Minbar Libya

بقلم المهدي عزّوز

أصل الانقسام في ليبيا بين ثلاثة أقاليم شرق وغرب وجنوب. كان لكل إقليم ولاؤه الدولي أو الإقليمي. وكانت كل من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا تتنازع السيطرة على البلاد، واستدامة حالة الانقسام.

ولكن النضالية الليبية كانت دائما بالمرصاد. سواء تلك التي خاضت قتالا مسلحا ضد الإيطاليين، أو تلك التي خاضت جولات من الصراع السياسي كللت بإعلان الاستقلال في الرابع والعشرين من ديسمبر 1951.

ولم تكن دولة الاستقلال قادرة على القفز على تلك المعطيات القاسية، أو تجاوز حالة الانقسام بعيد الاستقلال، بل كانت مضطرة للتعايش معه ولو على مضض. فاضطرت للاعتراف بالأقاليم الثلاثة كمكون للمملكة الليبية في إطار كونفدرالي. ويجب انتظار العام 1961، أي حوالي عشر سنوات بعد الاستقلال لتقع الاستعاضة عن تلك الرابطة السياسية الاستثنائية، بتوحيد المملكة توحيدا كاملا في إطار مركزي، تحت إمرة الشيخ إدريس السنوسي.

وخلال تلك المسارات الصعبة، برزت شخصيات وطنية ودولية عملت على إنضاج القطاف السياسي. كان الملك إدريس السنوسي زعيم الشرق الليبي ينجح في درء حالة التفتت المناطقي، بانفتاحه على الغرب الليبي، والتنسيق مع زعاماته، وخوض نضال مستميت من أجل استقلال ليبيا ووحدتها، ليتوج بعد ذلك ملكا على البلاد.

وفي الغرب كان الزعيم الكبير بشير السعداوي يعود من المهجر لتذويب تلك الاختلافات الناهضة بين المناطق والقبائل، وحين كانت ليبيا تؤمن استقلالها، لم يتردد الرجل في مغادرة البلاد في هجرة معاكسة، حين اقتضت التوازنات الداخلية أن يغادر، وذلك حفاظا على الوحدة.

وفي الوقت الذي كانت فيه ليبيا تحوز على استقلالها، كان المبعوث الأممي إلى ليبيا أدريان بالت يساهم مع الليبيين في معركة البناء، وقد كان لدوره الأثر الطيب على مستقبل ليبيا. لقد كان لكل من الشيخ إدريس السنوسي والزعيم بشير السعداوي، والمبعوث الأممي إلى ليبيا أدريان بالت الدور الحاسم في وحدة ليبيا المفتتة، وفي استقلالها.

لقد كان الشرق الليبي يتوق إلى غربه، ولم يكن ذلك ممكنا لولا وجود شخصية دينية بحجم إدريس السنوسي الإصلاحي والداعية. وقد كان الغرب الليبي يتوق إلى شرقه، ولم يكن ذلك ممكنا لولا وجود زعيم سياسي بحجم بشير السعداوي الذي اجتهد في رأب الصدع في كل مراحل الانقسام.

وحين جرى التصديق الأممي على استقلال ليبيا في الحادي والعشرين من نوفمبر 1949، كان أدريان بالت يأخذ طريقه إلى ليبيا، ليدعم ذلك التوجه نحو الاستقلال، وليساهم بحجم تطلعات تلك المنظمة الدولية الوليدة، في نحت الطريق الليبي نحو التحرر والبناء، برغم كل المناورات التي رافقت طرح المسألة الليبية في المنتظم الأممي. واليوم تستعيد ليبيا ذلك الانقسام. فهل في القوم سنوسي وسعداوي؟ وهل في الأمم المتحدة بالت أو شبيه به؟.

أولا: الانقسام الليبي رؤية تاريخية

  ينقل الرائد أنتوني “ج. كاكيا” عن المؤرخ الروماني “جايوس سالوستيوس” (86- 34 قم) واقعة تاريخية عن ليبيا تقول: إنه حين كانت قرطاج تتنازع السيطرة على ليبيا مع اليونانيين الذين احتلوا المنطقة الشرقية وأسسوا عاصمتهم قيرينا، مدينة شحات حاليا، تقول الأسطورة إن المنطقة الممتدة بين قرطاج وقيرينا كانت عبارة عن صحاري رملية، ليس فيها من جبل أو نهر ليكون علامة حدودية بين الكيانين المتنافسين، مما جعل الحرب لاتكاد تتوقف بينهما، حتى كادت تذهب بالقوتين فتداعى الطرفان إلى هدنة، تواضعوا خلالها على اتفاق مفاده أن ينطلق العداءون من كلا المدينتين في يوم معين، وأن يكون مكان الالتقاء هوالحد الفاصل بين المنطقتين.

اختار القرطاجنيون الأخوين فيلاني الذين كانا أسرع من ممثلي قيرينا. ولما أدرك أبطال قيرينا هزيمتهم، اتهموا القرطاجنيين ببدء الرحلة قبل موعدها. ورفضوا اعتبار الأخوين فيلاني فائزين، مقترحين في المقابل واحدا من حلين: إما أن يدفن الأخوين حيين في البقعة التي زعما أن حدود قرطاجنة يجب أن تكون عندها، وإما أن يسمحا لعدائي قيرينا بالتقدم غربا إلى نقطة تكون حدودا لليونان، ويدفنون عندها وهم أحياء.

فلم يكن من الأخوين فيلاني إلا أن قبلا بأن يدفنا حيين على الفور من أجل بلديهما. فأقام القرطاجنيون عند تلك البقعة نصبا للأخوين تكريما لهما. وقد أطلق جنود الجيش الثامن خلال الحرب العالمية الثانية على ذلك النصب اسم “قوس المرمر.

لقد كان التاريخ الليبي مشرب بالتناقضات المزمنة، والانقسامات الداخلية الحادة، والتدخلات الدولية المتعددة الوجوه. مما أجل بناء الدولة وإطلاق المؤسسات. والدارس لملابسات الانقسام السياسي في الحالة الليبية، يجد أن تلك الأوضاع تأتي معاكسة لطبيعة المجتمع الليبي نفسه. فهو مجتمع متجانس على مستوى الدين والمذهب، يمثل الإسلام مكونا رئيسيا لنسيجه العقائدي، إذا استثنينا وجود أقلية يهودية جاءت فارة من الحروب الدينية في إسبانيا، ليجدوا أن الليبيين المسلمين كانوا أكثر تسامحا من أوربا المسيحية.

أما على مستوى المكونات الاجتماعية، فلم يكن الاختلاف العرقي بين العرب والأمازيغ ذوي الأصول البربرية ليُهَوِنَ من الوحدة الوطنية. فتاريخيا كان البربر الداخلون في الإسلام بفعل الفتوحات الإسلامية في تجانس تام مع حالة التعريب المعمم. ولم ينهض بين القطبين أي استعداء إثني يمكن أن يقوض وحدة الليبيين، إلا لاحقا، نتيجة الحسابات الإقليمية والدولية.

ومن هنا يحق لنا أن نتساءل ونحن نبحث في جذور الانقسام بين الليبيين: ما هي النوازل التي طرأت على الاجتماع الليبي، ومثلت مسوغات حاسمة لحالة الانقسام؟.

ربما كان الانقسام الليبي مجرد معطى جغرافي حتّمته الرقعة الجغرافية الشاسعة للبلاد، خاصة في زمن الفقر والخصاصة، وانعدام وسائل التواصل، وضعف الكيان السياسي. لقد كانت ليبيا دائما أكبر من سكانها، بل إن سكانها قد تلاشوا في صورة مكروسكوبية بين أحراشها وصحرائها، فباعدت بينهم المسافات قبل أن تباعد بينهم الأزمات. وقد كان للجغرافيا أحكامها القاسية، حيث طغت البداوة على التحضر، وسيطر التجاهل على التعارف، كما سيطر الصدام على الوئام.

وليس غريبا أن تصبح القبيلة في مثل تلك الأوضاع نقطة ارتكاز النظام الاجتماعي. وقد عمل الاستعمار الإيطالي على تكريس أحكام الجغرافيا القاسية، حيث عمد إلى الفصل الإداري بين شرق البلاد وغربها، في حين ترك الجنوب ليعيش قدره البائس تحت الصراعات القبلية، ولاحقا تحت الاستعمار الفرنسي.

لقد انهارت دفاعات الدولة العثمانية كاستتباع لحالة الانهيار الشامل التي عرفتها نهاية القرن التاسع عشر، وجاءت معاهدة الصلح الذليل التي جرى التصديق عليها في قلعة “سوشي بلوزان” السويسرية في الثالث من أكتوبر 1912 مع الإيطاليين. وهي المعاهدة التي أثارت استياء الليبيين، حيث بادر أحمد الشريف من مركز الحركة السنوسية الجغبوب بمكاتبة الوالي العثماني أنور باشا في درنة ليقول له :”نحن والصلح على طرفي نقيض…إذا كان ثمن الصلح تسليم البلاد الى العدو”.

وقد سعى الإيطاليون جاهدين إلى تذويب تلك الروح الثورية لدى الليبيين، وإذكاء التناقضات بينهم. وباعتبار التجانس الديني والأقوامي في المجتمع والدولة، فقد لعب الإيطاليون على التناقضات القبلية والمناطقية. وهكذا فقد مثل الانقسام السياسي لليبيين مدخلا للاستعمار الإيطالي لتأمين السيطرة على البلاد والعباد. فجرى لأجل ذلك تثبيت حالة الانقسام بين طرابلس وبرقة بقوة السلاح وخبث المؤامرات. وهي الحقيقة التي أكدها الجنرال الإيطالي جراتسياني، حيث قال “أقيمت في كل من طرابلس الغرب وبرقة حكومة متميزة بمقتضى مرسوم ملكي صدر في التاسع من سبتمبر من عام 1912″.

ولتثبيت تلك الأوضاع الشاذة، فقد جرى تعيين الفريق ثاني أوتافيو بريكولا أول حاكم على برقة. في حين جرى تعيين نائب الأميرال بوريا ريتشي حاكما على طرابلس، في انتظار استتباب السيطرة. وقد أرفد ذلك الانقسام المناطقي بالعمل على التفريق بين القبائل. فانحازت بعضها إلى الاستعمار في حين انحازت أخرى إلى المقاومة. وحين احتلت القبيلة موقعا في تلك التجاذبات، فقد عمق ذلك الانقسام من حالة التنافر بين شرق البلاد وغربها، وأحيانا في المنطقة الواحدة.

وقد لعبت إيطاليا على كل التناقضات الممكنة، ففرقت بين القبائل، وبين المناطق، وبيد البدو والحضر، وبين العرب والبربر. وحين اختارت الزعامات الغربية الإعلان عن تأسيس الجمهورية الطرابلسية 1918، كان الإيطاليون ينجحون في تأجيج الخلاف بين مصراتة وورفلة، أو بين رمضان السويحلي وعبدالنبي بلخير، كما أذكوا النزاع بين الزنتان والبربر. وحين نجحوا في اختراق تلك الجبهات، فقد تمكنوا من إجهاض التجربة، والتمهيد للسيطرة على بقية مدن الجنوب ابتداء من السيطرة على غريان.

وبعد الحرب العالمية الثانية عمل الإنجليز على استثمار ذلك الإنجاز الإيطالي. فسيطروا على برقة التي اعتبروها منطقة قائمة بذاتها. وجرى التفريط في منطقة فزان لصالح الفرنسيين الذين سعوا لضمها لمنطقة نفوذهم الممتدة على طول وسط إفريقيا وشمالها. وبناء على ذلك توسعت دائرة رعاة الانقسام إلى ثلاث قوى استعمارية رئيسية. وفي كل ردهات الاستعمار الغربي، إيطاليا كان أم انجليزيا أم فرنسيا، فقد جرى تثبيت الانقسام المناطقي داخل ليبيا. ولم يكن ذلك إلا إجراء تكتيكيا لتثبيت السيطرة. أو المدخل المفضل لتسهيل الهيمنة.

والحقيقة أنه لا الجغرافيا وحدها، ولا الاستعمار وحده، ولا الاثنين مجتمعين، كانا قادرين على قسم ظهر ليبيا دون أن يصادف ذلك هوى في نفوس بعض الليبيين.

فالليبيون الذين كانوا يخضعون لمنطق القبيلة أحيانا، أو ينجذبون إلى هيمنة المنطقة أحيانا أخرى، كانوا ينزلون عند مقتضيات ذلك الانتماء الضيق، الذي عمل عبر التاريخ على إضعاف الانتماء الوطني الشامل، خاصة مع تصاعد دور الشيخ في القبيلة، ودور الزعيم في المنطقة وهكذا تحددت مواقف الزعماء في كثير من الحالات على أساس جهوي، وكان لكل جهة صاحب يتولى أمرها ويقرر مصيرها ويحدد موقفها”.ولكن تلك الظواهر السلبية لم تخل من مضادات سياسية وحضارية ظلت تعمل دائما لصالح الوحدة والتحرر.

البقية في الجزء الثاني

***

المهدي عزّوز ـ باحث بمركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية

_____________