Minbar Libya

بقلم آليكس ماكدانولد

قال محللون إن مصر استغلت هجومًا على المسيحيين على أرض الوطن كذريعة لتعزيز مصالحها في ليبيا، وتعزيز يد الزعيم خليفة حفتر.

يوم الجمعة، أطلقت القاهرة ضربات جوية على مدينة درنة الليبية، قائلة إنها تطارد “إرهابيين” قتلوا عشرات المسيحيين، في هجوم وقع في جنوب القاهرة قبل ساعات فقط. لم يكن لتنظيم الدولة، الذي تبنى الهجوم على المسيحيين، أي تواجد في المدينة.

أدى ذلك إلى تلميح البعض بأن الهدف من الضربات ليس التصدي لتهديد محتمل على مصر، وإنما تقديم مساعدة عسكرية للجيش الوطني الليبي، بقيادة حليفها القوي خليفة حفتر، الذي يقوم حاليًا بحملة لتقويض حكومة الوحدة، المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس، وهزيمة الجماعات “الإرهابية”.

خضع درنة حاليًا لسيطرة مجلس شورى درنة، الذي يقوم بإدارة المدينة منذ طرد تنظيم الدولة عام 2015.

كانت قوات حفتر، التي تعهدت بالقضاء على الجماعات الإسلامية في ليبيا، اتهمت أعضاء المجلس بأنهم “إرهابيون” وحاصرت المدينة، لكن المجلس نفى أي تورط في الهجوم الذي وقع في القاهرة، ووصف السكان أن المحلات تنفد بسرعة من الغذاء والدواء نتيجة الحصار.

قال أرنود دلالاند، المحلل الليبي الذي يكتب لـ “ميدل إيست آي” إن الأدلة التي كشف عنها الجيش المصري أشارت إلى أن الهجمات في درنة ستدعم الجيش الوطني الليبرالي، وأن الارتباط بالهجوم على المسيحيين تم اختراعه.

أضاف: “هذه العوامل تشير إلى أن الضربات الجوية المصرية لم تكن عملية انتقامية، لكن مصر استغلت هذه الذريعة لدعم حليفها في شرق ليبيا”.

كما أكد الفيديو الرسمي أن مصر قامت بموجة ثانية من الغارات الجوية يوم 27 مايو، لكن هذه المرة على مدينة هون، حيث توجد سرايا الدفاع عن بنغازي”. سرايا الدفاع عن بنغازي هي مجموعة ميليشيات إسلامية معارضة للجيش الوطني الليبي وحفتر.

ندد زعماء حكومة الوحدة الليبية المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس، يوم الإثنين، بالهجوم على درنة، قائلين إنهم قاموا بالتنفيذ دون تنسيق مع “السلطات الشرعية”، وفقًا لما ذكره مراقب ليبيا.

قال جلال الحرشاوي، وهو باحث في الجغرافيا السياسية في جامعة باريس، ومختص بالشأن الليبي، إن الهجمات المصرية تشكل “نقطة تحول” في الصراع الليبي. أضاف: “هناك مزاعم بأن الإمارات ومصر شنتا غارات جوية على الأراضي الليبية منذ أشهر”.

لكن التحول من السرية إلى العلنية له تداعيات هامة على ما يأتي بعد ذلك. الآن، وبعد أن تم السماح بالإفصاح العلني، يمكن لمصر والإمارات أن يقوما بتعزيز العدوانية في كل ما يفعلان في كامل الأراضي الليبية”.

كان دور الإمارات في ليبيا، وعلاقتها مع حفتر، مثيرًا للجدل إلى حد كبير.

أشارت مقالة في مجلة تايم، في أوائل شهر مايو، إلى أن الإماراتيين استخدموا الطائرات الأمريكية الصنع لضرب أهداف دعمًا لحفتر، مما يؤدي إلى تقويض مباشر للسياسة الأمريكية التي لا تزال تدعم حكومة الوحدة في طرابلس حاليًا.

علينا فعل شيء ما

قالت كلوديا غازيني، المحللة الرئيسية في مجموعة الأزمات الدولية والمختصة بالشأن الليبي، إنه في حين أن الضربات على ليبيا كانت في جزء كبير منها للاستهلاك المحلي المصري، ومن أجل أن ينظر إليها على أنها “تفعل شيئًا” بشأن الهجوم على المسيحيين، كانت الهجمات أيضًا لدعم حفتر وأنصاره في دولة الإمارات العربية المتحدة.

قالت: “لا تعمل مصر بشكل جيد بما يكفي من الناحية المالية. من الصعب أن تفكر في أن لديها الطيران والأسلحة لتخصيصهم للعمل العسكري عبر حدودها، دون شريك خارجي يساهم في اتخاذ خطوة لمثل هذه الأعمال”.

أضاف: “من الممكن أيضًا أن تدفع دولة الإمارات مصر إلى تنفيذ هذه الغارات؛ لأنها تتفق تمامًا مع ما ترغب الإمارات العربية المتحدة في أن تشهده في ليبيا”.

العديد من الفاعلين في ليبيا عبروا عن قلقهم العميق إزاء اجتماع عُقِد في بداية شهر مايو، بين فايز السراج رئيس حكومة الوحدة وحفتر.

في حين وصفت مصادر مقربة من حفتر الاجتماع بأنه إيجابي، رأى النقاد أن الاجتماع مجرد إضفاء شرعية لحفتر وطموحاته العسكرية المناهضة للإسلاميين.

قالت غازيني إن “حقيقة أن مصر تمتلك حرية تنفيذ هذه الضربات تعد مصدر قلق للقوى السياسية والعسكرية على الأرض والتي تعارض حفتر”. أضافت: “هذا بالطبع له آثار مضاعفة في جميع أنحاء البلاد”.

تأثير ترامب

تأتي غارات مصر الجوية على ليبيا في أعقاب خطاب ألقاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الرياض، والذي دعا فيه الدول الإسلامية إلى “طرد المسلحين من مجتمعاتهم”.

في أعقاب مقتل المسيحيين المصريين، دعا ترامب حلفاء الولايات المتحدة إلى “معاقبة” مرتكبي الهجوم.

قال ترامب في بيان صدر يوم الجمعة: “أمريكا توضح أيضًا لأصدقائها وحلفائها وشركائها أنه يجب الدفاع عن الطوائف المسيحية العزيزة والتاريخية في الشرق الأوسط وحمايتها”. أضاف: “يجب أن تنتهي إراقة دماء المسيحيين، ويجب معاقبة كل من يساعد قاتليهم”.

رأى البعض أن خطاب ترامب يمضي قدمًا نحو خطوات أكثر حزمًا ليتم اتخاذها ضد الجماعات المسلحة.

قالت غازيني: “من الممكن أن يتشكل الموقف الأمريكي تجاه ليبيا تدريجيًا، ومن الممكن أن يقوم المسؤولون الأمريكيون بإعطاء بعض الشركاء الإقليميين، بما في ذلك المصريين، ضوء أخضر لهذا النوع من العمل، وهو ما يتفق تمامًا مع وجهة نظر ترامب وإدارته”.

تدخل روسيا في ليبيا

قال الحرشاوي إنه من المرجح أن تعكس الضربات طموحات روسيا لتطوير نفوذها داخل ليبيا. تدعم موسكو حفتر بشدة، وكذلك المصريون، وأرسلت بالفعل قوات خاصة لدعم الجنرال المنشق في معركته ضد “الإرهاب”.

أضاف: “إذا كان لدى روسيا أية شكوك فيما يتعلق بتطورات الأيام القليلة الماضية، كنا لنسمع من موسكو”. كما قال إن “أهم دليل على ذلك هو صمت الروس، ومن المعروف أنهم يدينون بشدة كل تدخل عسكري يكرهونه. الروس بالتأكيد لا يمانعون تواجد معسكر بين الإمارات ومصر وحفتر، والذي يعزز جهودهم العسكرية في ليبيا”.

كان النظام السياسي في ليبيا متقلبًا للغاية منذ إنشاء حكومة الوحدة في طرابلس عام 2016.

هناك برلمان ما زال قائمًا في مدينة طبرق، ويدعم حفتر. لكن عجز حكومة طرابلس عن بناء توافق في الآراء بين مختلف الميليشيات دفع بعض اللاعبين المحليين والإقليميين إلى رؤية الزعيم الليبي باعتباره الحل للفوضى، رغم طموحاته السلطوية المشتبه بها.

قالت غازيني: “هناك افتقار تام للقيادة، وعلى الصعيد الدولي أيضًا، كما يعطي هذا الأطراف الخارجية مجالًا أكبر للعمل بشكل مستقل”.

أضافت: “السبب وراء استطاعة مصر تنفيذ هذه الضربات، ليس فقط في درنة، ولكن أيضًا في وسط ليبيا، يأتي نتيجة لشلل كامل في العملية العسكرية السياسية برمتها، وهذا يعني أن الأمم المتحدة لم يعد لديها أية قيادة”.

أكملت: “لا يوجد حوار عسكري حقيقي، ولا يوجد حوار سياسي حول الأعمال، حيث إن كل شيء في حالة شلل تام؛ مما يسمح للجهات الفاعلة الخارجية بالدفع إلى الأمام باتجاه أولوياتها”.

***

أليكس ماكدونالد باحث في سياسة الشرق الأوسط وآسيا والعالم الإسلامي، وبخاصة في قضايا العراق وتركيا والبوسنة؛ وكذلك في دراسة الصراعات الاجتماعية والأيديولوجية في المنطقة.

_______________

المصدر: ميديل إيست آي (ترجمة صحيفة التقرير)

_____________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر