة والذي انعكس إيجابيا على الوضع الأمني بها،، فأصبحت غات من أكثر المدن الليبية أمنا والأولى بين مدن الجنوب الليبي، فهي جغرافيا تعتبر واحة تحيط بها الصحراء، تحدها الجمهورية الجزائرية، والأقرب لها من أي مدينة ليبية حيت تقع أقرب المدن الليبية لها بحوالي 380 كليو مترا، ويعتقد أن هذا أحد أسباب الحالة الغاتية.

قد يقول قائل إن الجغرافيا لمدينة الكفرة القريبة جدا من واقع غات لم ينعكس بالإيجاب على حالة التعايش فيها، فنقول نعم، فجيران الكفرة ليسوا كجيران غات، وهنا أعني الجمهورية التشادية والمصرية اللتين تصدر حكومتيهما مشاكلهما الداخلية إلى ليبيا، وكذلك الصراع في دار فور في السودان، والذي أثر سلبا على الكفرة، أما غات فجارتها الجزائر تعمل بجهد على إعادة الاستقرار لليبيا بعكس الجار المصري والتشادي.

وهل لطبيعة حياة المدينة دور ؟

ربما فأهل غات ذوي الطابع المدني المتحضر والمتأصلة جذوره عبر التاريخ قديما وحديثا،، فمدينة غات كانت قبلة لقوافل التجارة التي تعبر الصحراء الكبرى وتربط ما بين الواجهة البحرية للشمال الإفريقي وبين بلاد السودان الغربي والأوسط منذ عشرات القرون، ولاسيما خلال القرن التاسع عشر، أما في العقود الأخيرة فالمدينة كانت محطة للأفواج السياحية الأوروبية قبل 2011، حيث كانت هناك رحلتين جويتين كل أسبوع، تقل أفواجًا سياحية من باريس ومارسيليا، وكان الكثير من شباب المدينة يعمل في مجال السياحة وهذا الأمر مهم، إذ أن الانفتاح على الآخر قد أكسب شبابها ثقافة موروثة للتعايش وتقبل الاختلاف.

سبب آخر أعطى ذاك الزخم للتعايش بين أهل غات، حيث يغلب على أهلها التصوف، والذي جعل المدينة تصمد أمام التيارات المتطرفة، وحافظت على المذهب المالكي كمدرسة فقهية.

أيضا نسبة المتعلمين مرتفعة مقارنة بباقي المدن، وثقافة الأسرة الغاتية التي تولي اهتماما كبيرا بتعليم أبنائها، كما أن المرأة الغاتية هي سر آخر من أسرار نجاح المدينة في الحفاظ على سلمها الاجتماعي، فالسيدة الغاتية لها وزنها وقيمتها داخل الأسرة، وهي صاحبة الأرض القوية بحسب نظام الحبس، وهو نظام يحبس الميراث من الأرض للمرأة، فاكتسبت من موروثها الثقافي قوة اقتصادية واجتماعية.

عوامل قوة مكنتها أن تقف صلبة أمام كل ما يمكن أن يعكر صفو السلم بالمدينة فعملت بجد على التهدئة وفض النزاعات ولا تسمح لخلاف أو اختلاف أن يمس نسيجها داخل أسرتها الكبيرة.

أما ديموغرافيا المدينة رغم أن أغلب السكان من مكون الطوارق، ألا أنه هناك مكونات أخرى تقطن المدينة، ولم يحدث أي صرعات بينهم، وهذا أمر اخر يجب الانتباه إليه، فالاختلاف العرقي لم يؤثر على الواقع الحياتي سلبا.

واقع الحياة الخدمي بالمدينة هو من أشد المدن الليبية سوءا، حيث تعاني من انقطاع الكهرباء يدوم لأيام حتى بات بالرغم من مرارته واقعا مألوفا، أما انقطاع الوقود بالأسابيع والأشهر وانعدام الخدمات الصحية والحياتية هو أمر ليس بجديد على المدينة، حيث لازمها منذ فترة حكم النظام السابق، لدرجة أن تردد إشارة القناة التلفزيونية للنظام السابق كانت لا تصل للمدينة قبل دخول الستالايت.

لكن الحقيقة المؤلمة أن سوء الحال تزايد بعشرات المرات خلال السنوات الأربعة الأخيرة بما في ذلك خدمات الإنترنت التي تعد سيئة بدرجة كبيرة.

وهنا يلح السؤال، هل ابتعاد شباب غات عن الصراعات وخطاب الكراهية والتأجيج والتخوين والعنصرية والجهوية المنتشر على منصات التواصل الاجتماعي، الفيس بوك بالصفحات الليبية قد حفظ شبابها من استنساخ ما يحدث في المدن الأخرى ونقله لمدينتهم؟

أم أنه لا يزال الحكماء وعقلاء المدينة يسيطرون على الشباب، ولم تنفلت منهم عجلة سلطة القيادة بعكس باقي المدن؟

وهل حياة مثل هذا النوع وراء ما نراه اليوم وكل يوم من تكافل بين أهلها؟

وهنا اعترف حقا أنه لا يمكننا من خلال مقال رأي متواضع أن نتعرف عن الأسباب الكامنة وراء التجربة الناجحة لأهالي غات.

ولكن يجب عليّ أن أجري دارسة من جوانب عدة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية وعلم النفس والاجتماع السياسي لنقل هذه التجربة الفريدة لباقي المدن, فهل تسعف تجربة غات الليبيين وتخرجهم من دوامة الصراعات والاحتراب مترجمة القول الشائع، أن أصل تسمية المدينة جاءت من الغيث أي أنها ” تغيث “المسافر في الصحراء وتؤمن له الزاد والماء واهبة له الحياة؟

***

عبد السلام الراجحي ـ كاتب ليبي

_______________