Minbar Libya

بقلم فتحي إدريس

منذ أسابيع شاهدت محللاً سياسياً على قناة الحدث الليبية يقول: “قطر عبارة عن أربعة أشياء: قناة، وقاعدة عسكرية، وحقل نفط، وثلة عابثة“.

هذا المحلل السياسي الواثق من نفسهوالذي بدا وكأنه يتحدث من الطابق السابع والتسعين من إحدى ناطحات السحاب في بنغــازي، كان ينعق من أطلال بنغازي التي دمرها حفتر على معازف أمثاله من جوقة المحللين الذين سممـوا العقول وبرروا لانقلابه وحربه المدمرة.

لا يهمنا هنا التطاول على قطر بقدر ما يهمنا التطاول الصارخ على العقول الذي تمارسه تلك الأبواق الإعلامية.

هذا التطاول يُبنى على مبدأ بسيط وهو اكذب بثقةولا تهتم بالسامعين، فسيصدقون ما يروق لهم.

هذا التطاول أسس له حديثًا إعلام الثورة المضادة في مصر حين شاهدنا إعلاميي السيسي في مصر وهم يحبكون قِصصًا أغرب من الخيال لإقناع الناس بأن الإخوان هم وراء كل بلاء منذ بدء الخليقة، مرورًا بسقوط الأندلس، وانتهاءً بالإخواني باراك أوباما، وليختموها بأن هيلاري كلنتون الإخوانيةما هي إلا حيوان زاحف شبه بشري حيث أقسم أحدهم بأنه تم رؤيتها في حالة تحول!

للأسف، هؤلاء المهرطقون ما كانوا لينعقـوا في الفضائيات لو لم تكن هناك عقول متلقية تقبل بأن تُستباح وتستقبل هذا القذى الفكري فتصدقه، بل وتحتضنه فيصير من لَبَنَاتِ قناعاتها دون أدنى تحقق من صدق محتواه.

في بداية ظهور هذه العاهات كنت أعتقد أن الكذب البواح الذي يرددونه سوف لن يجد أرجلًا ليقف عليها بل سيصبح مجرد نكات إعلامية تتبدد سريعًا في غياب الحقائق الدامغة التي تدعمها، ولكن وللأسف، تبين لي لاحقًا مدى سذاجتي، فتلك الهرطقات وجدت رواجًا لدى طيف واسع من الجماهير التي لا تهمها الحقائق بقدر ما تهمها مغازلة العواطف والإدمان على تلك العلكــة الفكرية.

نجاح هذا الأسلوب جعل الأمر لا يتوقف عند المهرطقين الإعلاميين فحسب؛ بل تجاوزه إلى مستوى الدول المهرقطة، والتي مارست نفس السياسة، أي سياسة الكذب بالعين القويةوبكل ثقة ودون أي تردد أو خجل ودون الحاجة لدعم ما تقول إذ لا أحد يبحث عن الحقيقة أو يكترث لها.
فها هي زمرة من الدول الخليجية تتهم قطر بالإرهاب ودعمه دونما تقديم دليل واحد يؤكد مزاعمهم..

فأين هو الإرهاب القطري ومتى كان؟

هل كان الإرهاب القطري عندما وقفت قطر إلى جانب الشعوب العربية التي انتفضت على جلاديها، فكانت قطر أول من دعم الشعب الليبي ضد القذافي حتى نال حريته حين قال أميرها كلمته الشهيرة: “الشعب الليبي شعب عظيم، لا يتوسل ولا يتسول؟“.
أم كان ذلك حين كشفت قطر خيوط الثورات المضادة وعلى الملأ، حين وقف أميرها أمام الأمم المتحدة في سبتمبر 2014 قائلًا: “لا تخيروا شعوبكم بين الإرهاب والاستبداد“..

ثم عاد في قمة البحر الميت محذرًا من خطورة نرجسيي السلطةعلى حريات الشعوب ومساراتها الديمقراطية.

أم كان الإرهاب القطري حين وقفت في وجه الانقلاب العسكري في مصر فأعلنت عدم شرعيته وآوت من فروا بحياتهم من بطش السيسي ومقاصله ومذابحه.
أم كان حين أعلنت معارضتها لانقلاب حفتر على الشرعية ونادت إلى الحلول السلمية في ليبيا، حيث وُقِّعِت في الدوحة أول اتفاقية صلح حقيقي لتحقن الدماء بين التبو والطوارق في الجنوب الليبي!

أم كان حين اصطفت إلى المجموعة الدولية في المفاوضات الداعية للحوار الليبي ولم تنحز للطرف الذي كانت ترعاه سياسيًا وذلك لكي لا تخلط الأوراق وتقوض العملية التفاوضية، في حين كانت الطائرات المصرية والإماراتية تقصف مواقع ذلك الطرف…

أهذا كان هو الإرهاب القطري؟

أم كان حين وقفت مع الشعب الفلسطيني وناصرت قضيته العادلة في مكافحة الاحتلال..

وحين وقفت مع الشعب التركي في وجه الانقلاب العسكري..

وحين شاركت في التحالف العربي ضد الانقلابيين في اليمن..

وحين قادت مفاوضات السلام في دارفور والتي انتهت بتوقيع اتفاقية الدوحة للسلام بدارفور..

فهل هذا هو الإرهاب القطري؟

الأمرُ بيِّن وجَلِيْ؛ فهو لا يتعلق بعلاقات الدوحة مع إيران، أو بدعم قطر المزعوم للإرهاب، بل يتعلق بمسار قطر المميز والحداثي مقارنة بجاراتها في الخليج؛ ما يستدعى إعادتها إلى بيت الطاعة الخليجي والتحكم في سياساتها الخارجية بما في ذلك ضمان مرور صفقات التوريث في البيت السعودي بكل يسر وسلاسة.

فقطر اليوم تُعاقَب على نجاحاتها وعلى وقوفها في صف الشعوب العربية التي خرجت مطالبة بحريتها في وجه الطغاة الذين آوتهم تلك الدول المحاصرة لها بعدما طردتهم شعوبهم.

رأينا أعمالاً إرهابية نفذها مسيحيون، ويهــود، وبوذيون، وأفغان، وباكستانيون، وليبيون، وسعوديون، وإماراتيون، ومصريون، ولبنانيون، وأميركيون ولكني ما زلت أبحث عن عملية إرهابية واحدة نفذها مواطن قطــري.. أعطوني رصاصة قطرية واحدة نفذت مشروعًا إرهابيًا وسنهاجم قطر بلا هوادة!

نحن هنا لا نمنح صكوك غفران لقطر وحكامها، فهم بشر لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، ولكننا نرفض أن تُنْتَهك حرمات عقولنا بمجرد هرطقات إعلامية واتهامات جزافية مشبوهة دون حقائق مقنعة، ثم يُطلَب منا أن نصدقها، بل وحتى لا نتعاطف مع من طالتهم تلك الاتهامات.

وختـــامًا،

فقد قيل إن حشد العقلاء أمر صعب، أما حشد القطيع فلا يحتاج سوى عصا وكلب!، ونحن هنا نترفع عن أن نكون من ضمن ذلك القطيع، ليس دفاعًا عن قطـــر، بل دفاعًا عن عقولنــــا!

***

فتحي إدريس ـ طبيب ومـدون ليبــــي

____________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر