Minbar Libya

بقلم مهدي ثابت

تعيش ليبيا على وقع تطورات على غاية من الأهمية. متغيرات داخلية ومواقف دولية متضاربة . كل ذلك في ظل احتدام الخلاف بين قطبي الصراع في ليبيا وهما حكومة الوفاق وعملية الكرامة يصاحب كل ذلك أزمات اقتصادية واجتماعية كبيرة تهدد كيان الدولة، وهو ما ينبئ بتغيرات كبرى في المشهد قريبا .

القوى الخارجية ودورها في الملف الليبي

1 – الأمم المتحدة

إن الأمم المتحدة هي الراعي الرئيسي لاتفاق الصخيرات الذي لا ترى بديلا عنه للمعضلة الليبية على ما في الاتفاق من هنات وضعف . والتغيير الأخير للمبعوث الأممي دليل على فشل كوبلر. وتسمية غسان سلامة الشخصية العربية لإدراك الأمم المتحدة بأنه أكثر قدرة على فهم العقلية الليبية وعلى التواصل بأكثر فاعلية مع مختلف الفرقاء.

الأمم المتحدة هي الداعم الرئيس لحكومة الوفاق الوطني. وتنسق مع مختلف المتدخلين الدوليين في الملف وخاصة مع ايطاليا اللاعب الأكبر في ليبيا . كما تسعى مع بقية الأطراف الدولية إلى إيجاد توافقات بين هذه الدول لتقريب وجهات نظرها للحل في البلاد . فهي لا تملك أذرعا تنفيذية لفرض مشروعها وإنما تحاول توحيد موقف المجتمع الدولي حوله . وهذا ليس أمرا هينا وإنما يستوجب مراعاة مصالح هذه الدول. وهذا عامل من عوامل تعثر المشروع الأممي في ليبيا.

2- ايطالياإن إيطاليا هي أكثر الأطراف الخارجية تأثيرا في الداخل الليبي وهي متواصلة مع مختلف الفرقاء السياسيين . كما لها علاقات مع الكتائب المسلحة الأمنية والعسكرية ومساهمة بشكل فعال في تأسيس الحرس الرئاسي الجهاز التنفيذي الذي يشتغل فعليا تحت إمرة المجلس الرئاسي. كما تنسق مع كتائب طرابلس (كتيبة قوة الردع الخاصة وكتيبة ثوار طرابلس وكتيبة الدعم المركزي) ومع بعض الكتائب العسكرية الأخرى لفرض الأمن في العاصمة ولمنع دخولها من أي جهة أخرى مناوئة لحكومة الوفاق الوطني.

وسياسيا هي تتواصل مع مختلف الأطراف سواء المساندة للاتفاق أو الرافضة له. وتتواصل مع مختلف الفعاليات في الشرق المحسوبة على عملية الكرامة لمحاولة إقناعها بضرورة الانخراط في مشروع الوفاق الوطني. كما أن السيد السراج ينسق بشكل فعال مع ايطاليا الذي يرى فيها الدولة المدركة لطبيعة ما يجري في البلاد والتي لها استراتيجية عمل واضحة انطلاقا من اتفاق الصخيرات الذي هو مرجعية ايطاليا في تصورها للحل.

إن الأمم المتحدة تعتمد كثيرا على التعاون الإيطالي في الملف الليبي ودرجة التنسيق معها عالية جدا. وربما هذا ما جعل بعض الأطراف الأوروبية الأخرى على غرار فرنسا تنزعج من الدور الايطالي المتقدم جدا وتدخل على الخط في محاولة للعب دور يضمن لها مصالحها في أي حل قادم.

وهذا ما أزعج الولايات المتحدة الأمريكية وهي الشريك الأكبر للدولتينوالتي بدأت تدخل بقوة على الساحة الليبية من خلال التلويح بورقة عبد الباسط اقطيط في محاولة لفرضه كبديل عن السراج في إطار التمشي الذي أصبح الجميع مقتنعا به وهو ضرورة تغيير تركيبة المجلس الرئاسي ليصبح رئيسا ونائبين عوضا عن التركيبة الحالية التي أعاقت أداءه كثيرا.

3- فرنساتاريخيا،  ليس لها نفوذ في ليبيا. ولكنها بعد ثورات الربيع العربي  غيرت من استراتيجيتها ودخلت بقوة على ساحة الصراع في البلادوغاية فرنسا من تدخلها في الملف الليبي هو ضمان مصالحها في الجنوب الليبي الغني بالثروات والذي يربطها بمستعمراتها السابقة جنوب الصحراء الافريقية. وقد وجدت في الجنرال حفتر ضالتها إذ وعدها بمصالح كبرى في هذا الإقليم الغني إن هي ساندته في بلوغ غايته وهي حكم ليبيا.

ولعل الخلاف الكبير الآن بين الشريكين الأوروبيين فرنسا وايطاليا هو الموقف من الجنرال حفتر المرفوض من ايطاليا والمرغوب من فرنسا وهو ما عطّل إلى حد كبير الحل في البلاد. إن فرنسا تلتقي مع مصر ومع الإمارات العربية المتحدة في الوقوف الى جانب حفتر رغم التباين بينها في بعض السياسات.

إن فرنسا تسعى اليوم إلى فرض شريكها حفتر في المشهد رغم إدراكها استحالة تمكينه من حكم البلاد بفعل موازين القوى التي هي في غير صالحه. ولذلك سعت مؤخرا لجمعه بغريمه السراج في محاولة لإيجاد أرضية تفاهم بين الرجلين تضمن لحفتر موقعا فاعلا في المشهد ؟ ولكن المتغيرات القادمة قد تجعل فرنسا تغير كثيرا من سياساتها في ليبيا.

4- الولايات المتحدة الأمريكيةلقد ساهمت أمريكا في إطار الحلف الأطلسي في إسقاط نظام القذافي. ولكنها بعد ذلك لم تجعل الملف الليبي أولوية لها، وإنما رحلته لحلفائها الأوروبيين بقيادة إيطاليا. إلا أن الخلاف في الرؤى والاستراتيجيات بين هؤلاء الحلفاء حول الحل في البلاد جعل الأوضاع أكثر تعقيدا، وهو ما جعل القيادة الجديدة في البيت الأبيض تقرر الدخول بقوة إلى الساحة الليبية عبر تصور هو أقرب إلى الحليف الايطالي منه إلى فرنسا.

وقد تقلب الطاولة على الجميع من خلال الدفع بشخصية السيد عبد الباسط اقطيط  كبديل عن السراج الذي اتسم أداؤه بالضعف والتذبذب. وإذا تصدّر السيد اقطيط المشهد فإن مجمل سياسات المجلس الرئاسي ستكون أكثر وضوحا وصرامة تجاه مختلف فرقاء الداخل كما يلوح بذلك السيد اقطيط. كما ستحدد الأطراف الخارجية التي ستتعامل معها بما تراه يخدم مصلحة ليبيا.

ويوم 25 سبتمبر سيكون يوما مهما في ليبيا لأنه سيكون يوم التظاهر لمساندة السيد عبد الباسط اقطيط . وسنعرف وقتها مدى شعبية هذه الشخصية التي تتحرك بقوة هذه الأيام.

4-: بريطانياالمعروف عن الإنجليز أنهم أكثر الساسة دهاء. واليوم يلعبون دورا مهما في ليبيا ولكنه غير ظاهر . إذ أنهم يوازنون في علاقاتهم بين الشرق والغرب دون أن يكون ذلك على حساب الولايات المتحدة الأمريكية بل بتنسيق معها. إن الإنجليز يستثمرون في الفراغات وفي المناطق الرخوة وما أكثرها في ليبيا. ومؤخرا زار وزير الخارجية البريطاني العاصمة طرابلس ومدينة مصراته والشرق الليبي وحصلت لديه قناعة أن حفتر  هو أكثر طرف معرقل للاتفاق .

وقد صرح إثر زيارته للشرق بكلام لم يكن منتظرا إذ قال ” أن حفتر لم يكن يقاتل لمحاربة الإرهاب وإنما من أجل حكم ليبيا” وقال أيضا ” إن حفتر أبلغه أنه إذا تمكن من الرئاسة فإنه سيوقف القتال”. لقد أدرك الإنجليز أن حفتر منته عسكريا وعليه بقبول الاتفاق السياسي إذا أراد أن يبقى في المشهد. وهذا يعتبر تطورا في الموقف الإنجليزي الذي بقي غامضا لفترة طويلة.

5- مصر: المعلوم أن مصر هي من كان وراء تأسيس عملية الكرامة وهي المساند الرئيس للجنرال حفتر الذي يعتبر السيسي مثله الأعلى. ولولا مصر لما كانت الكرامة ولما كان حفتر بهذا الحضور في المشهد الليبي. لقد راهنت مصر بكل ما تملك على التمكين لحفتر منذ أكثر من ثلاث سنوات ودعمته بالأسلحة المختلفة وبالعمل المخابراتي. بل إن جنودا مصريين ساهموا في القتال مؤخرا في بنغازي في محاولة للسيطرة عليها بعد أن عجز حفتر عن ذلك.

ولكن مصر الآن حصلت لديها قناعة وهي العارفة بالتفاصيل الدقيقة للمشهد في الشرق الليبي وفي كل البلاد أن حفتر لن يكون له مستقبل في ليبيا بقوة السلاح وأن أقصى ما يمكن أن تفعله لحليفها أن تفرضه في موقع داخل السلطة يمنع جره إلى محكمة الجنايات الدولية ويضمن لها حليفا مهما في الدولة.

والدليل على ذلك استقبالها مؤخرا لوفد رفيع المستوى من مدينة مصراته العدو الأول لحفتر استراتيجيا وواقعيا. وقد عاملت السلطات المصرية الوفد المصراتي بكثير من الحفاوة. وحاولت من خلال اللقاء أن تلعب دور الوسيط النزيه بين حفتر ومصراته بعد أن كانت منحازة بالمطلق لعملية الكرامة وحليفها الجنرال.

إن هذه الدعوة إقرار صريح من مصر أن الرهان على حفتر عسكريا هو رهان خاسر وأن عليها أن تلعب دورا دبلوماسيا يقربها من الطرف القوي في ليبيا وهو مدينة مصراته عاصمة الثورة وعمودها الفقري.

6-الإمارات العربية المتحدةهذه الدولة هي عرّاب مشروع الثورة المضادة في دول الربيع العربي. ودورها في ليبيا غير مخفي. فهي من تمد الجنرال حفتر بالمال والسلاح وهي من أسست أغلب القنوات التلفزية التي تشتغل ضد خط فبراير. كما تسعى هذه الدولة ليكون السيد العارف النايض السفير الليبي لديها والمعروف بموقفه المناهض لقوى الثورة أن يكون بديلا للسيد السراج. هذه الدولة تلتقي موضوعيا مع مصر وفرنسا في العديد من السياسات. ويبقى هدفها الرئيس في ليبيا إجهاض ثورة فبراير. ولكن بمزيد تقهقر مشروع الكرامة ستجد هذه الدولة نفسها خارج معادلة الوفاق في ليبيا.

7–قطر وتركياهاتان الدولتان ساندتا الثورة الليبية من بدايتها. ولكن دورهما في دعم قوى الثورة خفت بعد ذلك وهو ما جعل الدور المصري والإماراتي يتقدم في البلاد على حساب قوى الثورة التي من المفروض أنها مدعومة من هاتين الدولتين. ولكن هذا لا يمنع من القول أنه لهما من العلاقات مع مختلف الأطراف المؤثرة ما يضمن لهما دورا مهما في التسويات القادمة انطلاقا من اتفاق الصخيرات الذي يعتبر المرجع الأساسي للحل في ليبيا.

آفاق المشهد في ظل التطورات المتسارعة

يمكن القول اليوم أن “الصراع” انحصر بين السيد السراج والجنرال حفتر أي بين الوفاق والكرامة مع خفوت لدور البرلمان والمجلس الأعلى للدولة وهما المؤسستان التشريعيتان والرقابيتان وفق اتفاق الصخيرات. إنها الحرب الباردة بين الرجلين على رقعة الشطرنج والتي يحسمها الهدوء والحكمة.

فمن الذي يحقق النقاط على هذه الرقعة؟ ومن يخسر قطعه واحدة بعد الأخرى؟

إلى حد الآن، فإن السيد السراج يضيّق الخناق على حفتر ويربح المساحات.

فقد ضعف حفتر كثيرا في المنطقة الغربية بعد تسمية السيد أسامة الجويلي آمرا للمنطقة الغربية، وهو من مدينة الزنتان، التي حزمت أمرها مؤخرا بإيقاف التنسيق مع حفتر.

كما أن تسمية السيد فرج اقعيم وهو من أبرز قيادات الكرامة وكيلا لوزارة الداخلية في طرابلس يجعل مدينة بنغازي تحت السيطرة الأمنية للسراج باعتبار السيد اقعيم مسؤول الامن العام في المدينة وهو من قبيلة العواقير المسيطرة بقوتها على بنغازي.

كما أن زيارة وفد القبائل الشرقية لطرابلس يعد اختراقا كبيرا من السيد السراج لمعسكر حفتر في مناطقه.

أما الزيارة الأخيرة التي قام بها السيد السراج للسودان والتي أعاد فيها تفعيل اتفاقية حراسة الحدود مع السودان تعتبر تطويقا لحفتر وتجفيفا لمنابع المرتزقة التي يعتمد عليهم في دعم قواته.

أما سياسيا فإن الخلاف العميق بين حفتر وعقيلة صالح يصب في مصلحة السراج لأنه يضعف الالتفاف القبلي حول حفتر ويزيد من اختراق السراج للمنطقة الشرقية .

كما أن المزاج الدولي تجاه الجنرال بدأ يتغير سلبيا بشكل دراماتيكي وهذا يصب في مصلحة السيد السراج. وإن ما يبيت لحفتر في المنطقة الشرقية ينذر بأيام صعبة لعملية الكرامة في المدة القريبة القادمة وإمكانية اندلاع قتال بقيادة ابراهيم الجضران الذي أطلق سراحه أخيرا أمر وارد جدا قد يبدأ من الموانئ النفطية وينتهي بالسيطرة على اجدابيا.

وهذه المرة لن يجد حفتر دعما من قبيلة العبيدات التي منها عقيلة صالح رئيس البرلمان الذي همّشه حفتر.

كما أن قبيلة العواقير، التي ينحدر منها وزير الدفاع في حكومة الوفاق الوطني والداعم الرئيس لحفتر في حربه على بنغازي بدأت تشعر بالضّيم واشتدت خلافاتها مع الجنرال وقد تسحب أبناءها من قوات حفتر

أما السراج، وإن كان مدعوما في المنطقة الغربية بقطاع عريض من تيار الثورة إلا أنه يلقى أيضا معارضة شديدة من جزء آخر يمتلك مصادر القوة والنفوذ وهو ما يجعل موقفه ضعيفا في اتخاذ القرار بالنظر لمنطق التوازنات رغم أن التيار الرافض لحكومة الوفاق هو قابل بحقيقة الأمر الواقع ويتعامل مع الحكومة على أنها كذلك أي أمر واقع. أما إمكانية التصادم معها فإنه في غير الوارد تماما.

كما أن سوء الأوضاع الاقتصادية واستفحال الأزمات يزيد من إضعاف السيد السراج وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى السيناريو الآخر وهو إحداث تغيير في تركيبة المجلس الرئاسي ورحيل السيد السراج خصوصا وأن الايام القادمة صعبة جدا مع اقتراب موعد 17 ديسمبر تاريخ انتهاء عهدة اتفاق الصخيرات والبلاد ليس لها دستور يرجع إليه عند حالات الفراغ السياسي. وهذا ما دفع السيد السراج ّإلى إطلاق مبادرة إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية قبل هذا الموعد لتلافي الفراغ.

ولكن هذه المبادرة ولدت ميتة بالنظر لغياب البيئة الانتخابية السليمة لإجراء انتخابات نزيهة ينتخب فيها الليبيون من يمثلهم. ولكن الأغلب أن الأمم المتحدة بدعم من المجتمع الدولي ستمدد للاتفاق لأنه لا بديل عن ذلك.

كما أن عديد الشخصيات مرشحة لخلافة السيد السراج مثل عبد الباسط اقطيط وعبد الرحيم الكيب الشخصية المحبوبة في ليبيا والتي  تذكر الليبيين بأيام الرخاء سنتي 2011 و2012 كما أن هناك شخصيات أخرى مرشحة للبروز مثل العارف النايض  وعبدالرحمن شلقم.

خاتمة

أهم تطور في الوعي السياسي لكل الفرقاء في غرب ليبيا مركز الثقل ، هو أن ليبيا قد ودعت القتال في المنطقة الغربية إلى غير رجعة  بعد اقتناع الجميع أن الحل لن يكون إلا سياسيا.

وهذا أمر على غاية من الأهمية لأنه يعجل بالحل . وتبقى التطورات في المنطقة الشرقية محددا أساسيا للمشهد القادم إذ أن كل المؤشرات تصب في غير مصلحة الكرامة بما سيعزز من فرص الحل السياسي الذي يخرج البلاد من محنتها التي طالت كثيرا.

***

مهدي ثابت ـ باحث تونسي ومختص بالشأن الليبي بمركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

_ __________