Minbar Libya

بقلم المهدي عزّوز

أصل الانقسام في ليبيا بين ثلاثة أقاليم شرق وغرب وجنوب. كان لكل إقليم ولاؤه الدولي أو الإقليمي. وكانت كل من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا تتنازع السيطرة على البلاد، واستدامة حالة الانقسام.

 ثانيا: الدفاعات الذاتية الوحدوية

ونحن نستعيد تاريخ الانقسام الليبي ما قبل الاستقلال، ونتتبع المحطات التاريخية لتلك المرحلة، تستوقفنا وجوه وطنية ودولية عملت جاهدة على ردم الهوة بين الأطراف المتباعدة في الهوى والجغرافيا. فاللحظات الصعبة التي مرت بها ليبيا لم تخل من وجودن خبة وحدوية ناضجة، كانت قادرة على وأد الفتن ورأب الصدوع وإنجاز التوافقات، بل وتفويت الفرصة على المستعمرين. لقد نجح الملك إدريس في توحيد برقة بعد أن صالح بين القبيلة والسياسة، وبين الدعوة والدولة، وبين الزاوية والسلاح. ليجعل بعد ذلك من برقة الموحدة نقطة ارتكاز لتوحيد الوطن. وحين كانت النخبة الطرابلسية تلتقي حول برنامج الحد الأدنى في القاهرة سنة 1946، وتوفد مبعوثيها محمود المنتصر وطاهر المريض إلى الملك، كان إدريس السنوسي يستجيب لدعوة الوحدة ومضمونها السياسي، فيما عرف بالاتفاق التمهيدي.

وقد نص الاتفاق على الوحدة والاستقلال والقبول بقيادة السنوسي. وعلى الرغم من فشل المباحثات التي تلت ذلك الاتفاق في مدينة بنغازي، فقد كانت جمعية عمرالمختار جريئة في تحميل المسؤولية للطرف المتخاذل. واعتبرت نكسة كان على الليبيين التواقين إلى وحدة وطنهم أن يعملوا على تجاوزها. وبالفعل لم تمر إلا سنوات قليلة حتى كان السيد إدريس السنوسي يعلن عن استقلال برقة. وقد مثل ذلك الإعلان فرصة لتذويب الجليد بين الشرق والغرب، حيث تقاطرت وفود الطرابلسية على برقة لتهنئة الأمير بذلك الإنجاز.

وفي طريقه إلى بريطانيا كان الأمير السنوسي يمر بطرابلس التي استقبلته استقبالا منقطع النظير. لقد ساهمت كل تلك التطورات في إحياء آمال الوحدة بين الطرفين. كما ساعدت على توحيد الموقف خلال عرض المسألة الليبية على الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتواضع الوفود الليبية على اختيار الدكتور علي العنيزي ناطقا موحدا باسم الجميع. وحين كان بشير السعداوي يتزعم الجبهة الطرابلسية، تارة باسم الجبهة الوطنية الموحدة، وطورا باسم حزب المؤتمر الوطني الطرابلسي، فقد كان الرجل يتقن بناء المبادرات السياسية، تماما كما يتقن فن التنازل.

ولم يكن للتنازل معنى خارج الانتصار للوحدة الوطنية. فحين تأسست الجمهورية الطرابلسية بقيادة سليمان الباروني، قصد ملء الفراغ بعد انسحاب من بقي من العثمانيين في طرابلس، كانت الأوضاع مفتوحة على كل الاحتمالات، بما فيها تفجر جولات جديدة من الصراع السياسي والعسكري مع الإيطاليين. آنذاك وجه الطرابلسيون دعوة إلى بشير السعداوي كي يعود إلى ليبيا، للإسهام في إدارة الدفة السياسية. وقد كان السعداوي ينوي تأسيس جبهة متحدة لقيادة القطر البرقاوي الطرابلسي.

ولكن حين عاد، كانت الخلافات قد أخذت طريق اللاعودة بين مصراتة وورفلة مع مقتل زعيم مصراتة آنذاك رمضان السويحلي، وتوسعت الاصطفافات القبلية في معظم المنطقة الغربية في ضوء تلك التطورات. فتحول دوره من تأسيس جبهة متحدة لليبيين، إلى العمل على لجم النزاعات الداخلية بين الزعماء المحليين. فخاض في تلك الظروف العصيبة مسعى صلحيا مضنيا بين الأطراف، لتوحيد الكلمة. وقد استمرت جهوده في إطفاء الحرائق حوالي الأربع سنوات.

وعلى ذلك النهج ساق رفاقه من الحراك الطرابلسي إلى ضرورة التسليم للسيد السنوسي بالزعامة، حين كانت تلك الزعامة برمزيتها وأدائها عامل توحيد لليبيين. حتى أن البرقاويين قد اعتبروها شرطا لأي اتفاق بين الطرفين. وكان السعداوي يدرك أنه لا سبيل لتوحيد برقة وطرابلس إلا بمبايعة إدريس السنوسي ملكا على ليبيا. وقد نجح الرجل في إقناع الجميع، على الرغم من وجود وجاهات طرابلسية ذات وزن سياسي واجتماعي تعارض تلك الزعامة، من مثل أحمد السويحلي، وأحمد بك المريض وغيرهما.

وهو بذلك قد أعطى لليبيين فرصة تجاوز أعقد القضايا الخلافية بينهم في تلك المرحلة، أي مسألة القيادة. فقد تمكن من سد أخطر المنافذ التي يمكن أن يلج منها المستعمرون لتفتيت البلاد. وحين انشق أحمد الفقيه حسن عن الجبهة الوطنية الموحدة ليؤسس الجبهة الوطنية الحرة، كان السعداوي يبعث إليه برسالة ترشح بمعاني الالتزام والمسؤولية الوطنية.. لقد كتب إليه يقول..“أدعوكم إلى أن تبذلوا أقصى ما في وسعكم لتضييق شقة الخلاف وتوحيد الجهود. ولقد دفعني الحرص على سلامة البلاد ووحدتها إلى تأييد زعامة السيد إدريس السنوسي”.

وبالإضافة إلى وحدة الموقف السياسي حول زعيم واحد، فقد توحد الليبيون كذلك حول برنامج سياسي واحد من ثلاث نقاط، وهي الاستقلال والوحدة، والانضمام لجامعة الدول العربية. والناظر في تاريخ بشير السعداوي، يلاحظ أن الرجل قد يتنازل عن مواقع هو بها جدير، إذا اقتضت الظروف السياسية للبلاد ذلك التنازل. حتى أنه خير بعد الاستقلال مباشرة، أن يغادر المشهد السياسي، بل أن يغادر ليبيا برمتها. ربما نصحوه أو ربما التمسوا منه الخروج، ولكن أيا كانت الحيثيات، فإن البلد المستقل حديثا لا يقبل تعدد المرجعيات في القرار السياسي، ولا يحتمل تعدد الزعامات، فغادر المشهد وغادر البلاد، كي تستمر ليبيا موحدة، وكي لا تنهكه التجاذبات.

لقد سادت قناعة لدى الليبيين مفادها أن الوحدة هي الأصل وأن الانقسام مجرد استثناء عابر في التاريخ الليبي. فخاضوا لأجل ذلك نضالا مستمرا على جبهتين، ضد الاستعمار وضد التجزئة. وكان مطلب الوحدة يسبق دائما مطلب الاستقلال. ففي إحدى المذكرات التي وجهها الليبيون إلى وزراء خارجية الدول الكبرى بعد مؤتمر السلم بباريس 1947، جاء التأكيد لا لبس فيه، أن ليبيا موحدة وأنها لا تقبل التجزئة.

وأن “أهل ليبيا جميعا من برقاويين وطرابلسيين يعلنون على الملأ أنهم يستنكرون كل فكرة ترمي إلى أي تقسيم يقع في بلادهم، وهم يعلنون كذلك أنهم قد وطنوا النفس على أن يقاوموا بكل الوسائل أي تقسيم يجري في بلادهم، وأن يقاوموه ما وسعتهم المقاومة”ومن هنا فقد أصبح التيار الوحدوي في طريق مفتوح لمحاصرة التجزئة وأنصارهاوقد جاء تأسيس الأمم المتحدة ليعزز ذلك الاتجاه.

ثالثا: الأمم المتحدة تاريخ أدوار

لقد مثلت التحولات الدولية نهاية الحرب العالمية الثانية بيئة مناسبة لليبيين للدفاع عن استقلالهم السياسي. وقد كانت النخبة الليبية وعلى رأسها إدريس السنوسي، جاهزة فكرا وعملا لالتقاط أنفاس تلك التحولات الاستراتيجية، بل واللعب على التناقضات التي كانت تشق التوازنات الصاعدة في تلك المرحلة. وقد ترافق تأسيس الأمم المتحدة مع التطلعات الإنسانية الواسعة لتصفية الاستعمار البغيض.

فركب الليبيون تلك الموجة، وجعلوا ميثاق المنظمة الوليدة حجة لهم أمام العالم. وحين أوصت الدول الكبرى بعد مؤتمر السلم بباريس بإحالة المسألة الليبية إلى الأمم المتحدة، كانت المنظمة الدولية ترسل لجنة للتحقيق إلى ليبيا للوقوف على رغبات سكانها. حينها كانت عجلة التوحيد تسابق الزمن، لتوحد الجهود والوفود. وحين تم الإعلان عن استقلال ليبيا، فقد عمل المجتمع الدولي على مساعدة الليبيين على بناء دولتهم.

وسيظل التاريخ يحفظ الدور الإيجابي لمبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا آنذاك الهولندي أدريان بالت. لقد أكد الرجل على الوشائج الكبيرة التي أصبحت تربطه بالشعب الليبي. وقد ساعده ذلك التعاطف مع شعب ضعيف يتحسس طريق الخلاص على أداء مهمته التاريخية تجاه ليبيا.

وهكذا فقد تمكن الرجل من وضع خارطة طريق لمساعدة الليبيين على إدارة أوضاعهم، وتأسيس دولة حديثة لا تجافي أنظمة العصر. ولأداء مهمته، كان أدريان بالت يجوب ليبيا شرقا وغربا، جنوبا وشمالا. كما كان يتردد على أهم عواصم القرار الدولي. وقد استمر في جهوده على الرغم من كل العراقيل. وقد كان الرجل واعيا بحقيقة التوازنات السياسية والقبلية، وبكل مقتضيات الانتماء العربي والإسلامي لليبيين.

فكان ينظر إلى تعاليم الإسلام كأرضية تضمن التعدد والاختلاف. لذلك استهجن بالت إمكانية استيراد دستور جاهز لفرضه على الليبين، فتلك مهمة مغلوطة من وجهة نظره. فلن يسري على الليبيين إلا ما ارتضوه لأنفسهم من حكم أو قوانين أو دساتير. ف”أهل البيت” كما كان يقول هم الأولى بترتيب بيتهم. وهكذا فقد نجح في أن يتوج ذلك المسار في نيل الليبيين استقلالهم.

واليوم تقف ليبيا المنقسمة أمام تاريخها، فتبحث في ملامحها الوطنية عن سنوسي وسعداوي، كما تبحث في المنتظم الأممي عن إمكانية وجود أدريان بالت..

 رابعا: تشابه الماضي والحاضر

إن الانقسام الليبي يستعاد اليوم بأكثر الفصول درامية. فقد أعقب ثورة جاءت أصلا لترجمة الآمال العريضة لليبيين، في الحرية والكرامة. وقد وحدت الليبيين الثائرين من أقصى ليبيا إلى أدناها. وحدهم التصدي لنظام قهري استمر على الجماجم أكثر من أربعين سنة. كما وحدتهم يوتوبيا بناء مجتمع الحق والعدل والحرية. تلك اليوتوبيا التي ظلت تحرك الليبيين في كل محطات تاريخهم المعاصر.

وقد كان الشعار الذي طغى على هتافات الثورة قي 2011 “لا شرقية لا غربية، ليبيا وحدة وطنية”. فلم تجاف ثورة 17 من فبراير الوحدة الوطنية، كما لم تنتصر للتجزئة. وقد سارعت منذ اللحظات الأولى إلى تأسيس “ائتلاف 17 فبراير” كقيادة موحدة. إن ليبيي الأمس لم يوحدهم النضال السياسي ضد المستعمرين، بقدر ما وحدتهم دولة الاستقلال.

أما ليبيو اليوم فقد وحدتهم الثورة على الدكتاتورية، في حين فرقتهم دولة ما بعد الثورة. نضال يفرق، وآخر يوحد. دولة توحد وأخرى تفرق. وفي المحصلة، إن الليبيين الذين نجحوا في إزاحة الدكتاتورية، وجدوا أنفسهم أمام تحدي بناء الدولة وإدارة الاختلاف.

لقد كانت عقود السواد الأربعة باهظة التكلفة. فكأن القذافي يعاقب الليبيين حيا وميتا. فطوال السنوات العجاف لم يتمكن الليبيون من تصعيد خبرات سياسية وإدارية من خارج النسق السائد، بحكم حالة التصحر والانغلاق. حيث لم تعطهم حالة العسكرة المعممة فرصة لبناء مجال سياسي على قاعدة الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، وتكافؤ الفرص، ومن ثم إنتاج النخبة وبعث المؤسسات. فالنظام المشخصن قد اختزل كل شيء في صورة القائد والزعيم.

فبدت النخبة الليبية لأجل ذلك أقل جاهزية لإدارة المرحلة. فاستعادت الثورة الليبية بصورة مفارقة تلك الاختراقات المشبوهة وتلك التواريخ الدامية، لتصبح بمثابة الجسد الذي تخترقه الثقوب. فبرزت إلى السطح جملة من الثنائيات المكلفة. فالثورة أصبحت تقابلها ثورة مضادة، والثوار يقابلهم “طحالب”كما يقول الليبيون، والقديم المتوجس يقابله جديد متربص، وعملية فجر ليبيا تقابلها عملية الكرامة، وبرقة تقابلها طرابلس. وبدا قصر المرمر منتصبا يتوسط الجغرافيا الليبية من جديد، لكأنه يقسم ظهر الثورة، بقدر ما يقسم ظهر الوطن.

فهل يصلح آخر ليبيا بما صلح به أولها؟

أو هل تصلح ثورة ليبيا بما صلح به استقلالها ذات ديسمبر من عام 1951.

خاتمة

إن ليبيا الراهنة تقف اليوم أمام تحدي تاريخها. تاريخها الاستثنائي الذي صاغه أولئك الذين استعاضوا عن التجزئة بالوحدة، وكانوا قادرين على تأمين الاستقلال والوحدة وإعادة بناء الدولة، على الرغم من أن التاريخ لم يسعفهم بالقياس على مثال سبق.

فقد انطلقوا من الفراغ ليبنوا الزعامة، ومن الاستعمار ليحققوا الاستقلال، ومن التشرذم ليحققوا الوحدة.. ومن الشتات ليؤسسوا الدولة…ونحسب أن ليبيا أمام الملمات لابد من أن تستحضر تاريخها الوحدوي وكل تلك الوجوه الطيبة، لتعدل اتجاه البوصلة.

فلابد في حالة الضياع الحضاري من إصلاحي، ولابد في حالة الانقسام السياسي من زعيم.

فكما لابد من إدريس السنوسي جديد في الشرق الليبي، فإنه لابد من بشير سعداوي جديد في الغرب الليبي.

وكي تنجح الأمم المتحدة في إعادة ترتيب الأوضاع في ليبيا، فلابد من أدريان بالت جديد ولو بعد حين.

***

المهدي عزّوز ـ باحث بمركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية

_ ____________