Minbar Libya

معاناة الليبيين بعد سنوات من الاقتتال، والتدخل الإقليمي والدولي، واليأس من وجود حلّ حقيقي للمؤسستين السياسيتين والعسكريتين في شرق وغرب ليبيا، ممثلتين بفائز السراج وخليفة حفتر، عزّزت، على ما يبدو، فكرة إمكانية حصول حلّ آخر يجمع الليبيين المختلفين، ودفعت أشخاصاً غير متوقعين (غير أنهم لا ينقصهم الطموح) للتنطّح لطرح أنفسهم لتزعم البلاد.

أحد هؤلاء كان بشير صالح، الذي كان يشغل منصب مدير صندوق استثمار القذافي، والمقيم حاليّاً في جنوب أفريقيا.

مؤهلات صالح التي يوظفها لحكم البلاد هي أنه كان «الصندوق الأسود» الذي يخبئ فيه الزعيم السابق أسراره ويأتمنه على مغامراته وأموال البلد، وهي مؤهلات مخيفة حقّاً، وتجعل من اجتراء صالح على القول إنه مستعد لرئاسة ليبيا استهزاء كبيرا بالليبيين، ولكنّه، يشير مع ذلك، إلى اعتقاد بأن الباب في ليبيا صار مفتوحا لألعاب الخفّة وحركة المال والدبلوماسية الخفية.

الدليل العيان على ذلك طبعاً هو الصعود الصاروخيّ لـ«المشير» خليفة حفتر، الذي كان هو أيضا أحد ضباط القذافي المخلصين، وعاد بعد الثورة بيدين فارغتين من الولايات المتحدة الأمريكية إلى ليبيا، فإذا به يجد دوراً جاهزاً هو محاربة الحركات العسكرية الناشئة بعد الثورة، ويجد قوى إقليمية ودولية تدعمه بالمال والسلاح، ليصبح، بين ليلة وضحاها، الشخصية التي لا يمكن تجاهلها في الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، وصار قائداً مطاعاً لديه برلمان يجتمع حين يريد، وقوّات جوية وبحرية وبرّية، وسيطرة على آبار النفط وموانئه، فيما أحلام الدكتاتورية المطلقة تراوده ليل نهار.

عبد الباسط اقطيط، رجل الأعمال الليبي، هو أحد الداخلين على باب اقتراح أنفسهم لرئاسة ليبيا، وهو على عكس بشير القابع في جوهانسبرغ بانتظار مكافأة الليبيين له (لسبب غامض) بترئيسه عليهم، فإنه يملك، على ما يظهر، أوراقاً أخرى تختلف عن أوراق حفتر والسراج، كما أنه اختار طريقاً مختلفة عن طرقهم.

دعا اقطيط إلى مظاهرات في ليبيا للاحتجاج على الأوضاع الراهنة، معلنا رفض المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، وعملية «الكرامة» التي يديرها حفتر، وللإعلان عن تأييد الخطط التي يقترحها لإدارة ليبيا، وهو ما لقي استجابة في طرابلس العاصمة وفي مدينتين أخريين، رغم أن السلطات رفضت منح أنصاره الإذن بالتظاهر، وكانت النتيجة مظاهرتين مضادتين يتبادل طرفاها الشعارات.

اقطيط هو رجل أعمال كبير، وكان مرشحاً سابقاً لرئاسة الوزراء، ولديه، كخصميه السراج وحفتر، علاقات دولية معتبرة، وخصوصاً في واشنطن، وأسلوبه في العمل السياسي هو النزول إلى الشارع مع الجمهور، وهذه حسنة تحسب لإقطيط.

غير أن إحدى نقاط النفوذ التي يتمتع بها اقطيط، على ما يبدو، والتي تثير الشكوك حول مشاريعه هو الآخر، أنه متزوج من ناشطة حقوقية وابنة ملياردير يهودي كان يشغل منصب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي.

وإذا كانت الابنة لا تمثّل أبوها بالضرورة لكنّ هذا الرابط بين مرشح طموح لرئاسة ليبيا والمؤتمر اليهودي العالمي لا يمكن أن يكون خاليا من المعنى، وهو يأتي ليضيف ثقلا إلى هذا الاتجاه السياسي الأحول، والذي تعود جذوره إلى القذافي، وتمتدّ إلى خليفة حفتر، الطامح لخلافة القذافي، وتزيد عناصرها واحتمالاتها بالتأكيد مع اقطيط، إلا إذا أعلن صراحة، وأمام الرأي العام، غير ذلك.

ما يجري في ليبيا يفتح المجال واسعاً لهذه الأطروحة، بدءاً من حجاج القذافي المزعومين إلى إسرائيل، واستعطافاته المتكررة لتل أبيب لإنقاذ عرشه، ومروراً بتعميد حفتر معارضاً في الولايات المتحدة الأمريكية، وحضانته من مصر والإمارات، ووصولاً إلى رجل الأعمال اقطيط وزيجته التي تجمع بين المال والسياسة.

________________