Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

من نافلة القول أن الوضع السياسي والأمني في البلاد يتسم بالميوعة والقابلية لإعادة التشكل بدرجة كبيرة، فالنزاع الذي تفجر في 2011 وقسم الليبيين إلى جبهتين، ثم الانقسامات داخل الجبهتين (جبهة فبراير وجبهة سبتمبر)، والتي ولا تزال مستمرة، وضعت الليبيين في حالة تأهب من جهة، وقابلية للتغيير والتحول من جهة ثانية.

العامل الآخر الذي جعل الوضع قابلا للتغير والتحول هو ضعف الحكومات المتعاقبة وفشلها في وضع أسس البناء والاستقرار المؤسساتي والتنمية الاقتصادية، الأمر الذي جعل كل الأجسام والعناصر الفاعلة استثنائية ومؤقتة في شرعيتها وتركيبتها وحتى ممارساتها.

هناك مؤشرات عديدة تؤكد على حالة من الاضطراب والقابلية للتحول لدى كافة المكونات والأجسام السياسية والأمنية لدرجة يجعلها قابلة للتفكك، وأعتقد أن الاهتمام والتأييد اللذين حظي بهما اقطيط دليل على ذلك.

يمكن القول إن من عناصر قوة اقطيط أنه جاء في مرحلة الاضطراب هذه وساهم بدرجات متفاوتة في تفكيك أو خلخلة الاتجاهات السياسية الموجودة، الأمر الذي جعله مؤثرا في المشهد السياسي ولو بشكل مؤقت.

الناظر إلى الخارطة السياسية والأمنية خاصة في المنطقة الغربية يلحظ أن هناك تغييرا واضحا قاد إلى مزيد من التشظي السياسي والتوتر الأمني، فالجدل بل والنزاع يدور في طرابلس بين شركاء الأمس في رفض الصخيرات ومصادمة المجلس الرئاسي، والملاحظ أن الأكثرية ضمن هذه الجبهة تناصر اقطيط مع اختلاف دوافع التأييد ما بين مقتنع بأهليته، وما بين متفائل بقدرته على النيل من الرئاسي وأنصاره.

وما يحاجج به معظم هؤلاء هو أن الوضع وصل للحضيض ومناصرة اقطيط لن تقود إلى وضع أسوأ، وأن اقطيط قد ينجح في دفع من يحملونهم مسؤولية تردي الوضع الراهن، وهم السراج وحفتر، خارج المشهد.

في المنطقة الشرقية لا يظهر أثر مباشر لقفز اقطيط إلى المشهد السياسي، ولا يعني هذا أنه مرفوض ولا يلقى تأييدا، فهامش الحريات محدود قياسا بمستواه في المنطقة الغربية، كما أن حفتر لا يزال يتمتع بالنفوذ الأقوى، وقد فتح اقطيط النار عليه، بالتالي فإن التأييد العلني لقطيط يرقى إلى مستوى الخيانة التي تستوجب العقوبة القاسية.

لكن الثغرات والتصدع في جسم الكرامة المقرون باستمرار المعاناة الاقتصادية، رغم نجاح عرابها في شل الخصم العسكري وهو مجلس شورى بنغازي، يمكن أن يفعل فعله في التغيير المعلن للاتجاهات السياسية، خاصة إذا نجح اقطيط في أن يفرض نفسه ميدانيا.

الميوعة والقابلية للتحول التي تحكم المشهد السياسي والأمني الليبي تجعل من التحليل والتكهن أمرا غير يسير خاصة مع عدم التأكد من الموقف الدولي أو الأطراف الفاعلة فيه، حيث أنها تمثل العامل الأبرز في فرض أي معادلة سياسية جديدة في ليبيا.

التفسير المنطقي يقول إن المجتمع الدولي داعم للاتفاق السياسي ولحكومة الوفاق وهو ما تم التأكيد عليه في اجتماع الأسبوع الماضي في الأمم المتحدة، مما يعني أن الأطراف الدولية الفاعلة لن تقبل بتغيير جذري أشبه بانتفاضة أو ثورة كما سماها اقطيط في رسالته المكتوبة بخط اليد لأنها قد تؤدي إلى مزيد من الفوضى التي تهدد مصالحها وأمنها.

بالمقابل هناك بعض القرائن التي تدفع إلى الشك في دور وغاية بعض الأطراف الدولية، فبمجرد إعلان الأطراف الدولية خاصة الولايات المتحدة أنها لا تقبل بأي حراك يقوض الاتفاق السياسي سيجرد اقطيط من الكثير من أوراقه حيث أن كثيرا من مريديه يستبشرون بإعلانه عن دعم البيت الأبيض له.

من جهة أخرى فإن دعمه بشكل مباشر سيعطيه زخما أكثر مما هو متوقع وييسر عملية انتقال السلطة، لكن الأطراف الدولية آثرت الصمت، وبالتالي يمكن القول أن هناك سيناريو راجح وآخر مرجوح كما يلي:

السيناريو الراجح وهو دمج اقطيط في العملية السياسية التي يحكمها الوفاق بعد التعديل عليه بأن يصبح اقطيط إما رئيسا أو أحد أعضاء المجلس الرئاسي بعد تقليصه، أو أن يتولى رئاسة الحكومة بعد فصلها عن الرئاسي، وذلك في حال ناصره جمع كبير بينهم أطراف عسكرية لها وزنها الأمني، أو تجاهله في حال كان حراكه أشبه بزوبعة في فنجان.

السيناريو المرجوح هو ترك التدافع والتجاذب قائما بغرض خلق مزيد من الإرباك من خلال إضافة طرف جديد في الصراع دون أن تتحقق الغلبة لأي منهم وذلك لتمديد حالة المراوحة والدفع باتجاه مزيد من التأزيم لتهيئة المناخ لخطط ومبادرات جديدة قد يكون جوهرها التقسيم.

***

السنوسي بسيكري ـ كاتب وباحث ليبي

__________