Minbar Libya

حاورته: ديما شريف

ثلاث سنوات مرت على انتهاء مهمة طارق متري ممثلا خاصا للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، ولكن الوزير اللبناني الأسبق لا يزال يواظب على متابعة شأن هذا البلد الذي يؤكد أنه مفكك ومجتمعه ممزق ومؤسساته السياسية ضعيفة.

الجزيرة نت حاورت متري للحديث عن المستجدات الأخيرة في ليبيا، وتعيين ممثل خاص جديد هو الوزير اللبناني الأسبق غسان سلامة.

 هدد اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر خلال لقائه زعماء القبائلبالزحف إلى طرابلس وتطبيق حكم الجيش المباشر إذا لم تثمر المفاوضات الليبية خلال ستة أشهر، حيث تنتهي الصلاحية المفترضة لاتفاق الصخيرات. هل تعتقدون أن للممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة الجديد القدرة على إدارة الأزمة المستجدة والسيطرة عليها؟

مهمة الممثل الخاص للأمين العام الجديد الأولى هي مساعدة الليبيين في الوصول إلى اتفاق سياسي. أعتقد أن مشكلة ليبيا لا تحل دون اتفاق سياسي، وهي قناعة الجميع. قد يقبل البعض بتعديل اتفاق الصخيرات وقد يصرّ آخرون على إعادة النظر فيه من أساسه.

غسان سلامة يقرر إذا كان عليه الانطلاق من اتفاق الصخيرات أو تعديله، أم التهيئة لمشروع وفاق سياسي جديد. طبعا لا يمكن لأحد أن ينطلق من الصفر، لكنه يستطيع تقييد نفسه باتفاق الصخيرات أو التحرر منه.

ومن المبكر الحديث عن ذلك، سلامة سيقرر بعد اللقاء بكل الأطراف في ليبيا، ولكني أعتقد أنه يعرف ألا حل سوى باتفاق سياسي مهما تغيّر ميزان القوى العسكري، فالحل مرهون باتفاق كل الأطراف.

حفتر سيطر على الشرق ولكن ذلك ليس كافيا ليستولي على كل السلطة، والسلطة في ليبيا تقوم على قاعدة اتفاق سياسي. ومن دون هذا الاتفاق فحتى إجراء الانتخابات لن يحل المشكلة، لأننا رأينا سابقا في ليبيا زيادة الانقسام بعد إجراء الانتخابات التي لم تساهم في توحيد الليبيين، وذلك لعدم وجود الحد الأدنى من الاتفاق السياسي في بلد مفكك، مجتمعه ممزق ومؤسساته السياسية ضعيفة.

في هذه الحالة، الانتخابات تعمق الانقسام لأن الفائز يعتبر أن من حقه أخذ كل شيء والخاسر يعتبر نفسه مقصى ومهددا في وجوده.

 باشر الممثل الخاص الجديد للأمين العام للأمم المتحدة مهمته بالدعوة إلى تسريع إطلاق الحوار الوطني بين أطراف النزاع، ووفقا للآليات التي نصت عليها الاتفاقات السابقة. وقد اشترط أن يكون الحوار المرتقب ضمن رؤية شاملة. هل تعتقدون أن الظرف المحلي والإقليمي مهيأ لاستئناف الحوار الليبي وتسهيل مهمة سلامة؟

ما سمعته من كثيرين ومنهم سلامةكلام يوحي بأن أكثرية الليبيين تريد حلا سياسيا، وتريد الانتهاء من الحروب الصغيرة المتعاقبة ومن الآثار الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي تسببها حالة الانقسام الكبيرة التي تشهدها ليبيا منذ عام 2014.

الناس تريد العودة إلى الحياة الطبيعية ومعناها الحقيقي غير ممكن من دون اتفاق سياسي. ولذلك مع وجود ممثل خاص جديد للأمين العام هناك إمكانية خلق حالة جديدة تسمح بتقدم الحوار السياسي انطلاقا من اتفاق الصخيرات أو العناصر المؤسسة له، فالاتفاق ليس نصا مقدسا.

وأعتقد أن غسان سلامة يؤمن بأن هناك فرصة. في الماضي كانت هناك فرص كثيرة وضاعت، ونأمل هذه المرة ألا تضيع وأن يدرك الليبيون ألا سبيل أمامهم سوى الحوار، وأن الغلبة لفريق على فريق مستحيلة مهما عظمت قوة هذا أو ذاك. في بلد مثل ليبيا لا يمكن لطرف بمفرده أن يحكم ويقهر الآخرين.

ويبدو في الظاهر أن الظرف الإقليمي مهيأ أيضا، فكل الدول العربية بما فيها دول الجوارتقول إنها مع الاتفاق السياسي. هناك إجماع حتى لدى الدول المنحازة لطرف في ليبيا مثل مصر والإماراتعلى التوصل لاتفاق.

طبعا الجزائر وتونس تؤيدان حصول اتفاق أيضا، لكن هل رغبة كل هذه الدول بحصول اتفاق تعني أنها ستساهم في إنجاح الاتفاق؟ لا أحد يدري. فالدول لديها مصالح ولديها جهات داخل ليبيا تلوذ بها، ورغم تأييدها الوصول إلى اتفاق سياسي، فهناك في واقع الأمر احتمال أنها لن تستطيع أو لن ترغب بالدفع باتجاه التسوية.

ففي أي تسوية على الجميع أن يتنازل، والبعض قد لا يريد التنازل.

 هل تعتقد أن الممثل الخاص الجديد للأمين العام للأمم المتحدة قادر على تسهيل الحوار بين الأطراف، وهو محسوب على دولتين تدعمان طرفا في ليبيا (فرنسا والإمارات)؟

في عصر وسائل الاتصال الحديثة من السهل جدا أن يتم اتهام شخص ما بالانحياز لطرف دون آخر، وأنا عانيت من الموضوع حين كنت في هذا المنصب. أعتقد أن المجتمع الليبي اعتاد أيام القذافي على الوشاية والتخوين، ولذلك من السهل توجيه الاتهامات والناس في العادة تصدقها بسرعة.

غسان سلامة شخص مستقل، وله علاقات وصداقات عربية في الكثير من الدول، وحمله الجنسية الفرنسية لا يعني تمثيله لها في ليبيا بل هو هناك لإنجاح مهمة الأمم المتحدة في التوصل إلى اتفاق سياسي يؤمن لليبيا الاستقرار، وأعتقد أنه مقتنع بهذه المهمة ولن يفرط فيها لصالح انحياز مزعوم.

 حفتر يرفض اتفاق الصخيرات علنا، فهل تعتقد أن غسان سلامة قادر على تعديل الاتفاق واحتواء حفتر والحكومات الثلاث (طبرق والوفاق والإنقاذ) ضمن اتفاق جديد؟

من المبكر التنبؤ بما يمكن أن يحصل، وهذا بيد الممثل الخاص الجديد ولا أريد أن أتدخل في أمر لا علاقة لي به.

لكن كمراقب من بعيد أعتقد أن تعديل مادة ما في اتفاق الصخيرات أو الإضافة إليه أو اختصاره، كلها تفاصيل، والأهم هو إقناع كل الأطراف بالتسوية وضرورة رسم ملامح الدولة التي يريدون بناءها سوية، والاتفاق على مسألة أساسية وهي بناء الجيش الوطني ودمج المسلحين فيه أو إنشاء كيان عسكري آخر، وهي كلها مسائل متعلقة بالسلاح، أي بالتشكيلات المسلحة وحملة السلاح.

وأعتقد أن الاتفاق على هذا الأمر ضروري وكذلك الاتفاق على الترتيبات الأمنية، فالاتفاق السياسي وحده ليس كافيا.

من جهة ثانية، أصبح هناك العديد من السلطات في ليبيا، فهناك ثلاث حكومات ويجب الاتفاق على حكومة واحدة، ولذلك يجب ضمان قيام حكومة واسعة التمثيل مقبولة من الجميع وإلا فسنعود إلى حالة الانقسام.

لا خيارات كثيرة هنا، وليست مهمة الأمم المتحدة أن تنظم انتخابات فقط وتهنئ الرابح أو أن تعترف بالأقوى وتعظم شأنه؛ إنما مهمتها هي الحفاظ على وحدة ليبيا ومساعدتها في بناء دولة جديرة بهذا الاسم، وبناء الدولة مشروط بالاتفاق على القيام بذلك.

حين كنت مبعوثا خاصا لم أكن متحمسا للاستعجال لإجراء الانتخابات، وأساء الكثيرون فهمي. فباعتقادي علينا الاتفاق على أولوية بناء الدولة قبل الانتخابات، وإذا كان الجميع يريدون بناء الدولة فإنه يجب الاتفاق على كيفية بناء الجيش والشرطة والقضاء، ووجود حد أدنى من الاتفاق قبل التنافس على السلطة. بناء الدولة مقدم على الصراع السياسي على السلطة.

 التقرير السنوي للجنة العقوبات الدولية الخاصة بليبيا اتهم دولة الإمارات في يونيو/حزيران الماضي بتصدير السلاح إليها، خلافا لقرار مجلس الأمن الدولي الذي يحظر ذلك. لماذا برأيك وقف الأمر عند الاتهام الأممي؟ هل هناك حصانة ما للإمارات في الموضوع الليبي؟

التقارير السابقة اتهمت مجموعة من الدول العربية وغير العربية. في الحقيقة لا تملك الأمم المتحدة القدرة على منع الدول من إدخال السلاح إلى ليبيا، وجل ما يمكنها القيام به هو إعلان محتوى تقاريرها.

من يستطيع المنع هي الحكومة الليبية، وهي أضعف من أن تستطيع القيام بذلك. أما الدول الغربية القوية التي تمتلك أدوات المنع ولا سيما الولايات المتحدة الأميركيةفأعتقد أن درجة اهتمامها بليبيا منخفضة إلى حد أنها لا تهتم إلا عندما يتم تهريب النفط.

الإمارات وغيرها من الدول تُدخل السلاح إلى ليبيا، فحدودها مفتوحة، ونعرف أن لا أحد قادر مثلا على إيقاف عمليات الاتجار بالبشر، وخطوط التهريب مفتوحة على الحدود الليبية كلها من كل الجهات، وبالتالي فكل الأطراف قادرة على إحضار السلاح.

في الماضي كانت الأمم المتحدة تحظر دخول السلاح إلى ليبيا ويستثنى السلاح الذي تستورده الدولة، ويكفي هنا أن تقوم الدولة الحاكمة بإفادة الأمم المتحدة بأن السلاح لها حتى يُسمَح به. ولكن هذه الدولة هي العديد من الجهات والأطراف السياسية.

وأعتقد أن هناك جهات تستورد السلاح باسم الدولة الليبية حتى اليوم. للأسف السلاح في ليبيا أكثر من الليبيين، وإذا لم يوجد حل لذلك فإن مشكلة السلاح والمسلحين هي العقبة الكبرى أمام الاتفاق.

 أين تضع الإفراج عن سيف الإسلام القذافي من سياق التطورات القائمة حاليا في ليبيا، وهل يحتمل الوضع هناك عودة أي من أبناء القذافي للعب دور سياسي من جديد؟

لم يتم التأكد مئة في المئة أنه أفرج عنه، وما قيل عن الإفراج عنه يوحي بأن القرار اتخذته المجموعة المسلحة التي كانت تحتجزه، والملابسات غير معروفة حتى الساعة.

كان أنصار النظام السابق في السنوات الأولى ما بعد انتصار الثورة الليبية موجودين سياسيا وإعلاميا خارج البلاد، ولم يكن لهم وجود ظاهر داخل ليبيا. تغيّر الأمر في السنوات الثلاث الأخيرة وأصبح هناك من يقاتلون في البلاد تحت العلم الأخضر، وقد قاتل بعض أنصار النظام السابق مع خليفة حفتر وبعضهم مع تنظيم الدولة الإسلامية في سرت.

هذه معطيات جديدة تعني أن جماعة النظام السابق أصبحوا أقرب إلى أن يصبحوا قوة سياسية داخلية.

إذا تم الإفراج عن سيف الإسلام حقيقة وكان لا يزال في ليبيا، فمن الطبيعي تزعمه هذه الجماعة، وقد يؤدي ذلك إلى تغيير الأوضاع الداخلية.

اليوم لا يمكن تجاهل أو استثناء جماعة النظام السابق في المعادلة السياسية الليبية. في السابق كنا نفكر حين نتحدث عن الحوار الوطني أن نقوم به على مرحلتين: أولا في الداخل مع القوى السياسية المنبثقة من ثورة 17 فبراير التي تحكم علاقاتها فيما بينها خلافات كثيرة، وثانيا المصالحة الوطنية مع ليبيي الخارج وهم فعليا ممن يناصرون النظام السابق.

أما اليوم فهل يكون الحوار السياسي الداخلي بين القوى السياسية والعسكرية التي تشكلت بعد ثورة 17 فبراير ويستثني جماعة النظام السابق؟ على المبعوث الجديد الإجابة عن هذا السؤال.

_____________

المصدر : الجزيرة