Minbar Libya

بقلم أحمد محمد

قبل ثورة 17فبراير 2011 لم يكن معظم الليبيين مصنفين بناء على توجهاتهم السياسية، وعلى الرغم من أن الخلافات القبلية التي طفت على السطح حينها كانت موجودة منذ زمن ولم تعالج بطريقة صحيحة – في اعتقادي – إلا أن جزءً كبيرا من المواطنين خاصة في المدن الكبيرة لم يكونوا مهتمين بالفروقات القبلية بشكل ملحوظ.

وعلى الرغم من رفع الشعارات الإيجابية المؤيدة لحرية التعبير ونبذ العنصرية والقبلية وغير ذلك، إضافة إلى الرغبة التي كانت ظاهرة ويرددها الطيف المجتمعي والسياسي بمختلف مشاربه إلا أن ذلك لم يحدث بالشكل المأمول الذي طالب به الناس منذ ست سنوات.

الخلافات التي ظهرت على السطح وتم استغلالها من قبل التيارات المختلفة في 2011 وبعد ذلك تفاقمت واستمرت في التضخم والاتساع، وكان النصيب الأكبر جماهيريا لدى الناس للخطاب التحريضي العاطفي وهذا أمر طبيعي الحدوث في النزاعات السياسية والأمر يحدث بشكل أكبر مع اندلاع المواجهات العسكرية لا سيما في المجتمعات التي تتغلب فيها ثقافة العنف.

بعد سنوات من النزاعات السياسية والعسكرية المختلفة في الشرق والغرب والجنوب، خسرت ليبيا مليارات الدولارات وتأثر اقتصادها المحلي وتأثرت مناحي الحياة في البلاد بشكل كبير جدا، وأصبحت الدولة عاجزة عن تقديم الخدمات بشكل جيد للمواطنين لا سيما في القطاعات الهامة مثل الصحة والتي تتطلب صرف مبالغ طائلة للحصول على خدمات لائقة.

الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد تراجعت قيمة العملة المحلية بشكل كبير جدا، وأثر الأمر على القدرة الشرائية للمواطنين الذين أرهقتهم المتطلبات المعيشية وقلة السيولة في المصارف.

السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط الذي يتابع المشهد ويتأثر بعناصره بشكل أو بآخر هو: إلى متى يستمر هذا الحال؟ ومتى تعود الدولة؟

والمواطن البسيط بغض النظر عن توجهه السياسي وتأييده لجهة سياسية أو أخرى، يرى في توجهاته السياسية ودعمه لطرف ما ضد آخر محاولة لتحسين ظروف البلاد قدر استطاعته، وذلك رغبة منه في تحسين ظروفه الشخصية والمعيشية بالمقام الأول.

ولكن استمرار الصراع في ليبيا لن يؤدي إلى النتيجة التي يريدها المواطن بالضرورة!! لأن هذا المواطن حاول في فترات سابقة أن يعمل على تحسين الأوضاع السياسية والمعيشية في البلاد ولم يصل إلى مراده الذي يتمناه بالشكل المطلوب.

على كل حال، النظر إلى الأمور من منظار العاطفة ليس جيدا، لأنه يؤثر بشكل كبير على قدرة الإنسان في الوصول إلى الأحكام الصحيحة، محاولة التجرد من العواطف والتوجهات السياسية أمر صعب ولكنه ممكن إذا سعى إليه المرء بتجرد وباحترام عقله، وبعيدا عن المؤثرات الإعلامية المشحونة بالعواطف.

النظرة المتوازنة إلى الأمور ومن خلال تجارب الدول الأخرى في الشرق وفي الغرب تؤكد أن التعايش بين الناس هو الطريقة الأسلم والأكثر أمنا لتقدم الدول ونهضتها العلمية والعملية والاقتصادية، وهذا التعايش لا بد أن يكون مؤسسا على احترام رأي الآخر وإنشاء دولة القانون والمؤسسات التي تحفظ حقوق الناس.

هذا التعايش والتفاعل المجتمعي يساعد الدول على تخطي الأزمات البسيطة على المدى القريب، كما أنه يجعلها قادرة على بناء المؤسسات القوية التي تعمل على حفظ توازن الدولة خلال الأزمات على المدى البعيد، الأمر يستحق التضحية، التعايش وما له من آثار جيدة على المجتمع يستحق أن نقدم جميعا كليبيين بعض التنازلات للوصول إلى تسويات سياسية تعمل على إنهاء الحرب والتأسيس لمشروع دولة حقيقية قادرة على احتواء الجميع وقبول الآراء وحفظ حق المواطن والدولة والعمل أيضا على حفظ حقوق الأجيال القادمة من خلال مؤسسات تمضي بالدولة إلى بر الأمان.

بعد الوصول إلى حالة الاستقرار قد يتطلب الأمر منا سنوات طويلة في إعادة التأهيل وشق طريق المصالحة ومحاولة حل المشاكل الكبيرة التي بدأت منذ عشرات السنين وتفاقمت خلال السنوات الأخيرة، ولكن الأمر يستحق المحاولة، لأن القضاء على الخصوم السياسيين خاصة في دولة مثل ليبيا أمر صعب وشبه مستحيل في ظروف بلادنا الحالية.

الحرب قد تكون خيارا أيضا ، ولكن في الحرب كل الاحتمالات مفتوحة، المواجهات المسلحة لها تكلفة كبيرة جدا على جميع الأصعدة، بداية من أرواح الشباب وممتلكات المواطنين والممتلكات العامة ومقدرات الدولة وبنيتها التحتية وصولا إلى التكاليف الأخرى بعيدة الأجل التي يدفع ثمنها الأيتام والأرامل ، وتدفعها الأجيال المقبلة ضريبة للحقد والكراهية وتبعات التعويضات للمتضررين.

وما لا يدركه كثير من الناس هو أن النتيجة واحدة، فالحرب مهما كانت خسائرها ومهما كان النظام السياسي الناتج بعدها ، إلا أن الدول لا تبنى إلا بثقافة التعايش ومن خلال بناء المؤسسات وقبول الآخر.

***

أحمد محمد ـ طبيب وكاتب ليبي

___________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر