Minbar Libya

بقلم ريم سليم

في إطار ما يعانيه الاقتصاد الليبي من ركود و خسائر مدمرة خلال السنوات الأخيرة، برزت مؤخراً على الساحة أزمة قوية تتمثل في شح السيولة النقدية داخل المصارف التجارية الليبية، ما أدى إلى تراجع المعاملات التجارية، و تعطل صرف المرتبات، و ركود للسلع ليعاني المواطن في المحصلة من أعباء معيشية يومية عصية على الإشباع.

و تنصرف هذه الأزمة – بطبيعة الحال – إلى عدة أسباب متشاركة، إلا أن السبب الأبرز يتمثل في ضعف السلطة النقدية و فشلها في الاحتواء المبكر للاختلالات، وجراء هذه الأزمة قام المصرف المركزي الليبي واللجنة المالية في مجلس النواب بعقد اجتماعات متلاحقة وإصدار عدد من القرارات، تعذر تنفيذ أغلبها.

و تبقى البداية الحقيقية لإنفراجة الأزمة مرتهنة بخطوات حاسمة و أكثر فاعلية في ضبط سوق النقد، وتنظيم الخدمات المالية بين الفاعلين في الاقتصاد، ومحاصرة أنشطة الظل.

نطاق الأزمة

بشكل عام يعاني الاقتصاد الليبي من تراجعات حادة لمؤشراته الكلية، و خسائر متلاحقة لقطاعاته، فمنذ العام 2013 دخل في حالة ركود قوية، و حقق معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي معدلات سالبة حادة بلغت 24% و 8.9% و 2.9% في الأعوام 2014، 2015، 2016 على التوالي.

و فشلت الحكومة في تدبير إيردات عامة تغطي نفقاتها، ليرتفع في المحصلة عجز الموازنة العامة للدولة إلى معدلات غير مسبوقة، غاية في الخطورة، فوصل إلى  43.3% عام 2014، ثم إلى 76.9% خلال عام 2015، ثم إلى 52.7% عام 2016، فيما تراجعت معاملات القطاع الخارجي لتحقق عجزاً قدر بـ 46.1% عام 2014، و 67.1% عام 2015، و 50.8% عام 2016، فيما بلغ التضخم 26% عام 2016، و تجاوز الدين العام نسبة 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لبيانات المرصد الاقتصادي للشرق الأوسط و شمال أفريقيا التابع لمجموعة البنك الدولي.

و في ظل هذه الأوضاع، واجه سوق النقد في ليبيا أزمة متسعة النطاق، وهي نقص السيولة النقدية اللازمة لسد احتياجات الطلب، بمعنى أن المصارف التجارية في ليبيا لا تملك من السيولة النقدية من العملة المحلية ما يكفي لتؤمن طلب المودعين للنقود عند سحب الأموال، كما تواجه الحكومة عرقلة في صرف مرتبات الموظفين نقداً.

 و تشير بعض التقديرات إلى أن حوالي 90% من السيولة النقدية في ليبيا توجد خارج إطار الجهاز المصرفي، ما يشي بضعف شديد للجهاز المصرفي في تقديم خدمات مالية تجذب المواطنين، و إلى ضعف الثقة المتزايد في المصارف الليبية.

و ذكرت صحف ليبية أن السيولة المحلية المتداولة تشكل 30 مليار دينار من بين 70 مليار دينار تحت الطلب، علاوة على أن نطاق السحب المسموح به من الرصيد الواحد يتراوح ما بين 200 إلى 500 ديناراً  في اليوم، أي ما بين 24 إلى 60 دولاراً. ما يحد من قدرة المواطن على شراء احتياجاته من السلع و الخدمات.

 وفي السياق نفسه أعلن بعض المصرفيون، أنه قبل بروز الأزمة، سحب  كبار المودعين حوالي 30 مليار دينار من المصارف ما يمثل أكثر من 70% تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي.

ما وراء الأزمة

لا تنفصل أزمة نفص السيولة النقدية في ليبيا عن رزمة الأوضاع السياسية والأمنية و الاقتصادية والإنسانية شديدة التدهور التي تعانيها ليبيا في السنوات الأخيرة، و في هذا السياق يجدر بنا الإشارة إلى عدد من الأسباب التي تقف وراء تفاقم هذه الأزمة، كما يلي :-

1-ارتفاع اللا يقين، تعاني ليبيا من اضطرابات على المستويين السياسي و الأمني، فلبضع سنوات عانت ليبيا من وجود حكومتين متناحرتين حول الحكم، ثم و بعد تشكيل حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً و تشكيل مجلس رئاسي، ما زالت تعاني ليبيا من انعدام الأمن، وانتشار التنظيمات الإرهابية المسلحة، و احتدام الصراع المسلح بين الميليشيات المسلحة، ما أنتج في المحصلة خوف و فقدان ثقة من المودعين في المصارف التجارية و قدرتها على حماية أموالهم بخزائنها.

2-انقسام السلطات النقدية، تعاني المصارف الليبية من انقسام السلطة النقدية بين مصرفيين مركزيين احدهما في الشرق و الآخر في الغرب، الأول هو المصرف المركزي الليبي في طرابلس، وهو المعترف به دولياً، و الثاني هو مصرف البيضاء المركزي، وعلى أثر ذلك يعاني الجهاز المصرفي من انقسام في السياسة النقدية و سوء إدارة للمصارف التجارية و تخبط و عرقلة في إجراءات عديدة، علاوة على انقسام المقاصة الخاصة بالمعاملات المالية بين الشرق و الغرب.

ويبدو أن المصرف المركزي الليبي بطرابلس ذاته يعاني  من وجود خلافات مع ديوان المحاسبة – المسؤول عن الرقابة المالية حيث وصف الديوان، المصرف المركزي بأنه غير كفء ومتواطىء في غسل العملات الأجنبية. أما مصرف البيضاء فهو محدود النفوذ إلى حد ما، و لا يتعامل إلا مع ثلث المصارف في ليبيا تقريباً.

3-انكماش قطاع النفط و تراجع احتياطي النقد الأجنبي، تراجع الإنتاج النفطي الليبي إلى حوالي 20 % مما كان عليه قبل عام 2011، لتصل حالياً إلى حوالي 350 ألف برميل يومياً – طبقاً لبيانات المرصد الاقتصادي للشرق الأوسط و شمال أفريقيا التابع للبنك الدوليبما يعني انخفاض حاد للصادرات و تدفقات النقد الأجنبي الواردة إلى الاقتصاد الليبي، و يقدر الاتحاد الأوروبي خسائر قطاع النفط في ليبيا خلال الثلاث سنوات الأخيرة بحوالي 100 مليار دولار، وأدى ذلك بطبيعة الحال إلى نقص في سيولة العملات الأجنبية، و إلى تنشيط السوق السوداء.

4-تمويل الدين العام، أعلن المصرف المركزي بطرابلس أن الدين العام بلغ 66 مليار دينار بنهاية الربع الأول من العام الحالي، ما اضطره إلى اتخاذ تدابير بهدف خدمة الدين العام و تقليص عجز الميزانية، وعليه، فإن جزء من السيولة قد استنفذ لخدمة الدين العام.

5-اتساع نطاق أنشطة اقتصاد الظل، يرى الدكتور سالم الشحومي، مؤسس سوق المال الليبي، أن حجم اقتصاد الظل وصل إلى حوالي 60% من الاقتصاد غير النفطي في العام 2016، نتيجة لانتشار التنظيمات الإرهابية، و فقدان سيطرة الدولة على الحدود علاوة على انقسام مؤسسات الدولة.

والجدير بالذكر أن اقتصاد الظل يشمل كل الأنشطة الاقتصادية خارج الإطار الرسمي المنظم للمعاملات الاقتصادية، و في ليبيا تشمل هذه الأنشطة بيع السلع التموينية و المواد الخام عبر الحدود، إلى جانب تهريب البشر و الهجرة غير الشرعية، و نتج عن هذه الأنشطة إنشاء مصارف غير رسمية، يتولاها تجار العملة، تتولى تسهيل المعاملات المالية بين المتعاملين داخل اقتصاد الظل،  و تظهر بعض التقديرات الليبية حجم السيولة المتداولة باقتصاد الظل بحوالي 24 مليار دينار.

6-تعقد الإجراءات داخل الجهاز المصرفي، تعرف الدورة المستندية داخل الجهاز المصرفي في ليبيا بأنها طويلة و معقدة، ما يقود المواطنين إلى الاحجام عن التعامل مع المصارف التجارية.

سبل المواجهة

مع تعقد و اتساع الأزمة ظهرت جهود المصرف المركزي الليبي و اللجنة المالية بالبرلمان لمواجهة الأزمة، وكان أولها طبع نقود جديدة من العملة المحلية في محاولة لسد احتياج السوق من السيولة النقدية، فقام المصرف المركزي بطرابلس، في بداية الأزمة، بإصدار قرار بطبع 6 مليار و300 مليون دينار يرى مصرفيون أنها أقل قيمة من الحسابات الجارية، و وصل إلى المنطقة الشرقية منهم فقط 800 مليون دينار، ما يشير إلى سوء توزيع للسيولة.

و على صعيد السلطة النقدية، تم عقد اجتماع في تونس يجمع بين المصرفيين المركزيين، من تنظيم اللجنة المالية بالبرلمان، و رعاية المجلس الرئاسي. و انتهى الاجتماع إلى قرار بتشكيل لجان مشتركة و موحدة للمركزيين لمواجهة أزمة نقص السيولة، و هي لجنة إصدار العملة، و لجنة تغطية الاعتمادات، هذا إلى جانب الاتفاق على سحب الإصدار السادس من فئة الـ 10 دينار.

ثمة اقتراحات تبرز على السطح في مثل هذه الأزمة و يرجحها مصرفيون كثر، أولها هو استخدام نظم الدفع الإليكترونية كبديل لتداول العملة الورقية، وهو من شأنه أن يوفر مرونة أكبر في المعاملات المالية إلا أن ضعف البنية الإليكترونية – لا سيما بعد احتدام الصراع المسلحمن شأنه أن يعوق فاعلية هذا المقترح في التعامل مع الأزمة.

أما الاقتراح الثاني فيتمثل في بيع جزء من احتياطي الذهب، و هو اقتراح يكفل توفير كمية كبيرة من السيولة من العملة المحلية، و أيضاً من النقد الأجنبي، و لكن من ناحية أخرى يحمل مخاطر مستقبلية تتمثل في خفض الاحتياطي الذي يعد مهدداً أصلاً بسبب انخفاض الإنتاج النفطي، وتكدس الخسائر جراء الصراع الدائر في ليبيا.

و نهاية يبدو أن الأزمة تتسع، و لا يمكن حلها أو على الأقل تضييق نطاقها إلا من خلال تغيير مؤسسي فاعل يتم فيه توحيد السلطة النقدية، و تطوير نظم إدارة الجهاز المصرفي، وتعيين كوادر مصرفية قادرة على التعامل مع الأزمة، علاوة على تشديد النظم الأمنية لحماية المصارف، بالإضافة إلى تطوير المنتجات المصرفية لاستيعاب عدد أكبر من المودعين، فيما تبقى الأزمة الأكثر اتساعاً هي المتعلقة بالخسائر الفادحة للاقتصاد جراء الانقسام السياسي و الصراع المسلح ما يحتاج إلى جهود سياسية قد يطال أمدها.

***

ريم سليم ـ باحثة اقتصادية متخصصة في الاقتصاد الكلي، والاقتصاد السياسي، والتنمية الاقتصادية، ومختصة بشؤون الشرق الأوسط

____________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر