Minbar Libya

إعداد إدارة البحوث والأحصاء

مما لا شك فيه أن الهدف الرئيس من الدعم السلعي الذي تقدمه الحكومة يكمن في كيفية رفع المستوى المعيشي لأفراد المجتمع عن طريق المحافظة على .المستوى العام لأسعار السلع الضرورية (أسعار السلع المدعومة)

ومن تم عدم تأثرها بتقلبات الأسعار العالمية وبالتالي المحافظة نوعاً ما على مستوى معيشي مناسب , غير أن المشكلة الرئيسية لا تكمن في الدعم السلعي المقدم ولكن تكمن في الآلية التي يتم بها تقديم هذا الدعم.

فعلي سبيل المثال عدد المواطنين الليبيين المدرجين تحت بند المساهمين في الجمعيات الاستهلاكية ما يقارب 7.230 مليون فرد , وهذا بالطبع مخالف لإحصائية التعدد العام لسكان ومعدل نموه في عام 2006 , كما إن جزء مهم من السلع الغذائية يتم بيعها في السوق الموازية من قبل الإفراد للاستفادة من فروق السعر, ناهيك عن تهريب كميات كبيرة منها إلى الدول المجاورة بغية تحقيق مكاسب شخصية.

بالإضافة إلى ذلك تثار عدة تساؤلات حول من هو المستفيد الأكبر من الدعم الحقيقي في قطاع الهيدروكربونات , فعلي سبيل المثال هل يتم تقديم دعم للقطاع الصناعي (الوحدات الإنتاجية ) من اجل تقليل تكاليفها وزيادة قدرتها الإنتاجية والتنافسية في الأسواق المحلية والخارجية ؟ ومن هو المستفيد من دعم المشتقات النفطية هل هم شرائح المجتمع الفقيرة التي لا تمتلك السيارات الفارهة أم الطبقات الغنية ؟

كما إن جزء من المشتقات النفطية هي الأخرى يتم تهريبها إلى الدول المجاورة , ولعل من ابرز مساوئ الدعم السلعي تتمثل في:

أن الدعم السلعي يستفاد منه أغلب الأفراد المتواجدين داخل البلد وتسرب جزء من هذا الدعم إلى الأجانب خارج البلد.

خلق سوق موازية في السلع داخل البلاد ومن ثم ارتفاع نسبة حجم الاقتصاد الخفي في البلاد.

فتح باب من أبواب التهريب عبر الحدود.

على ذلك وجود أربعة فروع رئيسية و25 مكتب وحدة مبيعات في كافة أنحاء ليبيا لصندوق موازنة الأسعار بالإضافة إلى 1561موظف يعملون لدى الصندوق , ناهيك عن عدد المباني والشاحنات والمقطورات فقد بلغ إجمالي تكاليف المرتبات والتشغيل لعام2010 في حدود 12.5 مليون دينار ليبي.

إن استبدال سياسة الدعم النقدي بسياسة الدعم المباشر لأسعار السلع قد ينظر إليها كحل لمعالجة المشاكل الناجمة عن تبني سياسات الدعم المباشر لأسعار السلع ومن أهم مزايا تلك السياسة :

ضمان التوزيع العادل للدعم بحيث يشمل كافة الشرائح المستهدفة بالدعم.

–      انخفاض نسبة الفقر هذا أن وجدت ومن تم تخفيض نسبة البطالة مما يترتب على ذلك دخول إضافية لأغلب أفراد المجتمع وبالتالي زيادة الطلب المحلي مما يعني زيادة الإنتاجية وخلق فرص إضافية للقطاع الخاص.

القضاء على السوق الموازية في السلع ومن تم انخفاض نسبة مساهمة الاقتصاد الخفي في الناتج المحلي الإجمالي.

وتجدر الإشارة إلى إن العديد من الدول بدأت في الشروع في استبدال سياسة الدعم السلعي بسياسة الدعم النقدي , غير أنه يصعب تطبيق هذه السياسة من الناحية التطبيقية في العديد من الدول وبالتحديد النامية منها للأسباب التالية ومنها:

عدم توفر جهاز إحصائي متطور وبالتالي ندرة البيانات الإحصائية وعدم دقتها.

ندرة الكفاءات الإدارية وبالتالي ضعف الهياكل الإدارية للمؤسسات الدولة.

صعوبة ضمان وصول الدعم النقدي إلى الشرائح المستهدفة في الوقت المحدد إلى غير ذلك من الأسباب التي تحول دون نجاح هذه السياسة.

مما سبق يتبين من خلال واقع الاقتصاد الليبي أنه لا مفر من اتخاذ رزمة من الإجراءات تتمثل في ضرورة رسم آلية معينة حتى يتم تقديم الدعم السلعي لشرائح المجتمع المستهدفة بالدعم ووفقاً للأهداف التي تخططها الحكومة وهذا يستلزم توفر بيانات دقيقة وإدارة كفؤة حتى تحقق الدولة مبتغاها. غير أنه في ظل الظروف الراهنة للاقتصاد الليبي يتحتم علينا الاستمرار في الدعم السلعي في المدى القصير وذلك لأسباب عدة منها:

عدم استقرار الأسعار العالمية بل وارتفاعها إلى مستويات قياسية في بعض الأحيان. الأمر الذي يتطلب ضرورة دعم أسعارها بغية المحافظة على مستوى معيشي جيد لأفراد المجتمع خصوصاً وأن جل أجور المواطنين الليبيين متدنية وتتصف بالجمود.

عدم توفر نظام إداري كفؤ .

عدم وجود سياسة واضحة للأجور. أن عدم وجود سياسة محدده للأجور والتي على أساسها يتم تحديد الحد الادني للأجور هي الأخرى تعد من الأسباب التي تحتم ضرورة الاستمرار المؤقت في الدعم السلعي حتى يتم تحديد خط الفقر ومن تم العائلات الفقيرة أو بمعنى أخر الشرائح المستهدفة من الدعم.

قلة البيانات وشحتها . والدليل على ذلك عدم توفر إحصائيات دقيقة تبين من هي الشرائح المستهدفة بالدعم وكما ذكر سابقاً فأن هناك تباينات واضحة في البيانات المقدمة من قبل صندوق موازنة الأسعار والبيانات المقدمة من الهيئة العامة للمعلومات والتوثيق بخصوص عدد السكان والمستفيدين من الدعم (عدد المواطنين).

عدم الاستقرار السياسي .

حيث تعد هذه الفترة حرجة وبالتالي فأن أي إجراء من شأنه تخفيض الدعم السلعي من الممكن أن يكون له أثر سلبي على الوضع الراهن للبلاد.

***

خطوات إصلاح الدعم

هناك ثلاث سيناريوهات مقترحة لعملية الإصلاح وهي:

السيناريو الاول: الإبقاء على الدعم

يفترض هذا السيناريو إلى ضرورة الاستمرار في سياسة الدعم السلعي المباشر وغير المباشر في الوقت الراهن، وذلك نظراً للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد ، بالإضافة إلى عدم توفر قاعدة بيانات جيدة والقدرة الادارية الكفء التي تساعد الحكومة على استبدال الدعم السلعي بالدعم النقدي، إلا ان هذا لا يمنع من العمل على إصلاح سياسة الدعم السلعي في ليبيا، حيث يركز هذا السيناريو على جملة من الاهداف لأجل اصلاح سياسة الدعم السلعي في ليبيا وهي:

البدء في إعداد قاعدة بيانات شاملة تصنف الافراد أو العائلات في المجتمع الليبي حسب الدخل، وذلك بغية تحديد الشريحة المستهدفة من الدعم، بالإضافة إلى تحديد السلع الضرورية المستهدفة بالدعم وفقاً لمسوحات الإنفاق العائلي لعام 2008 والمصنفة حسب المناطق الجغرافية، كما يتطلب أنتكون كافة البيانات متاحة للجميع حتى تساعد على دعم الجهود في إعادة هيكلة الدعم .

إنشاء منظومة جيدة وربط كافة الجمعيات الاستهلاكية في ليبيا بها، وذلك لتلافي الإزدواجية وعمليات التزوير بالإضافة إلى ضرورة توافق بياناتها مع منظومة قاعدة البيانات الشاملة، وفي معرض التدليل على وجود عمليات التزوير، بينت البيانات الاولية أن إجمالي عدد الليبيين المستفيدين من الدعم السلعي وفقاً لبيانات صندوق موازنة الاسعار والمستندة على بيانات اللجنية الشعبية العامة للاقتصاد سابقاً بلغ 7.2 مليون فرد، وهذا الرقم يتعارض مع بيانات الهيئة العامة للمعلومات والتي تفيد أن اجمالي عدد السكان الليبيين في نفس السنة 2010 بلغ 6.1 مليون فرد أي ان هناك 1.1 مليون فرد وهمي مستفيدين من الدعم السلعي المقدم وهذا يدل على أن هناك أموال طائلة من اموال الدولة يتم هدرها وتهرب عبر الحدود.

السيناريو الثاني : رفع الدعم بشكل تدريجي

يستند هذا السيناريو على فرضية مفادها ضرورة البدء في رفع جزء من الدعم السلعي واستبداله بالدعم النقدي، وذلك لأن سياسة الدعم السلعي المعمول بها تكتنفها جملة من العيوب ومن أهمها:

عدم وصول الدعم إلى مستحقيه، حيث أن النظام الحالي هو نظام دعم سلعة وليس دعم فرد ولا يكفل وصول دعم هذه السلعة إلى الفرد المستحق بل غالباً ما يحصل عليه المستحق وغير المستحق.

عدم كفاية الحصص التموينية لتغطية احتياجات الأسر والأفراد.

ضعف مستوى الاستهداف، حيث لا يوجد تصنيف واضح يمكن الاعتماد عليه في تحديد الشرائح المستهدفة بالدعم طبقاً لمستويات دخول الافراد سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص، وبالتالي لا يمكن الوصول بدقة لمستوى الدخل التي يمكن ان يوصف على أساسها من الذي يستحق الدعم.

وبما بأن الهدف الرئيس من سياسات الدعم السلعي هو الوصول إلى الشريحة المستهدفة من الدعم – شريحة محدودي الدخل – عليه لا بد من العمل على نظام جيد يعمل وفق آلية جيدة تهدف إلى ايصال الدعم إلى هذه الشريحة، وعلى هذا الاساس فأن هذا السيناريو يتضمن عدة اهداف حتى تحقق سياسة الدعم السلعي مبتغاها :

تطوير القطاع العام . مما لا خلاف فيه أن عملية رفع الدعم السلعي واستبداله بالدعم النقدي يمكن أن تلاقي قبول واسع من كافة أطياف المجتمع إذا توفرت الثقة في مؤسسات القطاع العام وقدرتها على إعادة هيكلة الأموال الموفرة والكيفية التي سيتم على أساسها توظيف هذه الأموال بكفاءة. لهذا يتطلب رفع كفاءة المالية العامة للدولة وكسب ثقة أفراد المجتمع, بحيث يتم توزيع الصافي من مدخرات إعادة هيكلة الدعم على برامج ومشاريع المجتمع بغية رفع إنتاجيتها وتقليل تكاليفها.

ضرورة العمل على التنسيق فيما بين وزارة الاقتصاد ووزارة الشؤون الاجتماعية على توفير قاعدة بيانات جيدة تشمل كافة العائلات في ليبيا، ليس هذا فحسب بل والعمل على تقسيم هذه العائلات إلى ثلاث شرائح على سبيل المثال، شريحة محدودي الدخل ، شريحة الطبقة المتوسطة، شريحة اصحاب الدخول المرتفعة.

ويتم ذلك بناء على دراسات علمية تقوم بها جهات متخصصة يتم على أساسها تحديد خط الفقر ومن تم تقسيم المجتمع إلى ثلاث شرائح وفقاً للدخول المتاحة لها ومن ثم تعطى الأولوية للشريحة المستهدفة بالدعم، أتبث تجارب بعض الدول أن وجود (مؤسسة الضمان الاجتماعي) لها دور مهم جداً في مراحل الإصلاح إذ تتوفر لديها بيانات ومعلومات عن الطبقات الفقيرة (محدودة الدخل).

العمل على اصدار كوبونات تحدد احتياجات كل أسرة من السلع الاساسية التي يتم دعمها، وبالتالي صرف هذه الكوبونات على هذه الأسر، بحيث أن المواطن يقوم بدفع الكوبون للتاجر ومن تم يقوم التاجر بإيداع هذا الكوبون في حسابه ليتحصل على القيمة المالية المدونة بالكوبون، وهذا من شأنه يخلق تنافسية كبيرة فيما بين التجار كما ان هذه السياسة من شأنها ان تقلل من تكاليف الاستيراد والشحن والتخزين ناهيك عن التكاليف الادارية الاخرى، وبالتالي توفير أكبر قدر من اموال الدولة، كما ان تطبيق هذ السياسة من شأنه ان يقلل من عملية التهريب عبر الحدود للسلع المدعومة وبالتالي المحافظة على أموال الدولة.

السيناريو الثالث: رفع الدعم السلعي بشكل مباشر

هذا السيناريو يتخذ الاتجاه الليبرالي الفوري, حيث سيكون رفع الدعم على جميع السلع في وقت آني و فوري. ويتطلب هذا السيناريو دعم شعبي شبه كامل إن لم يكن كامل وتتطلب هذه السياسة:

نشر التوعية بين أفراد المجتمع على الأرقام المصروفة من قبل الحكومة على السلع المدعومة, وتوضيح البدائل المطروحة في حال الانتقال للدعم التقدي.

استجلاب مراكز إحصاء دولية للمساعدة في فرز الشرائح المستهدفة من عملية إصلاح الدعم. أو الاستعانة بالآلية التي سوف تتبع لتسليم الألفين دينار لكل عائلة إن ثبت نجاحها.

مواجهة ارتفاع الأسعار (التضخم) بتصحيح الخلل الهيكلي في قنوات عرض السلع.

وستكون الإجراءات والعواقب المتوقعة في هذا السيناريو كالتالي:

تحويل المبالغ المقدر توفيرها من عملية إصلاح الدعم الفوري مباشرة لكل أفراد المجتمع والتي ستكون في المتوسط 1500 دينار ليبي لكل فرد . سيكون المبلغ النقدي المحول للأفراد عامل ضروري لإنجاح سياسة إعادة هيكل الدعم فكلما زادت الإيرادات المكتسبة من عملية إلغاء الدعم السلعي وبالتالي حولت للدعم النقدي زاد الدعم الشعبي لهذه العملية.

انخفاض الطلب المحلي للمحروقات (أكثر سلعة مدعومة في ليبيا). بمعنى أخر ترشيد استهلاك الطاقة, سيؤدي الى زيادة الطلب على وسائل النقل البديلة عن السيارات الخاصة مما سيشجع الاستثمار الخاص والعام في هذه المجالات النامية في ليبيا.

كما سيؤدي رفع الدعم على المحروقات المباعة محلياً إلى اتجاه رؤوس الأموال بشتى أنواعها إلى الاستثمار في هذا القطاع الحيوي.

النقطتين السابقتين يشيرا بكل وضوح إلى هدف ثانوي واضح وهو زيادة طلب اليد العاملة في ليبيا والذي بدوره سيعطي دفعة ايجابية لمعدلات النمو في ليبيا وللتحول إلى اقتصاد السوق.

الإصلاح في قطاع الكهرباء لهذا السيناريو سيكون عن طريق تقسيم الشركة العامة للكهرباء إلى عدة شركات (حسب التخصص وحسب مرحلة الإنتاج) ومن ثم الإشراف على هذه الشركات عن طريق وزارة الطاقة. هذه الآلية تضمن تحسين أداء عملية إنتاج الكهرباء عن طريق التخصص في عملية الإنتاج وستوفر قيم الدعم المخصصة سنوياً للشركة العامة للكهرباء التي عانت بشكل كبير منذ تأسيسها, كما ستجني المالية العامة أموالا إضافية عن طريق الضرائب المفروضة على هده الشركات أو أتاوات حقوق التشغيل.

الإصلاح في قطاع الصحة سيكون عن طريق تخصيص المستشفيات والمراكز الصحية والبدء في عملية التأمين الصحي لكل أفراد المجتمع. على الرغم من إنفاق أموال طائلة على قطاع الصحة في ليبيا الا انه هنالك إجماع على أن أغلبية الشعب الليبي لم تستفد من هذه الأموال بل صرفت جل أموالها للعلاج في الخارج وبالتالي فان تخصيص قطاع الصحة وبالتالي اختيار آلية معينة لتوفير تامين صحي لليبيين سيكون أكثر جدوى, وستكون له انعكاسات إيجابية على المستوى الاجتماعي والاقتصادي.

 ____________