Minbar Libya

بقلم د. محمد عبدالجليل بوسنينة

مرحلة الاستقرار او مايعرف بمرحلة مابعد النزاع ، هى المرحلة التى يبدو أن السياسيين والاقتصاديين لا يولونها الاهتمام الكافي حاليا ولا تشغل جزء من تفكيرهم.

ربما يكون مبعث ذلك انشغالهم بهموم المرحلة الحالية التى تتسم بتعدد الازمات وتنوعها وتجددها من وقت لآخر . غير انه لا يبدو ان السلطات القائمة حاليا ( التشريعية والتنفيذية ) بما فى ذلك حكومة الوفاق والحكومة الموقتة ، جادة بالفعل فى معالجة الازمات التى نشهدها اليوم ، حيث لم تشهد أية أزمة قدر من الانفراج ولا توجد مؤشرات توحى بامكانية حلحلة هذه الازمات مما يعنى أن هذه الازمات سيتم ترحيلها وأن هذه السلطات قد فشلت فى السيطرة على النزاعات الحالية وما أفضت اليه من أزمات اقتصادية واجتماعية فى ظل الانقسام السياسى .

ولعل اخطر ما يتهدد الأوضاع الاقتصادية والمالية هو عدم استقرار معدلات انتاج النفط الخام وتراجع مستويات الانتاج الى اقل من 700 الف برميل فى اليوم بعد أن بلغ معدل الانتاج حدود 1.0 مليون برميل فى اليوم بسبب إقفال حقلى الفيل والشرارة مؤخراً من قبل مجموعات مسلحة وإعلان حالة القوة القاهرة فى الحقلين ، مما يعرّض كل ماتم اقتراحه من حلول وسياسات اقتصادية وما يعتزم تنفيذه منها لمزيد من التأخير واللجوء الى اتخاد تدابير قد تزيد المشهد الاقتصادى تأزما .

وخلال عام 2017 يقدر اجمالى مصروفات الميزانية العامة بما يعادل مبلغ 27 مليار دولار سنويا ، بينما يبلغ اجمالى الدخل فى حدود 18 مليار دولار ، وهذا يعنى ان العجز السنوى يقدر فى حدود 9.0 مليار دولار ، وهذا العجز قابل للزيادة نتيجة للمستجدات فى انتاج وتصدير النفط الخام .

ويبدو ان هذه السلطات ( السلطة التشريعية والسلط التنفيدية ) غير معنية بالتفكير فى المستقبل الذى ينتظر الليبيين . وفى تقديرى أن استحقاقات المرحلة المقبلة التى ستواجهها السلطات الجديدة ، واثناء المرحلة الانتقالية الجديدة ، هى التى ستشكل التحدى الحقيقى أمام هذه السلطات وامام الشعب الليبي ، ولن تكون الفترة المقبلة مجرد نزهة ، يستمتع فيها الحكام الجدد بمناصبهم ، بل ستكون محرقة بكل المقاييس ومحك حقيقى لمن يقدر المسؤولية حق قدرها ، واختبار صعب للدخلاء غير المؤهلين ، دون التقليل من قدرات الخبرات الليبية المخلصة حيت ستكون التركة مثقلة بالالتزامات ، هذا فضلا على أن الاقتصاد الوطنى لن يتحمل المزيد من الازمات وسوف يكون سقف توقعات الشعب مرتفعا جدا ً .

المهمة ستكون صعبة ولكنها ليست مستحيلة . فالذى يتولى مسؤولية المالية العامة سيجد خزانة فارغة الا من سندات الدَّين العام ، وسيواجه التزامات مالية جديدة فى إطار اعادة تثبيت الخدمات العامة ( التعليم والصحة والامن ) واضطلاع الدولة بمسؤلياتها فى المحافظة على الاستدامة المالية.

وعليه العمل على تنمية الموارد السيادية غير النفطية ومعالجة اساسات الاقتصاد الكلى، وتصحيح التشوهات فى هيكل الميزانية العامة ومراجعة بند المرتبات وازالة الازدواجية بها واستبعاد من يجب استبعادهم ، والتعامل مع مشكلة البطالة ، وقفل الحساب الختامى للدولة .

و ستكون السلطة النقدية معنية بمعالجة الا ضطرابات فى المستوى العام للاسعار ومتطلبات ادارة الاحتياطيات فى مواجهة قدر كبير من الالتزامات الواجب الإيفاء بها ، وستواجه تحديا كبيرا فى ادارة سعر الصرف وضبط المعروض النقدى المنفلت وتحقيق استقرار قيمة الدينار الليبي واعادة الثقة لقطاع مصرفى تكاد تكون فيه وظيفة الوساطة المالية معطلة بسبب التشريعات النافدة ، ويعمل فى ظل مخاطر تشغيلية كبيرة .

وسيواجه من سيتولى ادارة أمور قطاع الاقتصاد مسؤولية تحفيز القطاع الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية وتنظيمها والتعامل مع اقتصاد تسوده التشوهات وفوضى فى الأسعار وفى تأسيس الكيانات الاقتصادية ، و اقتصاد يسيطر فيه القطاع غير الرسمى على مالا يقل عن 80% من النشاط ويعانى من خلل كبير فى الميزان التجارى، فضلا عن مختلف مظاهر الفساد المستشرى على كافة المستويات .

كما ان الظروف المحيطة بالسلطة التشريعية ، فى ظل الفراغ الدستورى وتعقيد آلية اصدار القوانين ، لن تسعفها فى اصدار القوانين اللازمة التى تحتاج اليها السلطة التنفيدية الجديدة للقيام بمهامها بالسرعة المطلوبة ، فضلا عن الأوضاع الأمنية المتردية وانتشار السلاح خارج سلطة الجهات القانونية .

هذا هو حصاد المرحلة الحالية التى تمر بها البلاد . ناهيك عن تمزق النسيج الاجتماعى ومشاكل الشباب والظواهر السلبية المنتشرة ، واستحقاقات المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية .

قد يرى البعض ان الاجدى هو الاهتمام بمعالجة المشاكل القائمة حاليا ( عجز الميزانية ، عجز الميزان التجارى ، التضخم ، السيولة ، تدنى دخل النفط ، انقسام المؤسسات السيادية ، السوق الموازية ، تدهور الأوضاع الأمنية ، انقطاع الكهرباء ، مشاكل أصحاح البيئة ، الفساد الخ ) والبحت عن حلول للازمات التى يعانى منها المواطن اليوم ولنترك مناقشة المشاكل المستقبلية فى حينها .

غير ان التفكير الاستشرافي المنطقى، والعمل الحقيقى الذى يهدف لبناء الدولة لا بد ان ينظر الى المستقبل ، وان ينطلق من الواقع الحالى وعينه على المستقبل ، فبقدر ما تكون عليه الأوضاع اليوم يتشكل مستقبل الاقتصاد والتحديات التى سيواجهها الوطن . أى أنه لايمكن فصل المستقبل عن الحاضر . وهناك بعض السياسات اذا ماتم اتخادها اليوم ستكون لها تداعيات على كافة المتغيرات الاقتصادية فى المستقبل .

اذ من المتوقع ترحيل معظم المشاكل القائمة حاليا إن لم يكن كلها لمرحلة مابعد النزاعات فى ظل العجز شبه التام فى كل المؤسسات اليوم عن التعامل مع هذه المشاكل ، مما ينبىء بظروف اقتصادية صعبة وبمستقبل غير مريح للمسؤولين الجدد ، وستكون التضحيات المطلوبة من قبل المواطنين كبيرة على قدر سقف التوقعات فى سبيل العبور الى بر الأمان .

التحديات التى ستواجه الاقتصاد الليبيي مستقبلاً؟

١يقدر مجموع الدين العام ، واجب السداد ، حوالى 70 مليار دينار وهذا الدين هو مجموع مارتبته وزارتى المالية لحكومتى الوفاق والمؤقتة بنهاية الربع الثالت من هذه السنة المالية (2017) ومند عام 2014.

هذا الدين يعادل حوالى 50 مليار دولار بسعر الصرف الحالى . ولسداد هذا الدين نحتاج الى انتاج نفط بمعدل مليون برميل يوميا لمدة ثلاث سنوات متتالية وبسعر لا يقل عن 50 دولار للبرميل . غير ان هناك التزامات اخرى على الحكومة يجب الوفاء بها خلال نفس الفترة ، ومنها المرتبات والمصروفات التسيرية وغيرها من الالتزامات الاخرى .

واذا استمر نمط الإنفاق العام على ماهو عليه الآن فلن يكون فى مقدرة الحكومة تسديد الدين العام فى المدى الزمنى المنظور القريب مالم تتضاعف معدلات انتاج النفط او تتحسن أسعاره الى مستوي لا يقل عن 100 دولار للبرميل .

٢من المتوقع ان تقدر ديون الشركات الأجنبية المنفذة لمشروعات التنمية المتوقفة حالياً بحوالى 70 مليار دولار اى حوالى 100 مليار دينار وفقا لسعر الصرف الحالى . ويحتاج سداد هذه الديون الى انتاج نفط لمدة اربع سنوات متتالية بمعدل مليون برميل فى اليوم وبسعر لا يقل عن 50 دولار للبرميل . ولكن هناك التزامات اخرى على الحكومة واجب الوفاء بها فى إطار تنفيد الميزانية العامة الدولة والتى تمول بنسبة 95 % على الأقل من ايرادات النفط .

اى ان اجمالى الالتزامات على الخزانة العامة ، واجبة السداد ، تقدر بحوالى 120 مليار دولار فى حدها الأدنى ، اى ما يعادل مجموع انتاج النفط لمدة سبع سنوات متتالية بمعدل مليون برميل فى اليوم وبسعر لا يقل عن 50 دولار للبرميل.

على السلطة التشريعية والحكومة التفكير فى كيفية التعامل مع هذا الملف وتحديد الاولويات بين تمويل الميزانية العامة السنوية وبين سداد الالتزامات القائمة على الخزانة العامة .

٣أما الالتزامات التى ستواجهها الحكومة فى إطار تنفيد الميزانية العامة للدولة، والتى تقدر فى حدود 40 مليار دينار سنويا وفقا لمعدلات الإنفاق القائمة حاليا فتحتاج الى حوالى 30 مليار دولار سنويا، ولتحقيق هذا الدخل يتطلب انتاج نفطى لا يقل عن 1.6 مليون برميل فى اليوم بسعر 50 دولار للبرميل .

٤يحتاج القطاع الخاص لموازنات بالنقد الاجنبى لمختلف الأغراض ( اعتمادات ، حوالات ، بطاقات ،،،،،الخ ) فى حدود 13 مليار دولار سنويا .

٥ستواجه المصارف التجارية العاملة مشكلة تسوية خطابات الضمان التى اصدرتها لصالح الجهات العامة الليبية التى تعاقدت على تنفيد مشروعات التنمية قبل عام 2011 بناء على طلب الشركات الأجنبية المنفذة للمشروعات ، والتى تقدر قيمتها بما لا يقل عن 20.0 مليار دينار بعد ان تحصلت هذه الشركات على احكام قضائية لصالح المصارف الأجنبية المراسلة بالخارج تمكنها من عدم دفع قيمة هذه الضمانات فى حال طلب تسييلها .

من الواضح ان الدولة ستواجه عجزا مستمرا ومتناميا لعدة سنوات مقبلة فى ظل معدلات انتاج النفط الحالية غير المستقرة واسعار النفط العالمية المتدنية اليوم ، مادام النفط المصدر الوحيد للدخل ، وفى حال الإبقاء على سعر صرف الدينار الليبيى المعمول به.

حيث يقدر متوسط الإنفاق السنوى بالنقد الاجنبى المتوقع لمواجهة هذه الالتزامات بحوالى 77.0 مليار دولار سنويا ، ويتطلب ذلك أنتاج نفط بمعدل 2.5 مليون برميل يوميا بسعر لا يقل عن 85 دولار البرميل .

أما اذا تم تأجيل ملف مديونية الشركات الأجنبية وتأجيل سداد الدين العام المحلى او الحصول على موارد محلية لتمويله من القطاع المصرفى والجمهور فان الإيفاء بمتطلبات تمويل الميزانية العامة للدولة وتوفير احتياجات القطاع الخاص من النقد الاجنبى يتطلب الوصول بإنتاج النفط الى حوالى 2.0 مليون برميل فى اليوم وبسعر لا يقل عن 60.0 دولار للبرميل ويمكن تحقيق ذلك من خلال دعم المؤسسة الوطنية للنفط ورصد الميزانيات الاستثمارية اللازمة لها ، فى حال استمرار العمل بسعر الصرف المعمول به حاليا .

البقية في الجزء الثاني

***
د. محمد ابوسنينة ـ اقتصادي ليبي مستشار بالمصرف المركزي وعضو الهيئة التأسيسية لتيار ليبيا الدولة
___________

صفحة الدكتور ابوسنينة على الفيسبوك