Minbar Libya

بقلم عبد الفتاح الشلوي

لعل المتتبع للشأن السياسي الليبي يقف أمام حالة التعقيد التي تلف المشهد السياسي في ليبيا، ويلاحظ الدور الكبير الذي تقوم به القبيلة، والمكانة التي أضحت تتبوأها عقب ثورة فبراير/شباط 2011، ولا يعني ذلك أنها — أي القبيلة — اكتسبت هذه الأهمية في وقتنا الحالي.

ليس هذا المقصود علي وجه التحديد، فقد نفخت سلطة القذافي بها على مدار أكثر من أربعين عاما، وعملت علي توظيفها لترسيخ فكرة القذافي وطرحه السياسي الذي عرف بـ “سلطة الشعب” وطرح نموذج التصعيد المباشر، عند اختيار قيادات الدولة، بدءً من مختاري المحلات، وانتهاءً باختيار أمين اللجنة الشعبية العامة، وهو ما يقابل رئيس مجلس الوزراء بالأنظمة السياسية الأخرى المعروفة عالميا.

كانت حاجة السلطة واضحةً للاستفادة من دور القبيلة، وكانت الرغبة ملحة من قبل بعض القيادات القبلية للمواءمة بين رغبة السلطة وسعيهم الحثيث لتحقيق مصالحهم الخاصة، في إطار حماية مصالح القبيلة، والذود عنها، وبالمقابل فعل الآخرون.

وهنا برز الحذاق المتنفذون، وقادوا عمليات التصعيد، وهندسوها تخطيطًا وتنفيذًا، إما بالوصول للكرسي الشعبي، أو لإيصال المسؤول البديل، والذي ينفذ رغبات وتعليمات من أوصلوه لسدة القرار، لقد أدى ذلك إلى التنازع والتطاحن القبلي تارةً، وللتحالفات القبيلية والمناطقية تارةً أخرى.

ولم تكن التحالفات التي يعقدها سادة القبائل ثابته، ولها أن تصمد أمام كيمياء متغيرات السلطة، فعمل ذلك علي تفتيت وحدة المجتمع وتقسيمه إلى كيانات وقطاعات مشوهة صغرى، وخلق شئ من الكراهية والعداوة بين أبناء القبائل، وإن كانت لا تطل قادتها مهما اختلفوا، فقد ظهر مصطلح “الكولسة” والذي يعني المطبخ الخلفي لعمليات الصراع علي الكرسي، وفيه ترتب أمور توزيع المناصب بالخفاء، وتجري بشكل صوري هزلي بساحات التصعيد.

عند قيام ثورة فبراير حلت القبيلة بشكل مبكر لتملء الفراغ المؤسسي والأمني، وفيما لو رجعنا قليلاً للوراء، فسنجد أن الاستعمار الإيطالي قد فرض سلطته علي المجتمع الليبي، وطوع القبائل بفعل قبضته الحديدية، بمختلف الأساليب والتي وصلت للتهجير الجماعي عقوبةً، كما حصل بمعتقلي البريقة والعقيلة، ولذلك وجد النظام الملكى سهولة في قيادة مجتمع لتوه قد خرج من سلطة قمعية، مثُلت أمامه حتى إسقاط النظام الملكي من خلال انقلاب سبتمبر/أيلول سنة 1969.

وكذلك استفادت سلطة سبتمبر من خضوع المجتمع للسلطة والانصياع لها، حتى إطلاق الثورة الثقافية، وإعلان قيام سلطة الشعب، واللتان عملتا علي إبهات وإضعاف السلطة، وتلاشي سلطة الدولة بعض الشئ أمام النفوذ القبلي، والانفلات الأمني، عدا ما يخص أركان السلطة ورموزها.

وعلي عكس ما وجده النظام الملكي، وسلطة سبتمبر، اصطدمت ثورة فبراير، بفراغ أمني كبير، يقابله انتشار ملايين قطع السلاح المبعثرة هنا وهناك، فعمل هذا علي توسيع دور القبيلة.

وبالمقابل لم يفوت الحذاق هذه الفرصة، لاستعادة نشاطهم من جديد في ثوب فبراير، أو في جلباب الدفاع عن مطالب وحقوق، أو محاربة هذه الجهة أو تلك، وبهذا زال بقية مما تركه المستعمر والنظام الملكي، دون أن نغفل الدور الجهادي لليبيين ضد الاستعمار ايطالي .

لكن حدث وأن تجازوت التدخلات الخارجية، والتركيبة المعقدة للنظام القبلي في ليبيا، فتم العزف علي أوتار عدة ومتعددة، وكان النفخ في صراعات تعود للجد الثالث أو الرابع، وإحياء نعرات، من السهل ترميم ما خفي منها، من خلال الإعلام الهابط، والمال الفاسد، و ” السوشيل ميديا” .

واستغلت القوى الخارجية هذه الفسيفساء وعملت علي إعادة تشكيلها بذوقهم وحسهم السياسي المتفق مع رغباتهم، وفي بعض الأحيان تحطيمها من خلال تضارب مصالح خصومنا بما وراء الحدود.

***

عبد الفتاح الشلوي ـ عضو المؤتمر الوطني العام السابق

________________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر