Minbar Libya

بقلم كمال حذيفة

ليبيا تواجه تحديات كثيرة بالإمكان تجاوزها في حال وحدتنا ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب. الشعب الليبي قادر على إحداث التغيير وسبق أن فعل ذلك حين كان مؤمنا بقدراته واثقا في خطواته ولديه هدف واضح.

تواجه ليبيا تحديات كبرى في عمليتها الانتقالية، خاصة في ظل إخفاق سلطات الدولة في كبح جماح الميليشيات المسلحة التي تمارس الانتهاكات وتعمل خارج سيطرة الحكومة الشرعية.

إن ليبيا تواجه إخفاقا في قرار سيادة القانون وحماية حقوق المواطنين، فيما تنزلق البلاد نحو المزيد من الفوضى.

إن ليبيا تواجه خطرا يهدد استقرارها في المستقبل، بل يهدد تهديدا حقيقيا وجودها كدولة واحدة موحدة في ظل الانقسام السياسي والصراع على السلطة.

إن ليبيا تواجه فشلا في إرساء دعائم دولة القانون والمؤسسات، ولم تقدم أي مؤشر على أنها قادرة على توحيد مؤسساتها خاصة العسكرية والأمنية.

إن ليبيا تواجه صراعا مريرا بين قوى سياسية وطنية ضعيفة عاجزة غير قادرة على الحوار فما بالك بإيجاد حل للأزمة.

إن ليبيا تواجه تدخلا من دول إقليمية، وأخرى دولية لا ترى مصلحة لها في ليبيا إلا من خلال انقسامها وصراع أبنائها.

إن ليبيا تواجه انتهاكا صريحا لسيادتها وحدودها البرية والبحرية ومجالها الجوي وتعاني آثار ذلك من الهجرة غير الشرعية والتهريب والقرصنة والجريمة المنظمة.

إن ليبيا تعيش أزمة اقتصادية خانقة، فيما يعاني مواطنوها من ظروف معيشية ضنكة أجبرت بعضهم على التسول، وبعضهم الآخر على امتهان الجريمة.

إن ليبيا تواجه فسادا إداريا وماليا أدى إلى إهدار الثروات الوطنية وسرقة أموال الدولة وحرمان العديد من المواطنين من حقوقهم المشروعة.

إن ليبيا تواجه عجزا تاما في توفير الحماية الأساسية لشعبها، مما دفع بعض المواطنين إلى تولي الأمور بأنفسهم.

إن ليبيا تواجه مآسي في ظل إفلات المجرمين من العقاب وعدم ملاحقتهم قضائيا ومحاسبتهم قانونيا، وطالما لا يحاسب أحد على الجرائم الكبرى المرتكبة في ليبيا فإن دائرة العنف ستستمر.

إن ليبيا تحتوي سجونا مكتظة بالمحتجزين دون اتهامات، وامتد احتجاز بعضهم لسنوات دون تحقيق أو محاكمة.

إن ليبيا تواجه مهجرين ونازحين بالآلاف دون ذنب اقترفوه أو جريمة ارتكبوها. إن ليبيا تشهد تمييزا بين أقاليمها، وبين مكونات شعبها بل وبين مواطنيها، ولم تستطع أن ترسي قاعدة أن الليبيين سواء لدى القانون، وهم متساوون في التمتع بالحقوق وفي ما عليهم من الواجبات ولا تمييز بينهم في ذلك. إن ليبيا تواجه تطرفا لا نعرف حجمه ولا نعلم مدى تغلغله داخل الوطن وبين أبناء المجتمع.

إن ليبيا تكتظ بالشباب العاطلين عن العمل والشباب المنخرطين في الميليشيات المسلحة والشباب العاجزين عن التأقلم مع المجتمع المدني بعد الأحداث الدامية طلية السنوات الماضية.

إن ليبيا تشهد تعثرا في تمكين المرأة واحترامها وإنصافها للقيام بدورها المهم والحيوي داخل الأسرة باعتبارها الركن الأساسي للمجتمع.

إن ليبيا تحتوي مئات المدارس المغلقة والمدمرة التي تحرم الآلاف من الأطفال من حق التربية والتعليم. والأهم من كل ذلك أن ليبيا تواجه فشلا ذريعا في توفير مستوى لائق من المعيشة لكل ليبي.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن، كيف تستطيع ليبيا مواجهة هذه التحديات والتغلب عليها وفرض سيادة الدولة وإقرار سيادة القانون وضمان حياة حرة كريمة لكل مواطن ليبي.

أعتقد جازما أن الحل الأفضل هو الحل السياسي وهو المخرج الوحيد للأزمة الليبية ولا نقبل بأي حال من الأحوال الحل العسكري. إن أي أعمال عسكرية قتاليةباستثناء عمليات محاربة الإرهابلا تتماشى مع مقتضيات الحوار بل تؤدي إلى مزيد من التشظي والتفكك والانهيار للدولة المنشودة.

إن محاولة فرض الأشياء بالقوة تؤدي دائما إلى الفشل، وإن تهيئة الأجواء المناسبة للحوار بين أبناء المجتمع الليبي للوصول إلى حلول ناجعة للمشاكل والخلافات القائمة بين الأطراف المتنازعة أساس أي حل،

بل اعتبرها أول خطوة لمواجهة التحديات السالف ذكرها، على أن يتسم الحوار المجتمعي بالمساواة بين الأطراف من حيث الاعتبار والندية، والاحترام المتبادل، وحتمية فهم الآخر بشكل صحيح، والتجرد وعدم التعصب لفكرة معينة، والنقد للرأي لا للشخص، وتحكيم العقل لا العاطفة، لأن قناعاتنا قابلة للتغيير لاتباع الحق،

فالوطن يتسع للجميع إن سلمت النوايا، وأحسنا الظن ببعضنا البعض، والأهم من كل ذلك أن يكون المحاورون أهلا لهذا الحوار بمعنى أنهم قادرون على تبادل وجهات النظر والاستماع إلى بعضهم البعض دون تعصب أو إقصاء أو تهميش، وكما قال المفكر فولتير “قد لا أتفق معك في رأيك ولكنني سأدافع وأستميت عن حقك في قول رأيك”.

هذه هي البداية للوصول إلى أي توافق وطني حقيقي قد تكون مرجعيته الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات بإشراف بعثة الأمم المتحدة في ليبيا في ديسمبر من عام 2015، وقد اشتمل الاتفاق على مبادئ حاكمة عددها 32 مبدأ لو تبناها جميع الأطراف لخرجنا من أزمتنا في أسرع وقت.

ما دام هناك أكثر من سلطة في ليبيا فلا حل يلوح في الأفق.

إن الطريق مظلم وحالك فإذا لم نحترق أنا وأنت فمن سينير الطريق، وهو قول مأثور للمناضل أرنستو جيفارا.

ما لم تتوحد كل سلطة من السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية في ليبيا فلن نستطيع رفع معاناة المدنيين وتخفيف العبء عنهم، وطالما كان لدينا أكثر من حكومة فإن دائرة الفساد ستستمر وتزداد ضراوة ولن يتحمل وزرها سوى المواطن البسيط الذي قامت الثورة من أجله ومن أجل تحسين مستوى معيشته.

لقد نجحت الثورة في إسقاط النظام ولكنها لم تستطع بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي أزهقت من أجلها أرواح طاهرة زكية.

ثم نأتي بعد ذلك إلى الفساد وهو المعضلة أو العقبة الكبرى أمام مواجهة مثل هذه التحديات حتى في حال توحدت مؤسسات الدولة، ولكي نستطيع مواجهة الفساد علينا إشراك الشباب المؤمن بقدرته على إحداث التغيير، وقد كان في الموعد إبان ثورة فبراير قبل أن يمتشق السلاح ويلوذ بزعماء الحرب بعد فشل رجال السياسة.

إن السبب الرئيس لأزمة ليبيا هو القيادات، إذ نفتقر إلى قادة يعون جيدا أن مهمتهم هي تحقيق الصالح العام وإسعاد الناس، وأصبح كل همهم الصراع على السلطة والاستحواذ على الأموال وتحقيق نزواتهم ورغبـاتهم الشخصية، وقـد كنا نعتقد أن المسؤولين قد اتخذوا عبرة مما حدث لمن كان قبلهم على رأس السلطة، ولكن ثبت ما ذكره المفكر كارل ماركس بقوله الثورات أثبتت أنها تغير كل شيء إلا الإنسان.

إن ليبيا تواجه تحديات كثيرة بالإمكان تجاوزها في حال وحدتنا ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب. إن الشعب الليبي قادر على إحداث التغيير وسبق أن فعل ذلك حين كان مؤمنا بقدراته واثقا في خطواته ولديه هدف واضح، وهذا ما نحتاجه اليوم لإعادة الثقة بأنفسنا نحن الشعب الذي أبهر العالم بثورته قبل أن تُنهب من المجرمين والفاسدين، وأختم بمقولة لشيخ الشهداء عمر المختار “إنني أؤمن بحقي في الحرية، وحق بلادي في الحياة، وهذا الإيمان أقوى من كل سلاح”.

***

كمال حذيفة ـ قاض وناشط حقوقي ليبي

 _______________