Minbar Libya

اتفاق باريس حصل على تغطية إعلامية أكبر من حجمه الحقيقي ولعل السبب في ذلك هو مهارة إخراج الدبلوماسية الفرنسية للقاء، رأينا أن نضع بين يدي القارئ مقالين لكتاب لهم باع طويل في تناول الشؤون الليبية.

الأول للكاتب ماجد البرهومي يتناول فيه مسألة تكرار أخطاء الاتفاق المرجع وهو الإتفاق السياسي في الصخيرات بالمغرب، والثاني للكاتبة روعة قاسم تطرح فيها سؤالا مهما حول إمكانية اتفاق باريس من إنقاذ ليبيا من أزمتها المعقدة.

***

اتفاق باريس بين حفتر والسراج وتكرار أخطاء الصخيرات

بقلم ماجد البرهومي

أجمع معظم الخبراء والمحللين على أن الاتفاق الأخير الحاصل في باريس بين السراج وحفتر برعاية فرنسية هو جهد مرحب به بذل في سبيل استقرار ليبيا لكنه في كل الأحوال غير كاف ووجب أن تتبعه جهود أخرى

فبعض البنود العشرة لهذا الاتفاق تبدو صعبة التحقق في الوقت الراهن مثل ذلك المتعلق بوقف إطلاق النار وتفادي الصدام العسكري، باعتبار أن هناك أطرافا أخرى متصارعة على الميدان الليبي كانت غائبة عن هذا اللقاء ولا يسري عليها هذا الاتفاق ولا تخضع لإملاءات أي من الطرفين الموقعين.
كما أن تعهد المجتمعين في باريس بالعمل على تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية في أقرب وقت ممكن بدعم وإشراف الأمم المتحدة والتنسيق مع المؤسسات المعنية، يبدو التزاما هلاميا. فمن المفروض أن لكل اتفاق خريطة طريق وآجال محددة يتم ضبطها ثم تعديلها لاحقا حسب الظروف. فالاتفاق لم ينص على أجل لإجراء هذه الانتخابات، وبدت مبادرة السراج التي سبقت هذا اللقاء أكثر جدية باعتبارها حددت آجالا ووضعت خريطة طريق ونصت صراحة على ضرورة إتمام كتابة الدستور.

لذلك اعتبر البعض أن هذا الاتفاق الذي هرول إليه حفتر كما السراج لا يعدو أن يكون حملة علاقات عامة سعى إليها الإيليزيه لتلميع صورة الرئيس الفرنسي الشاب إيإيمانويل ماكرون. ولعل ما يدعم هذا الرأي هو التنصيص صراحة في البيان على أن «الاجتماع جاء بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيإيمانويل ماكرون إسهاماً في حل الأزمة الليبية ودعما لجهود الاتحاد الافريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية».

المستعمر السابق

والحقيقة أن فرنسا، المستعمر السابق للجنوب الليبي، لم تكن غائبة عن الملف الليبي منذ عملية الإطاحة بالقذافي، بل هي لاعب أساسي ومباشر. كما أن لباريس وكلاء في الملف الليبي منهم الرئيس التشادي إدريس ديبي والميليشيات السودانية الدارفورية الموالية له والتي كثر الحديث عن مشاركتها حفتر في كثير من المعارك التي خاضها سواء للسيطرة على النفط أو لمحاربة الإرهاب.

وبالتالي فإن فرنسا هي من الدول الداعمة لخليفة حفتر شأنها شأن روسيا ومصر والأردن والإمارات وكذا الولايات المتحدة التي تخضع لإرادتها أطراف أخرى تتصارع مع حفتر الأمر الذي جعلها تمسك بأهم الأوراق على الساحة الليبية. فليس مستغربا أن تنجح باريس في عقد هذا اللقاء خاصة وأن السراج لا يبدو بعيدا عن الحلف الأطلسي باعتبار ما عرف عن موالاته لإيطاليا، المستعمر السابق للشمال الليبي.

ويضيف البعض عاملا آخر ساهم في نجاح ماكرون في جمع الطرفين وهو تعيين اللبناني غسان سلامة على رأس البعثة الأممية لليبيا خلفا للألماني مارتن كوبلر. فقد عرف عن وزير الثقافة اللبناني الأسبق والأستاذ في جامعة السوربون علاقاته المتميزة مع باريس حتى اعتبر البعض أن منحه حقيبة الثقافة زمن الراحل رفيق الحريري كان بإيعاز من أطراف فرنسية نافذة على علاقة جيدة بالرئيس الحريري.

منافسة أطلسية

وكما التنافس الذي بات بين دول جوار ليبيا وبعض البلدان العربية على الحل في بلد عمر المختار، يبدو أن هناك تنافسا شبيها بات جليا في الآونة الأخيرة بين الجارتين الأطلسيتين فرنسا وإيطاليا وظهر ذلك في الخصوص في موقف السفارة الإيطالية في ليبيا من هذا الاجتماع. حيث نقل عنها، وتماهيا مع ما صرح به الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، ما مفاده أن «تحقيق استقرار طويل الأمد في ليبيا يحتاج إلى تحرك يفوق الجهود الفردية للدول والتحالفات الطوعية».

فهل أن ذهاب السراج، رجل روما في ليبيا، إلى باريس هو بداية القطيعة بينه وبين الإيطاليين ودخوله تحت المظلة الفرنسية؟ أم أن الأمر يتعلق بمناورة إيطالية لمعرفة ما يريده الطرف الفرنسي ومن ثم العمل لاحقا على إنجاز أمر ما يعيد الألق للدبلوماسية الإيطالية التي بدأت تفقد الكثير في ليبيا خاصة مع عدم استغلالها لتعيين الجنرال الإيطالي باولو سيرا مسؤولا عن الملف الأمني في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، للمساهمة في الحل؟

وتؤكد أطراف دبلوماسية نافذة ومطلعة على أن الاتصالات بين السراج والإيطاليين لم تنقطع قبل ذهابه إلى باريس وأثناء تواجده هناك وحتى بعد عودته. كما أن زيارة السراج إلى روما «الغاضبة» من تهميش باريس لدورها، مباشرة بعد لقاء باريس، يؤكد على أحد أمرين، إما أن السراج يتحرك بإملاءات إيطالية تفرض عليه أن يطلعهم على تطورات ما حصل في باريس، وهو ما تؤكده المسارعة في الزيارة، أو أنه ذاهب لإصلاح ذات البين بعد أن شعر بحجم الأزمة الداخلية في روما بعد هذا اللقاء الذي أصبح مادة دسمة لتهجم المعارضة الإيطالية على رئيس الحكومة باولو جينتيلوني ووزير خارجيته واتهامهما بالتقصير.

لقد بات جليا إثر هذه «الأزمة» الفرنسية الإيطالية بشأن ليبيا أن المصالح القطرية أهم بكثير من التحالفات السياسية والاقتصادية لدى هذين القطبين الأوروبيين. فقد نسي الإيطاليون والفرنسيون على ما يبدو أنهم أعضاء في اتحاد كونفدرالي إسمه الاتحاد الأوروبي، وأنهم بمعية شركاء آخرين وحدوا العملة وتعاهدوا على المضي قدما في دعم هذا البناء. فقد أسال النفط الليبي لعاب الجارتين الأوروبيتين حتى باتت جهود هذا الطرف في التقريب بين الفرقاء الليبيين تثير انزعاج الطرف الآخر وتثير الأزمات الداخلية، وبات كل طرف يرغب في الاستفراد بالملف الليبي.

على خطى الصخيرات

إن من أسباب فشل اتفاق الصخيرات في الوصول بليبيا إلى بر الأمان هو عدم تشريك ممثلين عن جميع الليبيين، واقتصار الأمر على بعض المكونات دون سواها. ويبدو أن الأمر يتكرر مع اتفاق باريس الأخير والذي اختزل ليبيا في حفتر والسراج وما يمثلانه دون أن يطال التمثيل أطرافا هامة فاعلة ومؤثرة في المشهد الليبي قبل الإطاحة بالقذافي وبعد الإطاحة به.

فالأطراف الغائبة والمشار إليها غير معنية باتفاق باريس ولا بما توصل حفتر والسراج برعاية الرئيس الفرنسي ولا يمكن لأحد أن يلوم هذه الأطراف على عدم الالتزام بما ورد فيه. وبالتالي فقد ولد اتفاق باريس ميتا على غرار اتفاق الصخيرات الذي صرفت لأجله أموال طائلة ونال الكثير من جهد الليبيين وحلفائهم الإقليميين والدوليين، كما نال تغطية إعلامية واسعة ومنقطعة النظير وفي النهاية خرج منه الليبيون بيد فارغة وأخرى لا شيء فيها.

وللإشارة فإن اتفاق الصخيرات ليس الوحيد الذي جمع أطرافا ليبية، فقد حصل اتفاق في تونس لم يجد طريقه إلى التنفيذ، وحصل اتفاق آخر في الإمارات وفي غيرها. وبالتالي فإن اتفاق باريس، وحسب كثير من الخبراء والمحللين، سيكون رقما في سجل الاتفاقيات الليبية لحل الأزمة والتي يصعب تنفيذها. لكن لقاء باريس وما تمخض عنه، ورغم كل هناته، أثبت أن الغرب أنهى مرحلة التدمير للدولة الليبية ودخل جديا في مرحلة البحث عن الاستقرار وإعادة الإعمار ليغنم من ريع ثروات ليبيا وهو أمر على درجة كبيرة من الأهمية.

***

ردود أفعال متباينة وتحديات بالجملة أمام التنفيذ: هل ينقذ اتفاق السراج وحفتر ليبيا؟

بقلم روعة قاسم

سجل اتفاق السراج – حفتر برعاية فرنسية وأممية نقطة تحول هامة في مسار الأزمة الليبية، إذ تمكن الرئيس الفرنسي ايإيمانويل ماكرون من جمع الخصمين اللدودين، المشير خليفة حفتر ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج، وجها لوجه وتحدثا بشكل مباشر في النقاط الخلافية،

وهي خطوة استثنائية سجلتها الدبلوماسية الفرنسية وجاءت في وقت يتوق فيه الليبيون إلى الاستقرار مع فقدان أبسط مقومات الحياة اليومية من مياه للشرب وصحة وتعليم وطبابة في ظل تدهور الوضع الأمني والاقتصادي.

وتأخرت ردود الأفعال محليا باستثناء البيان الصادر عن حزب العدالة والبناء الإسلامي برئاسة محمد صوان الذي انتقد مخرجات لقاء باريس

وأعلن بيان رفض العدالة والبناء ما سماه بـ «عسكرة الدولة» في إشارة إلى التقارب الحاصل بين حفتر والسراجفي حين لم يصدر أي موقف أو بيان عن مفتي الديار الليبية المحسوب على تنظيم جماعة الإخوان المسلمين وكذلك غاب موقف حكومة الانقاذ الإخوانية.

ورأى الكاتب والباحث السياسي الليبي ادريس طيب لمين ان أبرز المعرقلين لهذا الاتفاق هم بقايا الجماعة الإسلامية المقاتلة وسرايا الدفاع عن بنغازي ومجموعة المفتي الصادق الغرياني، معتبرا ان كل المحاولات لعرقلة الاتفاق لن تكون مجدية بعد الآن

فالأطراف الموقعة على الاتفاق السياسي تدرك بشكل واضح ان لا خيار بديلا حتى الآن. وأما الأطراف المعادية للاتفاق من حيث المبدأ والتي ليست من القوى المستهدفة بالتوافق فهي في معسكر المجموعات الإرهابية بحكم تحالفها معها. واعتبر في حديثه لـ «القدس العربي» ان «لم يعد هناك متسع لمزيد من الخلافات بين الليبيين.

فالقارب مثقوب منذ مدة طويلة والجميع على وشك الغرق ومن يتوقع النجاة بمفرده دون غيره فهو واهم، ولهذا فأما ان ينجو الليبيون معا أو يغرقوا معا وقد أصبحت هذه الفكرة أقرب إلى القبول لديهم من ذي قبل».

وأضاف: «أعتقد ان هذا الاتفاق هو الفرصة الأخيرة للم الشمل وبناء الدولة في إطار الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات في كانون الأول/ديسمبر 2015».

تغييرات إقليمية

وترى الكاتبة والإعلامية الليبية فاطمة غندور في حديثها لـ «القدس العربي» انه لا يمكن انكار أن أطرافا ليبية كانت ترفع شعار التعنت حد استعمال السلاح، قد خفت صوتها عقب وقائع ومجريات إقليمية ودولية على رأسها حادثة مانشستر، وتحذيرات ترامب المسربة في خطاباته كما تغريداته بخصوص التيارات الإسلامية.

وتابعت: «مؤخرا ينطلق السراج من معطى أن أطرافا لها سلطتها على الأرض انضوت تحت مظلة الاتفاق السياسي الذي جرى التوقيع عليه بالصخيرات، وهو الاتفاق الذي أخرج حكومة الوفاق

من ذلك جاءت موافقة السراج على الوساطة الفرنسية لبدء التفاوض والتسويات، وقبلها مجيئه إلى مصر رغم تعنت قائد الجيش حفتر عندها، ومن ثم نزوله في أبو ظبي لذات الغرض، يعكس أنه مع الدعم الدولي له، كونه أيضا يستظل بموافقة أطراف تجعل من اتفاق الصخيرات خريطة الطريق الملزمة لحل المشكل الليبي». 

وقالت انه عندما يحصل دعم وضغط من دول الجوار، مصر وتونس والجزائر وينشط حراك ممثلي جامعة الدول كما مبعوث الأمم المتحدة، والدور الإقليمي لدول تعاضد طرفي الأزمة، فان ذلك يفتح طرق الحل.

واعتبرت اللقاء الذي تم برعاية فرنسية إيجابي بعد محاولات لم تنجح عربيا في جمع فرقاء، أي من يملكان السلطة السياسية باعتراف دولي، ومن ملك السلطة العسكرية بتفويض البرلمان الشرعي

وما يعطي الأهمية للقاء (الوساطة) هو خروج البيان كوثيقة بمبادئه العشرة وهو ما لم يحصل في وساطتي مصر وأبو ظبي، والوثيقة التي من المفترض أنها ستمثل إلزاما حال تبنيها والتوقيع عليها.

واعتبرت ان أهم مقومات نجاح هذه المبادرة أن البيان قارب المسار الأمني، والمصالحة والسلم المجتمعي، كما حلحلة الاقتصاد، والتي تعد من أهم القضايا العالقة والتي ما زالت تشكل أُساس الأزمة الليبية.

وفيما يتعلق بمآلات الاتفاق أجابت: «ما بعد بيان المبادئ وكأي اتفاق ما يتعلق بخريطة التنفيذ أو آليات التفعيل ما يستلزم الجلوس على الطاولة بين الأطراف، فباب الحوار ينبغي ان يظل مفتوحا، ولا مفر من عقد اللقاءات التفاوضية وتسويات تفضي إلى حلول وتخرجنا من النفق المظلم».

وتجدر الإشارة إلى ان هناك عدة تحولات في المشهد الليبي التي تنبئ بقرب انفراج الأزمة، لعل أهمها تحسن الوضع الأمني في طرابلس بسبب جهود جهاز الحرس الرئاسيوفي هذا السياق طالب العميد نجمي الناكوع رئيس الحرس الرئاسي البعثات الدبلوماسية بالعودة لمباشرة أعمالها وفتح مقراتها. وكشف عن قرب اتخاذ إجراءات أمنية لمنع السلاح داخل العاصمة طرابلس.

والمعلوم ان أغلب تلك البعثات غادرت مقراتها لدواع أمنية وذلك بعد سيطرة فجر ليبيا على طرابلس ومجلس النواب وإعادة تفعيل المؤتمر الوطني العام وإنشاء حكومة الانقاذ وظهور الحكومات الموازية.

***

ماجد البرهومي ـ محامي وكاتب تونسي

روعة قاسم ـ صحافية فلسطينية ومسؤولة قسم الشؤون العربية والدولية في صحيفة المغرب التونسية

____________