Minbar Libya

بقلم محمّد ابراهيم الحصايري

لقد ثبت بالتجربة أنّ من أهمّ أسباب فشل اتفاق الصخيرات في الوصول بليبيا إلى برّ الأمان هو غفلته عن تشريك جميع مكوّنات الشعب الليبي، واقتصاره على بعض المكوّنات دون سواها.

ويخشى البعض أن يتكرّر هذا الأمر مع اتفاق باريس الذي اختزل ليبيا في المشير خليفة حفتر وفائز السراج ولم يوسّع نطاق البحث عن حلّ للأزمة الليبية إلى أطراف هامّة أخرى فاعلة ومؤثّرة في المشهد الليبي قبل الإطاحة بالقذافي وبعد الإطاحة به.

لكلّ ذلك ودون إنكار أهمية مخرجات التحرك الفرنسي في تحريك عملية التسوية السياسية للأزمة، فإن نجاح هذا التحرك في تجسيم مخرجاته على الأرض ينتظر ان يُواجَهُ بمجموعة من العراقيل، لعلّ أهمّها بالإضافة إلى التحفظ الإيطالي الذي سبق أن تطرقنا اليه، هي التالية:

1 – مواقف القوى والتنظيمات الإسلامية الداعمة لحكومة الوفاق الوطني، والمسيطِرة فعليًّا على الأرض في غرب ليبيا حيث إنها ترفض فكرة إشراك المشير خليفة حفتر في السلطة، وتعتبره امتدادًا للثورة المضادة.

2 – احتمال عدم التزام طرفي الأزمة الليبية ببعض بنود البيان المشترك الصادر عن لقائهما بفرنسا. وقد ظهرت بوادر ذلك في تصريح للمشير خليفة حفتر حيث أكّد لصحيفة «الشرق الأوسط» الصادرة في 27 جويلية 2017 أنّه «ليس كلّ الأمور التي وردت في بيان باريس يمكن أن تتحقق…». 

3 – صعوبة تنفيذ عدد من بنود البيان المشترك على الأرض، خاصّة فيما يتعلّق بالترتيبات الأمنية، نظرًا لوجود العديد من الميليشيات المسلحة التي يصعب السيطرة عليها، وكذلك فيما يتعلّق بتنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ظلّ تردّي الأوضاع الأمنية والاقتصادية في ليبيا.

4 – عودة أنصار النظام السابق الذين يقدّرون بما يقارب نصف الشعب الليبي إلى الظهور من جديد في طيف المشهد السياسي الليبي، وسيكون من الضروري أن يؤخذوا بعين الاعتبار في أي تسوية قادمةويرى البعض أن خروج سيف القذافي من السجن وتطلعه إلى لعب دور سياسي في ليبيا قد يؤدّيان الى إعادة خلط أوراق اللعبة السياسية من جديد

5 – المصالح والقوى التي خلقتها حالة «الفوضى المستقرّة» في ليبيا منذ أكثر من ست سنوات والتي لن يكون من السهل السيطرة عليها أو اقتلاعهاوينطبق ذلك على الجماعات الإرهابية والعصابات الإجرامية العابرة للحدود التي تتخذ من الساحل والصحراء مسرحا لنشاطها، وعلى المرتزقة وتجار الأسلحة والشبكات العاملة في التهريب بمختلف انواعه وخاصّة منه تهريب النفط والاتجار بالبشر والهجرة غير الشّرعية.

وممّا يعقد الوضع أنّ سلسلة الانتصارات العسكرية على الجماعات المسلحة، على طول الساحل الليبي على البحر الأبيض المتوسط، وكذلك تفكّك تنظيم الدولة الإسلامية أجبرت مئات إن لم يكن الاف المسلحين، على البحث في صحاري ليبيا الشاسعة عن ملاذ لإعادة تنظيم صفوفها والتجنيد والتدريب، وربما التخطيط للعودة.

ولذلك ودون التقليل من شأن مخرجات لقاء باريس يمكن القول إن جميع هذه العناصر تجعل آفاق التسوية السياسية التي دعا إليها غائمة، إلا إذا أشفع الاتفاق الحاصل بين المشير خليفة حفتر وفائز السراج بجملة من الجهود الإضافية التي ينبغي بذلها متضافرة مع بعضها البعض من أجل تحقيق بداية انفراج حقيقي في الوضع الليبي

ويأتي في مقدمة هذه الجهود المطلوبة، الجهود الذاتية الليبية اذ يحتاج  الليبيون الذين أنهكهم تردّي الأوضاع الأمنية والاقتصادية والذين يعانون من فقدان أبسط مقوّمات الحياة اليومية من مياه للشرب وصحة وتعليم وطبابة أن يدركوا أن الحلّ لن يأتي من الخارج وإنّما يجب أن يكون منتجا محليا… «بقيادة ليبية وبملكية ليبية»، مثلما أكّد ذلك غسان سلامة في كلمته إلى مجلس الأمن.

ومن هذا المنطلق فإن الشعب الليبي مدعو إلى ممارسة كل ما بوسعه من ضغوط للدفع في اتجاه الحل الوحيد الممكن وهو إطلاق عملية إعادة بناء مؤسسي تستند إلى الاتفاق السياسي الليبي كمرجع، ولكنها تحرص حرصا شديدا على أن تشرك  في كل خطواتها جميع الجهات الفاعلة، بل جميع الليبيين، أيّاً كان وضعهم أو مواقفهم السابقة أو الحالية، وعلى رأسهم التكتلات الثلاثة الكبرى المعروفة وهي تكتل الشرق الليبي وتكتّل المجلس الرئاسي وتكتّل أنصار النظام السابق.

وربما كان من المهم أن يستغلّ الشعب الليبي الظرفية الإقليمية والدولية المواتية بفعل العناصر الأساسية التالية:

1 – ظهور إدارة فرنسية جديدة طموحة في الإليزيه لها رؤية تختلف عن الإدارة السابقة.

2 – بوادر استعادة روسيا لدورها ونفوذها في ليبيا من خلال انفتاحها على المشير خليفة حفتر وتعاونها المتنامي معه وهو ما يهيّئها للمساهمة في تعزيز فرص التوصل إلى حلّ للأزمة الليبية

3 – انعكاسات أزمة الخليج المحتملة على ليبيا خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار الدور الذي تلعبه كلّ من الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر مع كل من شرق ليبيا وغربهافانشغال دولتي الإمارات وقطر بالأزمة الناشبة بين الرباعي الخليجي المصري وبين الدوحة، وانحسار سطوة تيارات الإسلام السياسي وتحديدًا حركة الإخوان المسلمين التي باتت مصنفة كحركة إرهابية في السعودية والإمارات والبحرين ومصر من شأنهما أن يُغيرا بعض مواقع وأدوار الفاعلين السياسيين في المشهد الليبي.

على أنّه سيكون من الضروري أن ترفد الجهود الذاتية الليبية جهود أممية حثيثة ومكثفة تمكّن من التوفيق بين سياسات الفاعلين الدوليين والإقليميين في الصراع الليبي وربّما توحيدها حتّى لا تظلّ مساعي التسوية عرضة للفشل والإخفاق بسبب تضارب المصالح فيما بينها، غير أن ذلك لن يتأتى إلّا إذا وضع غسان سلامة نصب عينيه أنه المبعوث الأممي السادس إلى ليبيا منذ بدء أزمتها، وأن عليه أن يعمل في صمت وألا يبالغ في التفاؤل وفي الثقة بالنفس كما فعل في تصريحاته الأولى حيث أكّد أنه ما كان ليقبل بالمهمة لو لم يكن واثقا من نجاحه في إنجازها

ومن ناحية أخرى فإنه من الضروري أن تثابر تونس التي كانت وستظل محطة رئيسية لتحرّكات معظم الفاعلين في المشهد السياسي الليبي على مواصلة العمل من أجل تقريب ساعة الحل السياسي في ليبيا وذلك من خلال الحرص على الاستمرار في تهيئة الظروف الملائمة لإنجاح مبادرتها المشتركة مع كل من الجزائر ومصر رغم التعثرات التي عرفتها أو قد تعرفها مستقبلا

كما إنّ تونس مدعوّة إلى إحكام وتدعيم التنسيق مع الجزائر لا سيما فيما يتعلّق بموقفهما من المشير خليفة حفتر إذ أنّهما وبالرغم ممّا قد يخامرهما من الهواجس والمخاوف من خططه ونواياه، وبالرغم من نقاط الاستفهام التي يثيرها تفضيله  الطيران إلى باريس وقبلها إلى أبو ظبي والقاهرة على زيارتهما، ينبغي أن تضعا في حسابهما الموقع الذي بات يحتله في السّاحة الليبية وعلى الصعيد الدوليوربما أن تعملا على التوصل إلى حدّ أدنى من التفاهمات معه لأنه بات من الواضح، بالخصوص بعد لقاء باريس الأخير، أن أسهمه ارتفعت عند القوى الغربية، وأنه لا بدّ من ردم الهوّة بينهما وبينه حتّى لا ينغمس أكثر فأكثر في المربع المصري الإماراتي وحده.

ومهما يكن من أمر وخلاصة القول في رأيي هي أن الأزمة الليبية تقف اليوم على عتبة بداية انفراج تدريجي نتيجة تضافر عاملين اثنين أوّلهما أنّ ليبيا باتت مهيّأة للبدء في السير على طريق المصالحة الوطنية والتسوية السياسية، وثانيهما أن المجتمع الدولي ممثَّلًا في الرباعي الراعي للاتفاق السياسي في ليبيا (الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي) بات بدوره مهيأ لدفعها ومرافقتها في هذا الاتجاه

وغني عن القول إن من حقّ دول الجوار الليبي ومن واجبها في آن واحد ان تضطلع بدور محوري في تيسير التسوية المأمولة وتحقيقها.

***

محمّد ابراهيم الحصايري ـ كاتب وباحث من تونس، دبلوماسي سابق وعضو مؤسس لجمعية المنتدى الدبلوماسيوعضو في جمعية دارسات دوليةنشرت له العديد من المقالات في الصحف والمجلات التونسية والعربية.

______________