Minbar Libya

بقلم ضو المنصوري عون

سيتضح جلياً لكل متابع لردود الأفعال المتباينة حول إقرار الهيئة التأسسية لمشروع الدستور بأن هذه التفاعلات قد إنقسمت بين مؤيد للمشروع ومعارضاً له ،وهذا أمر طبيعي إزاء حدث تاريخي سيغير مجريات الأوضاع القائمة سواء ماتعلق منها بمصير وطن مهدد بالإنشطار والوصاية والإحتلال والتدخل الخارجي.

وجاءت نصوص مشروع الدستور لوضع حداً له. وبين من يرى أن في هذا المشروع إقصاءاً شخصياً له لسبب أو لأخر ،وأن ما اكتسبه من مناصب أو مكاسب باتت مهددة عند الإستفتاء على هذا المشروع وإقراره من الشعب ،لأن هذا المشروع يشترط لتولى الوظائف العامة تطبيق معايير الكفاءة والجدارة وتكافؤ الفرص.

وإن أي إخلال بهذه المعايير سيكون عرضة للحكم بعدم دستوريته من المحكمة الدستورية.

وقبل الغوص فيما تقدم فإن مجرد أن يلوك الليبيين كلمة دستور،وينتقدون ماتضمنه سلباً أو إيجاباً يعد مكسباً سيساهم في بناء اللبنة الأولى للديمقراطية التي تعتمد على رأى الشعب الذى لم يتعود بعد على خوض المسار الديمقراطي المبني على الرأي والرأي المعارض له، سواء تعلق الأمر بمشروع الدستور أو بغيره من المسارات اللازمة لتحقيق التحول الديمقراطي،

وقبل أن أتعرض لماتضمنه العنوان ، فإنه لابد من الإشارة الى مقدمات ولادة هذا المشروع الذى كبله الإعلان الدستوري المؤقت بقيود لايتسنى الفكاك منها إلا بإتباع الخطوات التي اهتدت إليها الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور وهو التوافق بين أعضاء الهيئة وصولاً إلى النصاب القانوني الوارد في الإعلان الدستوري، ومتضمناً كذلك توافقاً مع المكونات اللغوية والثقافية ،وتالتها تلمس النصوص التى ستؤدي إلى تصويت الشعب على مشروع الدستور بتلثي المقترعين.

هذه المعيقات التلات هي التي كانت وراء تأخر الهيئة في إصدار مشروع الدستور، وهو لايعد تأخراً مقارنتاً بصناعة الدساتير المقارنة ،ومع كل هذه المعوقات القانونية وظروف الضغط المكاني يحسب للهيئة انها استطاعت أن تخرج من هذا النفق الذي راهن معارضي المشروع على عدم قدرتها على اجتيازه. فكان يوم 2017/7/29 م مفاجأً للجميع سواء من كان ينتظر هذا المولود فامتلاء فرحاً او من كان ليجزم بعدم امكانية إصداره فإشتاط غضباً وكانت ردود أفعاله مرتبكة وغير مدروسة.

إذاً لماذا فرح مؤيدي المشروع!!

أولاً:- لأن هذا المشروع سيؤسس للدولة المدنية القائمة على المؤسسات الديمقراطية رئيساً منتخب من الشعب ،بمراعاة الكتافة السكانية والجغرافية ،بحيث يضمن مشاركة كل أبناء الشعب في إختياره وذلك بتحديد نسبة تقدرها السلطة التشريعية يتعين الحصول عليها في الدوائر الإنتخابية عند حصوله على الأغلبية المطلقة .

ثانياً:- سلطة تشريعية منتخبة مباشرة من الشعب وبشروط لتوليها وفقدانها ومدتها محددة دستورياً ، ويُوكل إليها مراقبة السلطة التنفيدية ، وروعِى في تشكيلها الموازنة بين المكان والجغرافيا ،وتوافقية بين أعضاء التأسسية في تحديدها (مجلس الشيوخ) الذى أعطى مكنة ضرورة موافقته على القوانين الأساسية . والمصادقة على ترشيحات المناصب السيادية ، والمحكمة الدستورية والهيئات الدستورية المستقلة ومحافظ مصرف ليبيا ونائبه .

ثالثاً:- سلطة قضائية مستقلة ومحايدة مهامها تحقيق العدل وصون الكرامة الإنسانية تقوم على التخصص القضائي وفقاً للمعايير المتعلقة بتحقيق المحاكمات العادلة.

رابعاً:- محكمة دستورية مستقلة مهامها إنفاذ أحكام الدستور ومراقبة عدم قيام السلطة التشريعية بمخالفتها وفقاً للمعايير الدولية الواردة في أغلب نصوصه بحيث يكون اي قانون يخالف المبادئ التي وردت في الدستور غير دستورية اذا خالفت هذه التشريعات حماية الكرامة الإنسانيةحقوق الإنسانالمحاكمات العادلةتكافؤ الفرصاللامركزيةتولى الوظائف العامة وفقاً لمعايير الكفاءة والجدارةاقرار التعديلات الدستوريةبحث جدية حل أحد المجلسين أو كلاهما” وهذه جميعها ضمانات قضائية لإحكام نفاذ الدستور.

خامساً:- اللامركزية موسعة ،بحيث تضمن وحدات الحكم المحلي شخصيتها القانونية ،واعتمادها على مبدأي التفريع والتدبير الحر ،ولها أن تدير ثرواتها وفقاً لهذان المبدأن إضافة إلى ماتخصصه لها الدولة من ميزانيات .

سادساً:- عدم السماح بوجود أي تشكيلات عسكرية أو شرطية ماعاد المنضويين تحت سيطرة الدولة .

سابعاً:- ان الثروات لكل الليبين وتلتزم الدولة بإنشاء مشاريع بديلة لمواطن الإنتاج تتسم بالإستدامة والكفاية ووفقاً لإمكانياتها المكانية .

كل ذلك وفق مدد وشروط محددة في مشروع الدستور هذه المسائل هي التي دفعت العديد من الليبين إلى تأييد مشروع الدستور الذى سيأتي على أنقاض حكومات متعددة، وأجسام تشريعية مثيلة لها، وجيوش لاحصر لها، وبالتالي لامناص لهم إلا تأييد المشروع، حتى لوكانت به شوائب فهو عمل إنساني قابل للخطأ ويمكن تعديله مستقبلاً.

لهذه الأسباب مجتمعة تصاعدت وتيرة المؤيدين لمشروع الدستور ، رغبة في بناء الدولة المدنية والعيش وبأمن وسلام في ظل سلطة سياسية منتخبة من الشعب وتحت رقابة السلطة التشريعية والمحكمة الدستورية ، ليس لي إلا الإنضمام لهذا التيار وتأييده.

أما المعارضون لهذا المشروع الذين يطلقون عبارات عامة خالية من الإنتقاد البناء للنصوص التي تضمنها مواد الدستور عازفين على وتر الدين تارة أو الإنتقاص من حقوق بعض المناطق تارةً أخرى.

فالقائلين بأن المشروع قد أسس لبناء الدولة الدينية لم يقدم أى منهم دليلاً واحداً على صحة مايقدمونه فالمادة (السادسة) من المشروع المتعلقة بعدم جواز أن يصدر تشريعاً مخالفاً للشريعة الإسلامية هي خطاب للمشروع بأن تكون تشريعاته متطابقة مع توابت الشريعة ومقاصدها والمقطوع بتباته ودلالته ولايمكن بأي حال من الأحوال للمحكمة الدستورية أن تحكم بعدم دستورية قانون صادر عن السلطة التشريعية يكون قائماً على الاجتهاد المختلف بشأنه وقد تم تصميم هذا النص ليكون متطابقاً مع الشريعة الاسلامية الصالحة لكل زمان ومكان وان مصالح العباد متجددة وفق لمقتضيات التطور البشري الذى تراعيه الشريعة الاسلامية السمحاء كما ان هذا النص يتطابق تماماً مع التشريعات الدستورية المقارنة.

وفي محاولة لإجهاض المشروع استخدم البعض عبارة هضم حقوق المناطق دون قراءة متكاملة لماتضمنه المشروع في باب الحكم المحلي الذي أسس على اللامركزية الموسعة لوحدات الحكم المحلي ويمكن إطلاق لفظ مركزية البلديات حتى عن المحافظات التي تتبعها ، وبناء على ذلك لامكان للمركزية في مشروع الدستور .

اذا اضيف آلية توزيع المؤسسات وإنشاء المشاريع الضامنة لتنمية شاملة لكل مناطق ليبيا؛

لو قرأ من يعترض على هذا المشروع نصوصه كاملةً وتخلص من الأحكام المسبقة لضم صوته إلى تأييد المشروع.

إن مجرد الاختلاف على مشروع الدستور هو ظاهرة صحية والحكم فيه للشعب قبولاً أو رفضاً

***

ضو المنصوري عون/ عضو الهيئة التأسيسية

_____________