Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

خبر سار جدا أن يتوصل أعيان مصراتة وأعيان تاورغاء إلى صلح ينهي حالة البغضاء ويوقف تشرد الآلاف، فالصلح ممكن إذا خلصت النوايا ودفنت الكراهية وتوفرت ضمانات التعايش بعد قطعية دامت سبع سنوات.

فلقد تأملت قوله تعالى في تلاوة الليلة الماضية: “عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم، ووجدت فيها ما يدعو للتفاؤل.

فالآية القرآنية تتحدث عن انقلاب العداوة إلى ليس فقط صلح وتعايش، بل مودة، والمودة معنى وجداني عظيم، ولاحظ معي أن اللفظة وردت في موقع آخر في القرأن الكريم في وصف جوهر ومتانة العلاقة الزوجية والتي اعتبرها الخالق إحدى آياته.

التفاؤل مطلوب والسعي للصلح مرغوب، غير أن الاتفاق المبدئي شيء والوصول إلى أن يعود سكان تاورغاء إلى مناطقهم شيء آخر.

فالصلح الذي أعلن عنه وقع في ظروف شديدة التعقيد، حيث تشهد البلاد مواجهات عسكرية قابلة للتمدد، ومناكفات سياسية من الممكن أن تعيد التوتر إلى المنطقة، هذا فضلا عن غياب الدولة ومؤسساتها والتي من المفترض أن تكون الضامن الأول لنجاح هكذا اتفاق.

مصراتة ما تزال تتحمل مسؤولية الأحداث الماضية والجارية في نظر أطراف فاعلة على الساحة الليبية، وما تزال تلك الأطراف تتوعدها بالثبور وعظائم الأمور، وهذا يجعل مجاميع سياسية واجتماعية وعسكرية تتردد في التعاطي مع ما يتطلبه الصلح والتعايش من ضمانات في مقدمتها الثقة وحسن النوايا وتجاوز الماضي بكل آلامه، وهذا الوضع يدركه أهل تاورغاء أنفسهم.

الصلح في مثل أزمة مصراتةتاورغاء يتطلب أجواء أكثر استقرارا واتجاها إلى التوافق، وهو أمر غائب اليوم، فطبول الحرب ما تزال تدق هنا وهناك، وهذا كفيل أن ينسف أي اتفاق في حال اقترب التهديد من مصراتة أو المنطقة العسكرية التي تنشط فيها قواتها.

أيضا يحتاج الصلح إلى دعم بأشكال أخرى منها توقف المواجهات في مناطق تشهد حربا شرسة كما هو الحال في بنغازي، فقطاع واسع من سكان بنغازي بل والمنطقة الشرقية يحملون مصراتة المسؤولية في إطالة عمر الحرب من خلال دعم مجلس شورى ثوار بنغازي.

وقد ساهمت الضغوط في وقف الدعم المحدود الذي كان يقع عبر جرافات صيد صغيرة، وسعت وفود من مصراتة لتخفيف التوتر بينها وبين طبرق، إلا أن قيادات سياسية وعسكرية تحدثت في المنطقة الشرقية ولا تزال عن إرهاب مصراتة والحاجة لتحريرها من خلال عمل عسكري.

وأعتقد أن التهدئة والاتجاه إلى صلح في بنغازي لابد وأنه سيسهم بشكل كبير في دفع اتفاق مصراتة تاورغاء خطوات كبيرة باتجاه حل الأزمة، والعكس هو الصحيح.

حدثني بعض نشطاء مصراتة عن العبء الذي تتحمله المدينة اجتماعيا واقتصاديا جراء الحرب الدائرة في بنغازي، فقد نزح إلى المدينة آلاف العوائل من بنغازي طلبا للأمن والأمان، ومنطق هؤلاء أنه كيف يطلب من مصراتة أن تعالج ملفاتها الأمنية والاجتماعية مع تاورغاء وهي تتحمل عبء عدوان الآخرين، وكيف أن ملف تاورغاء قد تم توظيفه سياسيا بدرجة أساءت إلى مصراتة في حين أن مظلمة تقع على شريحة تكاد تساوي مأساة تاورغاء في الحجم والأضرار ولا يلتفت لها، ومصراتة تتحمل عبئا أساسيا فيها ولا يلتفت إلى ذلك أيضا.

قد تنجح مساعي الصلح وحل الأزمة بين مصراتة وتاورغاء، ونحن نتمنى أن تنجح، فالبلاد بحاجة ماسة لانفراج سياسي أو اجتماعي يبعث على الأمل ويكون مثالا ونموذجا لمصالحات بين مدن أخرى في الغرب والجنوب، واستدراكنا إنما هو من باب التنويه إلى تحديات قد تعرقل مساعي الصلح أو حتى تفشله، فأن يتأخر الصلح خير من أن يكون قاصرا فينهار ويصبح سبيل تحقيقه مرة أخرى أكثر صعوبة.

***

السنوسي بسيكري ـ كاتب وباحث ليبي ومدير المركز الليبي للبحوث والتنمية

___________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر