Minbar Libya

 بقلم مهدي ثابت

تعيش ليبيا على وقع تطورات على غاية من الأهمية. متغيرات داخلية ومواقف دولية متضاربة . كل ذلك في ظل احتدام الخلاف بين قطبي الصراع في ليبيا وهما حكومة الوفاق وعملية الكرامة يصاحب كل ذلك أزمات اقتصادية واجتماعية كبيرة تهدد كيان الدولة، وهو ما ينبئ بتغيرات كبرى في المشهد قريبا .

فهل تكون المخاضات الأخيرة قبل ولادة الحل الذي سيخرج البلاد من محنتها؟ إن كل المؤشرات تقول إن حجم التغير سيكون كبيرا، وأن المجتمع الدولي أصبح على اقتناع  بأن إطالة الأزمة في ليبيا سيزيد من منسوب الهجرة غير الشرعية التي تورق الجار الغربي .

كما أن حالة الفوضى الأمنية في البلاد، نتيجة ضعف الدولة، هي بيئة مناسبة جدا لنمو التيارات العنيفة العادلة في توزيع إرهابها شرقا وغربا.

فما هي آفاق المشهد الليبي في ظل موازين القوى القائمة في البلاد ؟

وما هي الأطراف المؤثرة في المشهد؟.

***

ليس من السهل بالمطلق تحديد طبيعة التوازنات القائمة في ليبيا. ذلك أن المشهد متحرك باستمرار. تطورات داخلية وتجاذبات خارجية وحكومة معترف بها دوليا تشتغل وسط هذه المتناقضات ولا تملك من أوراق القوة إلا الاعتراف الدولي. وبالتالي قدرتها على المبادرة تبقى محدودة جدا.

أما بقية القوى الداخلية فهي ليست متشرذمة ومختلفة فقط، بل في جلها منقسمة على نفسها.

هذا الواقع المأزوم جعل من توازن الضعف السمة الغالبة على المشهد وبالتالي إمكانية إحداث اختراق مهم من أي طرف من الأطراف ليس في الوارد في الظرف الراهن. كما يجعل من الأطراف الخارجية اللاعب الأقوى في الساحة بما تحمله من أجندات متضاربة.

فما طبيعة هذه التدخلات؟

ومن هي الدول المؤثرة في المشهد؟

ومن هي الأطراف الفاعلة في الداخل؟

موازين القوى الداخلية والأطراف المؤثرة

إن تحليل الواقع الداخلي في البلاد مرتبط بفهم طبيعة القوى المؤثرة والدور الذي تلعبه. فأهم القوى الفاعلة في البلاد الآن هي حكومة الوفاق الوطني  وتيار فبراير بشقيه المساند لاتفاق الصخيرات والرافض له وعملية الكرامة في الشرق. أما بقية القوى فإن حركتها مرتبطة إلى حد بعيد بأحد هذه القوى الثلاثة

1 – حكومة الوفاق الوطني

إن حكومة الوفاق الوطني بقيادة  فايز السراج هي الطرف الأقوى الآن في البلاد رغم ضعف قوتها الأمنية والعسكرية. فهي  تستمد قوتها وحمايتها من المجتمع الدولي ومن الكتائب الأمنية في طرابلس ومن طرف قوي في مصراته هو خط الوفاق المساند لاتفاق الصخيرات ومخرجاته والمسنود بقوة عسكرية معتبرة في المدينة.

إن أهم المشكلات التي تعانيها حكومة السراج والتي أفقدتها الكثير من مصداقيتها وهيبتها هي الأزمات المستفحلة في البلاد والتي استعصت عن الحل وهي أزمة السيولة النقدية وانهيار سعر الدينار وأزمة الكهرباء المفتعلة حسب أغلب المراقبين في الداخل.

هذه الأزمات تؤرق حياة المواطن الليبي الذي يعيش أوضاعا اقتصادية واجتماعية صعبة جدا وهو ما جعله يفقد الثقة في الحكومة وفي الأحزاب السياسية وفي كل منجزات الثورة. وإلى جانب هذا الفشل الكبير في مستوى ما تقدمه الحكومة من خدمات للمواطن تكابد هذه الحكومة في الملف السياسي انطلاقا من فلسفة الوفاق التي اعتمدتها كخيار استراتيجي بعيدا عن الحلول  العسكرية التي ثبت فشلها في البلاد.

