Minbar Libya

بقلم نهى خالد

جلست الصحافية الأميركية آن برنارد في بهو إحدى الفنادق بالعاصمة الليبية طرابلس، بعد أشهر قليلة من نجاح الثورة الليبية في إسقاط قبضة معمّر القذافي، وإلى جوارها المفكّر الليبي (!) عارف علي النايض.

بينما أخذ عارف يحدّثها عن معارفه وكتاباته في مجالات الفلسفة الغربية ومركزية مفهوم السماحة في الإسلام وإمكانية تعايش المسلمين في ظل دولة ليبرالية علمانية، بدا وكأن آن قد انبهرت كثيرًا بحديثه اللبق وحماسته لإصلاح الكثير في ليبيا بدءًا من نظامها السياسي وحتى شبكات المياه فيها، مما حدا بها لكتابة مقالها الكامل عنه في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان رجل الرب والتكنولوجيا، يحاول إصلاح ليبيا“.

طوال حواره مع الصحافية الأميركية، أكّد عارف على عدم اهتمامه بالمناصب السياسية، ورغبته بالعودة للتدريس ودعم المشاريع التنموية بليبيا، تمامًا كما فعل دومًا في ظل نظام القذافي لسنوات، وهي نشاطات أثارت لغطًا كثيرًا حوله وحول صلاته بالنظام القديم في الحقيقة، لا سيّما وقد كان أبوه، علي النايض، على رأس شركة إنشاءات تعمل في بناء القواعد العسكرية في عهد القذافي قبل أن تضع الحكومة يدها على ممتلكاته عام 1978،

أضف لذلك الحرية التي تمتع بها عارف النايض نفسه خلال سنوات ما قبل الثورة ونشاطاته داخل ليبيا، ومنها ترميم وإحياء مدرسة عثمان باشا التقليدية القديمة في طرابلس، وفتح أبوابها للتعليم الديني والحوار بين الأديان.

لم تتغير اهتمامات عارف التنموية، بل زادت في الحقيقة بعد الثورة بتأسيسه لمركز ليبيا للدراسات المتقدمة عام 2012، ومركز كلام للبحوث والإعلام عام 2013 بمقريّه في دبي وطرابلس، بيد أن وعوده بالعزوف عن عالم السياسة كما حدّث الصحافية الأميركية ذات يوم لم تصمد طويلًا بوجه تتابع الأحداث بعد العام 2011، فقد عيّنته أول حكومة بعد الثورة سفيرًا لدى الإمارات، وعلى ما يبدو أن أبوظبي ارتأت له دورًا أكثر مما أراد هو.

بعد حوالي خمس سنوات من لقائه بالصحافية الأميركية، بات عارف في ضيافة أشخاص أكثر أهمية من مجرد الصحافيين الأمريكيين، فقد استضافه القيادي السابق بحركة فتح الفلسطيني محمد دحلان في اجتماع بالعاصمة الأردنية عمّان في يونيو عام 2016 مع عدد من الشخصيات الإعلامية الليبية لتنسيق حملة إعلامية ضد حكومة الوفاق في طرابلس، ثم استضافه في مارس 2017 عضو الكونغرس الجمهوري المتطرف ستيف كينغ في اجتماع خاص، وأشار له في تغريدة على موقع تويتر، ملمّحًا لاحتمالية رئاسته مستقبلًا لحكومة ليبيا، وقائلًا بأن ليبيا تحتاج إليه“.

يجلس عارف هذه الأيام في مقره بالعاصمة الإماراتية أبوظبي، كسفير ليبيا رسميًا، والوسيط الأهم لتحالف قوات خليفة حفتر ومجلس النواب في طبرق فعليًا، محاولًا عبر نفوذ وأموال الإماراتترجيح كفة الجنرال الليبي في مواجهة قوات مصراتة والإسلاميين أو الفاشيينكما يسمّيهم-.

بيد أنه ليس الوسيط الإماراتي الوحيد وإن كان الأهم، فقد اشترت أموال أبوظبي كثيرين، بدءًا من أعوان نظام القذافي سابقًا، وحتى الدبلوماسيين الدوليين أنفسهم.

الإمارات: شراء وسطاء الأمم المتحدة

سأكون في العون بالسيطرة على المفاوضات طوال وجودي هنا، لكنني لا أنوي البقاء طويلًا كما تعرفون.. ويُنظر لي كشخص منحاز لمجلس النواب في طبرق، ولذا فقد نصحت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي بالعمل معكم

يمتلك الدبلوماسي الإسباني برناردينو ليون سجلًا حافلًا في الوساطة الدولية ولمّ الفرقاء أو محاولة جلبهم لطاولة واحدة على الأقلبدءًا من دوره كمستشار لمبعوث أوروبا للسلام بالشرق الأوسط في مطلع الألفية أثناء مفاوضات طابا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ثم مساهمته كوزير خارجية إسبانيا في تدشين تحالف الحضارات عام 2005 والمنصَب على الحوار بين الغرب والعالم الإسلامي، وحتى عام 2011 حين عيّنته أوروبا مبعوثًا خاصًا لدول جنوب المتوسط إبان الثورات العربية، ليصب اهتمامه على ليبيا بشكل خاص.

لم تجد الأمم المتحدة أفضل من ليون إذن ليضطلع بمهمة إحداث التوافق في ليبيا بين طرفي الصراع هناك؛ حكومة الوفاق في طرابلس بقيادة فايز السراج مدعومة بقوات مصراتة، ومجلس النواب في طبرق مدعومًا بقوات خليفة حفتر، ليصبح مبعوثها ورئيس مهمتها الخاصة في ليبيا بالفعل بدءًا من أغسطس 2014 وحتى نوفمبر 2015.

حين همّ ليون بالشروع في مهمته الصعبة، كان على قناعة بأن السلاح لا يمكن أن يحل الصراع في ليبيا أبدًا، وأن الأمر يتطلب الجلوس مع الجميع والاستماع لهم، بما في ذلك الميليشيات التي تفهّم ليون عدم ثقتها بمؤسسات الدولة الليبية، كما صرّح في حوار مع موقع دي دابليوالألماني قُبيل توليه مهمته الأممية، بيد أن كل ذلك تغيّر مع نهاية العام 2014، بعد أن انفتحت قنوات الاتصال بينه وبين الإمارات.

في يونيو 2015، تلقى برناردينو ليونعلى بريده الإلكتروني عرضًا من جانب دولة الإمارات للعمل كرئيس لأكاديمية دبلوماسية جديدة تم تدشينها مؤخرًا في العاصمة أبوظبي لتدريب الدبلوماسيين الإماراتيين، مقابل 35 ألف جنيه إسترليني شهريًا، بعد أن ينتهي من مهمته الليبية.

خلال شهرين فقط بدأ تبادل الرسائل إلكترونيًا مع أبوظبي حول قيمة بدل السكن الخاص به في أبوظبي، والذي استقر على 96 ألف دولار أمريكي سنويًا.

لم تُثن مهمة ليونومنصبه والأضواء الدولية المسلطة عليه من عزم الإمارات على محاولة شرائه، وهي مهمة نجحت فيها دون أن تخرج تفاصيلها للنور طوال فترة وساطة ليون في ليبيا، ليُفاجأ الليبيون والمجتمع الدولي بخبر تعيينه بالفعل في نوفمبر حين شرع بترك منصبه واتجه لأبوظبي، وهي مفاجأة خرج ليون مدافعًا عنها ومؤكدًا بأنها لم تتعارض أبدًا مع مهمته الدولية رُغم انحياز أبوظبي الواضح لقوات حفتر.

من سوء حظ ليون، لم تأت أخبار تعيينه في أبي ظبي منفردة، بل صاحبتها تسريبات لرسائله مع الإمارات طوال 2015 كشفت انحيازاته لصالح حفتر ومجلس النواب تعود لأواخر العام 2014، إذ تقول إحدى رسائله الموجهة لوزير خارجية الإمارات، عبد الله بن زايد، بأن الأوروبيين والأمريكيين يبحثون عن «خطة بديلة لمفاوضات السلام، مؤتمر تقليدي مثلًا، وهو خيار أسوأ في رأيي من الحوار السياسي، لأنه سيعامل كافة أطراف الأزمة بشكل متساوٍ»، كما قال.

لم يكن ليون بالطبع على استعداد لمعاملة الجميع بشكل متساو، فقد قال صراحة في إحدى رسائله المسرّبة بأنه لا يعمل على خطة سياسية تشمل الجميع، وأنه بصدد إستراتيجية لنزع الشرعية عن المؤتمر الوطني العامالذي تستند له حكومة الوفاق، وأنه يعمل على كسر التحالف الخطيربين تجار مصراتة الأثرياء والإسلاميين الداعمين لحكومة الوفاق في طرابلس، مقابل تعزيز مجلس النواب المدعوم من جانب مصر والإمارات.

مرة أخرى، يطل عارف النايضبرأسه في تسريبات رسائل برناردينو ليون، حيث يذكره المبعوث الأممي السابق بوضوح في رسالة يقول فيها بـأن كافة مقترحاتي وتحركاتي تتم بعلم مجلس النواب أو بتدبير منها في حالات كثيرةوكذلك بعلم عارف النايض ومحمود جبريل.”

لم يكن غريبًا أن يرُد عارف النايض الجميل لأمانة ليون في تنفيذ أجندته الخاصة، إذ تشير مصادر دبلوماسية إلى أن النايض هو من اقترح على عبد الله بن زايد وضع ليون على رأس الأكاديمية الدبلوماسية أملًا في زيادة تأثيره على المفاوضات لصالحه، بل وربما اختياره رئيسًا للوزراء.

على عكس ما روى النايضللصحافية الأميركية إذن، لم يكن المفكرالليبي راغبًا في العودة لعالم الفلسفة والتكنولوجيا، بل كان راغبًا في لعب دور القيصر برعاية أبوظبي، وهي رغبة قام من أجلها بدفع الأموال لجماعات ضغط عدة في واشنطن ولندن كي تطرح اسمه لصناع القرار والإعلاميين كما تشي تغريدة ستيفن كينغ المذكورة أنفًا.

لسوء حظه وسوء حظ أبوظبي أيضًالم تفلح معركة شراء النصر بالمال، فقد غاب اسم عارف النايض عن القائمة النهائية لمرشحي رئاسة حكومة التوافق مستقبلًاالتي أعدها ليون أثناء مهمته الدولية، نظرًا لمعارضة شخصيات كثيرة لوجوده بالنظر لمواقفه شديدة التحيّز ضد الإسلاميين ولصالح مجلس النواب في طبرق. بيد أن أبوظبي لم تراهن على الأموال فقط، بل راهنت على فلول نظام القذافي، ومنابر إعلامية عدة، وبالطبع على السلاح.

***

نهى خالد ـ كاتبة ومُترجِمة، تخرجتُ من قسم الفيزياء بالجامعة الأمريكية بالقاهرة مع شهادة فرعية في العلاقات الدولية. أهتم بالدراسات التركية، وبالشؤون الأوروبية والآسيوية، ويستمر شغفي المُعتاد بمواضيع الفيزياء والفلك وكرة القدم.

_______________________________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر