Minbar Libya

بقلم محمّد ابراهيم الحصايري

إن قراءة الوضع الراهن في ليبيا ومحاولة استشراف مآلاته الممكنة ليستا بالأمر السهل، فهو وضع متحرّك بلا انقطاع، كرمال الصحراء الليبية مترامية الأطراف

وقد ضاعفت من وتيرة تحرّكه، علاوة على تعدّد أطراف الصراع وكثرة الفاعلين الإقليميين والدوليين فيهجملةُ التطورات التي شهدتها الأشهر الأخيرة وبالتحديد الصائفة الماضية سواء على المستوى الداخلي أو على المستويين الإقليمي والدولي

في الداخل، شهدت الأشهر القليلة الماضية تمكّن المشير خليفة حفتر من إحكام قبضته على مدينة بنغازي وقيام قواته، أي «قوات الجيش الوطني الليبي» بمحاصرة مدينة درنة

كما شهدت، في التاسع من شهر جوان 2017، إطلاق سراح سيف القذافي، بعد أن ظل محتجزًا لمدة ست سنوات.

أما على الصعيد الإقليمي فقد شهدت انطلاق الحرب على «الدولة الإسلامية».

كما شهدت في مطلع شهر يونيو 2017 اندلاع الأزمة بين الرباعي الخليجي المصري وبين دولة قطر.

وأما على الصعيد الدولي فقد شهدت الصائفة الماضية عدّة أحداث هامة كان أوّلها موافقة مجلس الأمن في 20 يونيو 2017، على تعيين الأستاذ الجامعي ووزير الثقافة اللبناني الأسبق، غسان سلامة، مبعوثا جديدا للأمم المتحدة إلى ليبيا خلفًا للألماني «مارتن كوبلر».

ومن ناحية أخرى انعقد في 25 يوليو الماضي اللقاء الذي جمع بين المشير خليفة حفتر ورئيس الحكومة فائز السراج في فرنسا بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وإلى ذلك، تحتضن برازافيل عاصمة الكونغو في التاسع من الشهر الجاري القمّة التي ستعقدها لجنة الاتحاد الإفريقي رفيعة المستوى المعنية بليبيا بمشاركة الجهات الرئيسية الفاعلة الليبية، وذلك لمحاولة الإسهام في إيجاد حلّ للازمة الليبية.

ومن بين مجمل هذه التطورات التي ميزت الصائفة المنقضية توقّف الملاحظون بصفة خاصة عند لقاء باريس الذي اختلفت الآراء بشأنه وبشأن النتائج التي أفضى أو يُحتمل أن يُفضي إليها مستقبلا.

فلقد اعتبره المتفائلون من المحلّلين مؤشّرا على بداية مرحلة جديدة في مقاربة الدول الغربية للمسألة الليبية، فهو كما يرون يدلّ على أن هذه الدول ربما تكون قد قرّرت وضع حدّ لطور الفوضى والانفلات المدمّرين في ليبيا، وتدشين طور جديد هو طور إعادة الاستقرار إلى ربوعها تمهيدا لعملية إعادة إعمارها التي ستؤمّن لها، حتما، جني مغانم كبيرة وكثيرة من الموارد الهائلة التي سترصد لهذه العملية.

ثمّ إنّ البيان الصادر عن اللقاء أكّد أن «حلّ الأزمة الليبية لا يمكن أن يكون إلا حلًّا سياسيًّا، يمرّ عبر مصالحة وطنية، تجمع بين الليبيين وكافة الجهات الفاعلة المؤسساتية والأمنية والعسكرية»، وهو ما اعتبروه بمثابة خارطة طريق لانطلاق تسوية سياسية وشيكة، تبدأ باتفاق الطرفين على وقف إطلاق النار بشكل كامل، وتكتمل بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في أقرب وقت ممكن.

أما المحللون المتشائمون أو الأقل تفاؤلا فإنهم يرون أن التحرك الفرنسي ليس منزّها أو بريئا، وأنه جاء في هذا التوقيت بالذات لخدمة أجندة فرنسية معيّنة، فهو، أوّلا وقبل كل شيء، يشكّل «حملة علاقات عامّة» أطلقها الإيليزيه لإبراز الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون  بعد ثلاثة أشهر فقط من توليه الرئاسة في صورة فاعل سياسي مؤثّر على الساحة الدولية.

أما الهدف الأبعد من ذلك، فهو ضمان مصالح فرنسا وتوسيع نفوذها لا سيما في جنوب ليبيا حيث ما فتئت فرنسا التي تتعاون وتنسّق أمنيًّا مع حكومتي التشاد والنيجر، تسعى إلى تأمين موطئ قدم لها في الجنوب الليبي يمكّنها من تعزيز وجودها العسكري في منطقة الساحل الإفريقي التي تشكِّل أهمية جيو سياسية وجيو استراتيجية بالغة الأهمية بالنسبة إليها.

ثمّ إنّ نفس المحلّلين يرون أن التحرّك الفرنسي ليس إلا واحدا من التحركات العديدة التي تقوم بها أطراف دولية وإقليمية مختلفة، وهو ما يدلّ على أنّ هذه الأطراف لم تتمكّن حتّى الآن من الاتفاق على خطّة موحّدة لحل الأزمة الليبية.

ومثلما نبّه إلى ذلك وحذّر منه غسان سلامة، في الكلمة التي توجه بها إلى مجلس الأمن الدولي، فإن «تعدّد المبادرات السياسية لتسوية الأزمة في ليبيا تربك جهود المنظمة الدولية الرامية إلى مساعدة الليبيين على تخطّي أزمتهم»، ومع أنه اعرب، ربّما من باب المجاملة، عن تقديره لجهود جميع الحكومات والمنظمات العاملة على تعزيز السلام والمصالحة بين الليبيين، فإنّه اعتبر «أنّ تزايد المبادرات الرامية إلى التوسط يفضي على نحو ما إلى الوقوع في خطر إرباك المشهد السياسي».

وهم يستدلّون على صحة ما يذهبون إليه بأن التحرك الفرنسي الذي اتّسم بــ«الانفرادية» قد زاد الأمور تعقيداحيث أنه، على عكس المؤمّل منه، أثار حفيظة الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الأوروبية وخاصة منها إيطاليا التي لم تخف امتعاضها بل غضبها منه، وهو ما عبَّر عنه وزير خارجية إيطاليا في العديد من تصريحاته.

ومعلوم أن الرد الإيطالي على التحرّك الفرنسي جاء سريعا، إذ بادرت إيطاليا إلى دعوة كل من المشير خليفة حفتر ورئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، لزيارتها، مباشرة بعد انتهاء لقاء باريس، ولئن تجاهل المشير خليفة حفتر هذه الدعوة فان فائز السراج لبَّاها فتحول من باريس إلى روما حيث اتّفق مع الجانب الإيطالي على تفعيل الاتفاق الليبي الإيطالي المبرم بين الطرفين منذ سنة 2008، والذي ينصّ على تقديم البحرية الإيطالية لنظيرتها الليبية الدعم الفني والمساعدة في مجالي الصيانة والتدريب.

وقد جاء تفعيل هذا الاتفاق الذي اعتبره فائز السراج «نصرا سياسيا» ليهدّد ما تمّ الاتفاق عليه في باريس حيث أنّه «استفزّ» المشير خليفة حفتر حتّى أنّه هدّد بضرب أيّة سفينة تدخل المياه الإقليمية الليبية.

والحقيقة أن التّفعيل لم يستفز المشير خليفة حفتر وحده، وإنّما استفزّ  أيضا بعض أعضاء المجلس الرئاسي نفسه، كما أثار أيضا حفيظة أنصار النظام السابق، وأدى إلى خروج مظاهرات في مدن طرابلس وطبرق وبنغازي وسبها، وحرق العلم الإيطالي احتجاجا على قيام إيطاليا بإرسال قطعتين بحريتين إلى الشواطئ الليبية، وهو ما اعتبره المتظاهرون انتهاكًا صارخًا للسيادة الليبية، وعودة مفضوحة للاستعمار الإيطالي إلى ليبيا تحت غطاء ما يسمّى بمكافحة الهجرة غير الشرعية.

وهكذا يمكن القول إن هذا التفعيل شكّل أوّل امتحان لمدى قابلية الاتفاق الذي تمّ توقيعه في باريس للتنفيذ.

وإذا جئنا الآن إلى محتوى الاتفاق فإنّنا نلاحظ أن المسار الذي رسمته النقاط العشر التي نصّص عليها يتّسم بالعمومية والإفراط في التفاؤل، وهو يثير مشكلة كبرى لأنه يقفز على حقائق الساحة الليبية، ويتناسى أنّ المشير خليفة حفتر ممثّل «الشرعية العسكرية»، وفائز السراج ممثل «الشرعية السياسية» كما وصفهما الرئيس الفرنسي، ليسا الطرفين الوحيدين في ليبيا…

البقية في الجزء الثاني

***

محمّد ابراهيم الحصايري ـ كاتب وباحث من تونس، دبلوماسي سابق وعضو مؤسس لجمعية المنتدى الدبلوماسيوعضو في جمعية دارسات دوليةنشرت له العديد من المقالات في الصحف والمجلات التونسية والعربية.

______________