 إن الهدف الأسمى الذي تسعى إليه حكومة الوفاق الوطني هو توحيد البلاد تحت قيادة حكومة واحدة مقرها العاصمة طرابلس. وهذه الغاية ليست بالأمر الهيّن على الحكومة في ظل الواقع المعقد الذي تعيشه البلاد وفي ظل التدخل الأجنبي.

فهذه الحكومة ضعيفة الإمكانيات في الداخل خصوصا في مستوى ذراعها الأمني. فهي عمليا لا تمتلك إلا عددا قليلا من عناصر الحرس الرئاسي الذين يعملون فعليا تحت إمرتها. أما بقية الكتائب العسكرية سواء في طرابلس العاصمة أو في بقية المدن والتي تدعي أنها موالية لحكومة الوفاق هي في الواقع تتعاون مع الحكومة دون أن تكون موالية لها بالمطلق.

فالسراج، رئيس المجلس الرئاسي، لا يستطيع فرض أوامره على هذه الكتائب ولا يستطيع التصرف في أسلحتها أو في عناصرها. ولعل المعضلة الكبرى التي كانت قائمة في البلاد إلى حدود هذه الأيام في البلاد والتي تعتبر تحديا رئيسيا لحكومة الوفاق الوطني هي تسمية قائد عام  للجيش الليبي الذي بإمكانه فرض سيطرته ونفوذه على كامل التراب الليبي تحت السلطة المدنية للحكومة.

ولقد تمكن السراج أخيرا وبعد أشهر من الانتظار والأخذ والرد والمفاوضات العسيرة وسط التوازنات الهشة والمتغيرة من تسمية اللواء الركن عبد الرحمن الطويل رئيس لجنة الترتيبات الأمنية المنبثق من اتفاق الصخيرات في هذا الموقع المهم والفاصل. وهو ما يعتبر نقلة نوعية في المشهد ويصبّ في مصلحة المجلس الرئاسي. إذ أنه بهذه الخطوة يكون قد غذّى كيانه بمصدر مهم من مصادر القوة التي يفتقدها.

ولكن يبقى السؤال هو في مدى قبول القوى العسكرية في مصراته والغرب الليبي بهذه الشخصية التي عليها بعض التحفظات. فالعميد الطويل لم ينضم للثورة إلا بعد 6 أشهر من انطلاقتها وقاتل ضد ثوار فبراير قبل أن ينشق عن القذافي ويعلن ولاءه للثورة. وبالعودة إلى منطق التوازنات وروح اتفاق الصخيرات الذي ينص على إبعاد الشخصيات الجدلية من المواقع الحساسة في الدولة ربما نجد تفهما لهذا الاختيار.

فالعميد عبد الرحمن الطويل غير محسوب على القيادات البارزة لثورة فبراير كما أنه ليس من تنظيم الكرامة ولا يحسب على أنصار القذافي إلى جانب كونه محل ثقة  فايز السراج. فهو من أشرف على دخول أعضاء المجلس الرئاسي وأعضاء الحكومة إلى العاصمة طرابلس. كما يشرف على تأمين “قاعدة بوستة” مقر المجلس الرئاسي مع العميد نجمي الناكوع رئيس جهاز الحرس الرئاسي.

 والآن وبعد تسمية قائد الأركان العامة يبقى التحدي الرئيس الذي يعترض حكومة الوفاق في المستوى السياسي هو مسألة التوفيق بين قطبي الصراع في ليبيا وهما تيار فبراير بشقيه وعملية الكرامة، لأن 80 بالمائة من الحل في البلاد مرهون بإيجاد صيغة من التوافق بين هذين القطبين .

فالمجلس الرئاسي، إلى جانب كونه منقسما على نفسه حول مجمل القضايا في البلاد، فإن عنوان الانقسام يظل الموقف من طرفي الصراع الرئيسيين. السراج رئيس المجلس الرئاسي موجود في عمق هذه الصراعات ويحاول أن يكون على مسافة واحدة من كل الأطراف المتصارعة، حتى وإن كان يدرك أن الطرف الأكثر تطرفا ورفضا للحل الوفاقي هو تيار الكرامة ولكنه لا يستطيع المجاهرة بهذا الموقف لأنه سيحسب على الجهة الأخرى.

