Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

أصدرت المحكمة الجنائية الدولية حكما بتوقيف القائد الميداني في عملية الكرامة محمود مصطفى الورفلي بتهم ترقى إلى جرائم الحرب، والخلفية معروفة وهي تورط الورفلي في سلسلة من الاعدامات خارج القانون

وبطريقة مريعة كان واضحا أن الهدف منها يتعدى النكاية والانتقام إلى إلقاء الرعب في قلوب خصوم اليوم وخصوم المستقبل المتوقعين والذين من الممكن أن يكونوا من نفس معسكر الكرامة ومما قاتلوا جنبا إلى جنب مع الورفلي.

مشاهد الاعدام من حيث تكرارها وتطور سيناريو إخراجها الظن أنها لم تكن فردية أو من بنات فكر الورفلي، فلقد كانت ردود الفعل على مماسارت الورفلي شديدة منذ أول عملية إعدام ميداني في العام الماضي وارتفعت أصوات المنددين بعد إطلاقه النار مباشرة على ثلاث من الأسرى في شهر مارس المنصرم،

ثم توالت عمليات القتل الميداني لتصل إلى آخرها التي تم فيها إطلاق النار على 26 أسير بطريقة درامية لها دلالتها الأمنية والسياسية التي في رأي كثيرين ترتفع عن مستوى إدراك وتفكير المنفذ وتدخل ضمن نهج تبنته السلطة العليا.

ما يعزز هذه الفرضية هو السكوت عن ممارسات الورفلي، كما تداولات مواقع التواصل والقنوات الإعلامية تصريحات للقائد العام للجيش التابع للبرلمان وللناطق الرسمي له ما يفهم منه توجيه مباشر لتصفية أسرى الحرب.

صدر اليومين الماضيين قرار المحكمة الجنائية وهو قرار توقيف يحمل في طياته قبولا للأدلة والشواهد التي وصلت للمحكمة واعتبارها كافية للقبض على المتهم، وهو ما جعل موقف الورفلي حرج جدا ووضع القادة العسكريين والسياسيين في مأزق يتعلق بتهم المشاركة في الجرم من خلال إصدار الأوامر أو التحريض والتأييد لتلك الأفعال الخارجة عن القانون.

الارتباك لا يخفي نفسه في ردود فعل المسؤولين المباشرين عن الورفلي، فبعد الموقف الرافض لقرار الجنائية من المجموعات التي تأتمر بأمر محمود الورفلي نفى الحاكم العسكري عبدالرازق الناظوري أن يكون الورفلي ضابطا في الجيش وأنه يصنف ضمن المجموعات المساندة لكنه لم يفسر كيف نال رتبة نقيب وكيف تم ترقيته إلى رتبة رائد مؤخرا.

أيضا صدر بيان عن الجيش قرأه الناطق باسمه ومفاده قبول بالقرار من خلال عبارات التجبيل والتقدير للمحكمة الدولية والإقرار ضمنا بأن ما وقع جرائم، رافق ذلك مسعى للالتفاف على آثارها واحتواء تداعياتها إدراكا منهم بأنها، أي التداعيات، قد تكون كبيرة وخطيرة.

إجراءات توقيف المتهم وإحالته للتحقيق التي أعلن عنها الجيش لا تتطابق ومضمون قرار المحكمة الجنائية الدولية، فالمطلوب توقيف الورفلي وتسليمه للمحكمة، وبالتالي ما وقع من إجراءات داخلية لن ترضي المحكمة ولن تحول دون محاكمة المتهم.

لكن قد يكون للمغزى السياسي لمبادرة الجيش أثر مختلف، فالمحكمة جنائية في وظيفتها وإجراءات تطبيق العدالة، لكن قرارات الجلب والتوقيف والمحاكمة تظل رهينة لضغوط سياسية دولية، فالمحكمة لم تصدر قرارا بتوقيف أو حتى جلب خليفة حفتر للتحقيق برغم وصول شواهد وأدلة فيها ما يدعو للتحقيق معه وذلك لأن وضع حفتر في المعادلة السياسية الليبية يستدعي الحذر ويجعل قرار التحقيق معه أو محاكمته مستبعدا ما لم يقع في مواجهة مباشرة مع الأطراف الدولية الفاعلة حول مقاربة إدارة الأزمة الليبية.

وهناك ما يوحي أن إدانة محمود الورفلي هي نوع من الضغط على حفتر للاستجابة لمقاربة الوفاق خاصة وأن الأخير اتجه مرة أخرى إلى روسيا التي تشهد توترا حاد مع الغرب بعد مصادقة الكونغرس الأمريكي على إجراءات عقابية إضافية ضد موسكو، وأيضا الحديث عن إمكان بيع سلاح روسي لحفتر والذي أعلن في أعقاب الزيارة عن تخليه عن مبادرة فرنسا التي جمعته وفايز السراج.

إذا من المحتمل أن يكون مصير الورفلي أو تطور قرارات التوقيف والجلب بتوجيهها إلى مستويات أعلى رهن لاتجاه الأزمة الليبية وعملية التوافق وبناء على رغبة الأطراف الغربية الفاعلة، ففي حال تم تطويع مواقف حفتر للمسار المرسوم فسينتهي ملف الجنائية الدولية، وإذا كانت الثانية فمن الممكن التصعيد حتى يتحقق المراد.

***

السنوسي بسيكري ـ باحث وكاتب ليبي ومدير المركز الليبي للبحوث والتنمية

___________