Minbar Libya

بدات في تونس الثلاثاء جولة مفاوضات بين الاطراف الليبيين برعاية موفد الأمم المتحدة الى ليبيا، غسان سلامة، بعد أقل من أسبوع على تقديمه خارطة طريق للمنظمة الدولية في محاولة لإنهاء الفوضى في البلاد.

وأوضح سلامة إنه في حال تم وضع خطة للمضي قدما، فسيتبع ذلك عدة مراحل كجزء من خطتي للتحرك، تدريجيا، على الصعيدين التشريعي والدستوري“.

وقد ألقى غسان سلامة كلمة افتتاحية هذا نصها:

أيها الأعزاء،
أحمل إليكم تحيات السيد الأمين العام للأمم المتحدة وتمنياته لكم بالتوفيق والسداد. ويهمني إبلاغكم أنه اختار ليبيا دون غيرها لتكون ساحة الوفاق الأولى في منهاجه لهذا العام وأنه يعمل بجد للإسهام بإخراجها من الدوامة التي دخلت فيها، معتمدًا عليكم لإطلاق تلك العملية الإنقاذية، وعلينا لمساعدتكم ما وسعنا نحو هذا الهدف.

وأحمل لكم أيضًا موقفًا صريحًا واسعًا، بل جماعيًّا، من دول العالم، المجاورة منها والبعيدة، العظمى منها كما الأصغر، يدعم قراركم البدء بعملية تعديل الاتفاق السياسي ويثمن حضوركم هذا الصباح ويعول عليكم للانتهاء من صياغة التعديلات المرجوة بالتفاهم في ما بينكم في أمد قريب، بلا تسرع طبعًا إنما أيضًا دون تلكؤ.

وما حضور ممثلي الرباعية التي تضم الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وما حضور السادة أعضاء الجسم الدبلوماسي المعتمد لدى ليبيا هذا الاجتماع الافتتاحي إلا تعبير عن هذا الإجماع وأرحب بهم جميعًا.

وأحمل لكم أيضًا مشاعر أعداد واسعة من الليبيين تواصلوا معي ومع زملائي في بعثة الأمم المتحدة يرنون بالنظر إليكم كي تعبروا عن آمالهم بفتح صفحة جديدة من التوافق والوئام. إنهم يقولون لنا ولكم إن نافذة للخلاص قد فُـتحت أمام بلادكم ينبغي علينا أن نلجها، وأن فرصة لنقلة نوعية نحو مؤسسات قادرة وثابتة قد ظهرت في الأفق وواجبكم وواجبنا معكم اقتناصها. لقد سئم الليبيون من الانتقال للانتقال دون أفق واضح صريح ومطمئن، وعلينا جميعًا أن نعمل معًا كي يدخلوا مرحلة من اليقين والطمأنينة لا تتجسد إلا في دولة ثابتة قادرة عادلة.

دعوني أيها الأعزاء أن أصارحكم الرأي قائلاً إني ما عبرت في خطة العمل التي اقترحتها على الدول الكبرى وتلك المعنية بالشأن الليبي، ولاقت منها التأييد الواسع، إلا عما سمعته من الليبيينأانفسهم، وإن كان لي من إسهام متواضع فهو في توليف أفكار الليبيين وترتيبها في جدول زمني رأيته عقلانيًّا ومناسبًا. إنها أفكار واقتراحات سمعتها في مختلف أرجاء بلادكم، منكم، ومن زملائكم، من قادة البلاد كما من الناس الطيبين، تطالب بمصالحة وطنية شاملة، وبدولة ناظمة قادرة، وبمؤسسات ثابتة فعالة تتجاوز مصالح الأشخاص في سبيل المصلحة الوطنية، وتتعالى عن خصوصيات الأماكن والوشائج والعصبيات في سبيل الوطن الواحد، وإن هي تحرص على الدولة الفعالة فلعلمها العميق بأن لا استقلال دون دولة تحميه ولا سيادة دون دولة تذود عنها ولا وقف للتدخلات الخارجية إلا بدولة تردعها. وفي المقابل فلا دولة دون وحدة وطنية متينة ولا دولة دون تمسك شامل بالصالح العام ولا دولة دون مؤسسات ثابتة يتجسد فيها مفهومها.

لقد سمعت، ولا بد أنكم تسمعون مثلي، تذمر عموم الليبيين من تدهور الأوضاع المعيشية ومن تلكؤ مؤسسات الدولة في توفير الخدمات المناسبة بدءًا بالأمن مرورًا بالصحة العامة أو بالتعليم. لقد سمعت مثلكم تخوف الليبيين من تحول أراضيهم إلى مساحات سائبة يدخلها مَن يشاء ويعبرها مَن يرغب ويتدخل في شؤونها مَن هو على ذلك قادر.

لقد سمعت، كما أنتم سمعتم، تخوف غير بلد مجاور أو بعيد من محاذير عجز السلطة العامة عن معالجة هذه الأمور وعن مخاطر استمرارها أو حتى تفاقمها على أمن تلك الدول، ناهيك عن مصالحها.

لذلك بات الإلحاح عامًّا على منحى جديد، لا يمثل انتقالاً آخر، بل يشكل نقلة نوعية نحو دولة قادرة، ثابتة، عزيزة المقام. وما خطة العمل التي طرحناها إلا معبرٌ نحو ذلك الهدف المأمول.

لذلك نصت خطة العمل على سلسلة من المحطات المتتالية، سنعمل جاهدين كي لا يتأخر موعد إنجاز أي منها تنتهي بخاتمتها الطبيعية في غضون عام من الآن.

وإني إذ أرحب بكم اليوم فردًا فردًا وأشكركم صادق الشكر على تلبيتكم دعوتنا، أفكر أيضًا بكل واحد من زملائكم الأعضاء في المجلسين، طالبًا منكم أن تتشاوروا إلى أقصى الحدود مع مَن هم ليسوا اليوم معنا في هذه القاعة، وأن تشركوهم ما استطعتم في أعمالكم لكي تكون التعديلات التي ستجرونها معبِّرة عن أوسع شريحة ممكنة من أعضاء مجلسيكم. إننا نسعى للشفافية لا للخفاء، وللوضوح لا للتورية، وللتوافق الأوسع لا لرأي الأقلية. فصحيح أن التعديلات في مرحلة الصياغة الأولى تتطلب جهد عدد محدود من المتطوعين من بينكم، إنما هي لا تكتمل فعلاً إلا بعد أن يلتقي حولها العدد الأكبر من أعضاء المجلسين، وقبل أن يصادق عليها لاحقًا مجلس النواب بأكبر عدد ممكن من الأعضاء.

ويشكل اجتماعكم اليوم فاتحة تلك الخطة، إذ أن اتفاق الصخيرات، وهو مرجعنا وإطار عملنا، بات بحاجة إلى تشذيب يجعله أفضل تواؤمًا مع التحولات التي عرفتها ليبيا منذ إقراره. ولا ريب أن شرعيته ستتعزز لو تمكنا من إقناع العدد الأكبر من الليبيين من تبنيه واعتماده وتأييده بحيث تتوسع رقعة الوئام من حوله وتتعزز وحدة أهلنا في ليبيا من خلاله.

وما تعديل ذاك الاتفاق بنظرنا إلا مدخلٌ يبدو أن غالبية الليبيين تنطلق منه نحو اتمام النقلة النوعية التي تتضمن مراحل متتالية تتوَّج بانتخابات عامة حرة ونزيهة نكون جميعًا قبلنا بنتائجها قبل تنظيمها. ومن تلك المراحل مؤتمر وطني يوسع رقعة السائرين في سكة الحل السياسي دون غيره من السبل المكلفة، وكما يتضمن اعتماد دستور للبلاد وضع مشروعه أمامنا وهو بحاجة لاستفتاء.

لذلك ونحن نجتمع اليوم في إطار صيرورة تعديل محدود اتفاق الصخيرات وفق قواعد التعديل التي نصَّ عليها ذاك الاتفاق أحيي هنا أعضاء الوفدين الممثلين لمجلس النواب ولمجلس الدولة، وأتمنى أن يعملا معًا في إطار لجنة صياغة موحدة ومصغرة كما جاء في ذاك الاتفاق. وسأكون مع زملائي في البعثة إلى جانبكم قدر ما تريدون للتوصل إلى نصوص ترضي ضمائركم وتكون صالحة للبلاد. وآمل ألا يستغرق ذلك العمل التقني الطويل من الوقت كي تذهب تلك التعديلات لمجلس النواب، أملين اعتمادها من قبله بأكبر نسبة ممكنة من النواب.

____________