وفي هذه الحالة لن يكون طرفا محايدا وسيفقد أهم صفة تميز دوره سواء أمام الليبيين أو أمام القوى الدولية وهي صفة الرجل الوفاقي الذي قدم ليجمع الليبيين على اختلافهم. وهذا ما يمنعه في الكثير من الحالات من إبداء موقف من عديد التجاوزات التي تقوم بها عملية الكرامة وهو ما يجعل تيار فبراير يحترز كثيرا من السيد السراج الذي يرى في سكوته على تجاوزات حفتر انحيازا له . كما أن تيار الكرامة يعتبر أن السيد السراج خاضع بالمطلق لمدينة مصراته ولخط فبراير الموالي لحكومة الوفاق ولا يستطيع تجاوزهما في مجمل سياساته .

وسط كل هذه المتناقضات الحادة يجد السيد السراج نفسه وهو الطرف الضعيف يصارع تيارات داخلية وخارجية متناقضة في الأهداف والوسائل ويضاف إلى ذلك مجمل الأزمات الاقتصادية الحادة التي تهدد بانفجار الوضع الاجتماعي

2– تيار فبراير:

يعرف هذا التيار انقساما حادا بين رافض للاتفاق السياسي ومخرجاته على اعتبار أنه ترتيب دولي وتكريس لحكومة وصاية بعيدا عن أهداف ثورة فبراير، وبين مناصر للاتفاق على علاّته. ويساند حكومة السراج على تعثرها إيمانا منه بأنها أفضل المتاح والموجود. هذا الواقع أضعف كثيرا خط الثورة وجعل أطرافا أخرى مثل الكرامة تتمدد وسط هذه الخلافات.

هذا الانقسام لم يكن سياسيا فقط بل عسكريا أيضا. فالقوة العسكرية المحسوبة على الثورة منها ما يؤيد حكومة الوفاق ومنها ما يعارضها وهذا تجلى في مدينة مصراته حيث القوة العسكرية الضاربة الموالية للثورة. هذه المدينة منقسمة على نفسها.

وقد أضر هذا الانقسام كثيرا بقوى الثورة التي تعتبر القوة العسكرية الأولى في البلاد والقادرة على حسم المشهد لصالحها لو اتحدت على جملة من المبادئ الجامعة بعيدا عن لغة التخوين والشيطنة التي تميز الخطاب داخلها حيث غابت مناخات الثقة والحوار الهادئ دون أن يصل ذلك إلى الاقتتال الذي هو خط أحمر ومرفوض من كل الأطراف في المنطقة الغربية.

هذا الانقسام أثّر كثيرا على أداء حكومة الوفاق التي لم تجد السند الكافي الذي يمكنها من إبداء مواقف واضحة من تيار الكرامة المتمادي في سياسات وممارسات خطيرة مدعوما بشكل فج ومباشر من دولتي مصر والإمارات العربية المتحدة واللتان تريدان أن تفرضا حليفهما خليفة حفتر في المشهد بشكل أو بآخر.

3- تيار الكرامة

يعاني هذا التيّار الذي تشكل سنة 2014، أي بعد أشهر قليلة من الانقلاب على الشرعية في مصر من مشاكل كبيرة داخله أفقدته الكثير من مصداقيته وتسببت في تراجع شعبيته. فقائده الجنرال خليفة حفتر، الذي اعتبر في وقت من الأوقات القائد المخلص من آفة الإرهاب، أصبح اليوم في نظر أغلب أتباعه وأنصاره في الشرق رجلا طامحا للسلطة على حساب شباب القبائل الشرقية التي دفعت في عملية الكرامة أكثر من 12 ألف قتيل إلى حدّ اليوم.

وقد أدرك حفتر هذا الأمر فكلف ولديه بقيادة أقوى كتيبتين في مجموعاته المقاتلة بعد منحهما ترقيات عسكرية لا يستحقانها وذلك لضمان السيطرة على المناطق التي تحت نفوده. كما قرب أبناء قبيلته من الفرجان على حساب بقية أبناء القبائل الأخرى. هذا السلوك الذي مارسه حفتر ذكر الجميع بسلوك القذافي الذي كلف أبناءه بقيادة أقوى الكتائب العسكرية في البلاد وهمش مؤسسة الجيش.

إن سلوك الجنرال حفتر أثار حفيظة القبائل في الشرق التي يعتمد حفتر على أبنائها في القتال وفي تشكيل ما يعتبره الجيش الليبي . كما أن ممارسات عناصر الكرامة على الميدان جلبت ليس فقط سخط الليبيين بل حتى القوى الدولية. إذ أن محكمة الجنايات الدولية أصدرت مؤخرا برقية جلب في حق أحد قادة الكرامة وهو المدعو محمود الورفلي بتهمة ارتكاب جرائم حرب. والأدهى من كل ذلك أن جرائم الاغتيال تكاد تكون بشكل يومي في حق العناصر التي أبدت شجاعة في نقد عملية الكرامة.

كل هذه التداعيات جعلت الجميع في المنطقة الشرقية على يقين أن عملية الكرامة لم تأت لمحاربة الإرهاب وإنما لغاية تمكين حفتر من السلطة على الشاكلة المصرية وأن الجميع انخدع فيها. وتشهد الأيام الأخيرة حركة انزياح كبيرة عن خليفة حفتر من طرف أعضاء البرلمان وقادة القبائل بل حتى من القادة العسكريين.

إنّ ما يعتبر تحولا كبيرا في الشرق ضد الجنرال حفتر هو قدوم أكثر من مائة عضو من أعضاء البرلمان إلى طرابلس بغاية عقد جلسة بالنصاب القانوني في العاصمة بعد أن استحال ذلك في طبرق منذ أكثر من سنة. كما التقى وفد من شيوخ القبائل الشرقية فايز السراج في تونس ثم في العاصمة طرابلس وهو ما يعتبر سابقة في مواقف هذه القبائل (وهي عراب مشروع الكرامة) ضد حفتر ولصالح حكومة الوفاق والسيد السراج.

كما أن أحد القادة العسكريين لعملية الكرامة من قبيلة العواقير التي ساءت علاقتها كثيرا بخليفة حفتر يمتطي الطائرة إلى تونس تحت حماية قوة من أبناء قبيلته للقاء السراج دون أن تتمكن قوة مقابلة يقودها صدام خليفة حفتر من منعه من السفر ويعين هذا القائد ، فرج اقعيم، وكيلا لوزارة الداخلية في حكومة الوفاق الوطني.

من خلال كل هذه المعطيات يؤكد المراقبون من الداخل أن الوضع داخل الكرامة سينفجر وهو ما سينعكس بالتأكيد على مجمل الوضع في البلاد. لقد أدرك حفتر تماما أنه لم يعد مسنودا من وجهاء القبائل وأن بقاءه متصدرا المشهد في الشرق مرتبط بمدى قدرته على منع الالتفاف ضده . ولذلك هو يسعى الآن إلى جر القبائل للاقتتال فيما بينها حتى يبرز أمام الداخل الليبي وأمام العالم أنه الرجل القوي الذي يجب أن يضرب بقوة حفاظا على الأمن العام في المنطقة الشرقية. ولكن القبائل في الشرق متفطنة لهذا الترتيب والأيام القريبة القادمة ستكون صعبة جدا على الجنرال وأنصاره.

إن المشكل الكبير الذي يهدد عملية الكرامة في كيانها هو الخلاف المستفحل بقوة بين قائدي جناحيها السياسي والعسكري أي بين الجنرال حفتر وعقيلة صالح رئيس البرلمان .وانعكس ذلك على مؤسسة البرلمان وعلى التركيبة القبلية في الشرق وعلى وضع المقاتلين وعلى الداعمين للعملية من الخارج كما سيأتي لاحقا.

لم يبق للجنرال حفتر إلا القوى الخارجية التي وضع كل بيضه في سلتها دون أن تتمكن إلى حد الآن من إحداث اختراق كبير لصالحه. بل إنها أصبحت على يقين أنه لن يكون الجواد الرابح الذي يمكن المراهنة عليه.

البقية في الجزء الثاني

***

مهدي ثابت ـ باحث تونسي ومختص بالشأن الليبي بمركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

 ___________