Minbar Libya

يغطي التقرير أعمال المؤتمر الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تحت عنوان: “خمسون عامًا على حرب حزيران/ يونيو 1967: مسارات الحرب وتداعياتها، خلال الفترة 20-22 أيار/ مايو 2017، والذي جاء بمشاركة عددٍ من الباحثين والمختصين في موضوع الصراع العربي – الإسرائيلي.

***

حرب حزيران/ يونيو 1967: البيئة الإقليمية والدولية

لا يمكن فهم مسارات حرب حزيران/ يونيو 1967 من دون دراسة البيئة الإقليمية والدولية، وخاصة دور الأمم المتحدة، حيث تشكلت قوات الطوارئ الأممية على إثر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. ولقد كان طلب مصر سحب قوات الطوارئ الدولية من الحدود المصرية مع فلسطين المحتلة، ومن ثم إعلانها إغلاق مضيق تيران في 22 أيار/ مايو 1967 من العوامل الأساسية في نشوب الحرب. والسؤال هنا: ما دور الأمم المتحدة وقوات الطوارئ الدولية في الحرب؟ وهل كان في الإمكان تطويقها والحؤول دون نشوبها؟ بدأت قوات الطوارئ في الانسحاب تدريجيًا ما عدا الكتيبة الهندية التي علقت في اليوم الأول من الحرب، فقتل منها 19 شخصًا.

استشعر الأمين العام للأمم المتحدة وقوع الحرب، فكثف من اتصالاته مع القيادة المصرية. لكنه على الرغم من ذلك، لم يقم بالعديد من الإجراءات التي كان من الممكن القيام بها لدرء الحرب؛ إذ لم يدع إلى عقد جلسة طارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن، ولم يحاول فتح قنوات اتصال جديدة مع مصر أو إسرائيل من خلال الوساطات الدولية.

لا يكتمل فهم البيئة الإقليمية والدولية من دون قراءة الموقف الأميركي من الحرب، ولعل الوثائق الأميركية الصادرة عن الخارجية الأميركية ووكالة الاستخبارات الأميركية قبل الحرب وخلالها أفضل المصادر للدراسة والتحليل. إذ تكشف الوثائق الأميركية أن الاتحاد السوفياتي أعلم مصر بأن إسرائيل تعد للحرب على سورية. وبناءً عليه، طلب الرئيس المصري جمال عبد الناصر من الأمم المتحدة سحب قوات الطوارئ الدولية، كما أغلق مضيق تيران في وجه إسرائيل. تبين هذه الوثائق أن الولايات المتحدة لم تكن تريد لهذه الحرب أن تقع، فعندما أخبرت إسرائيل الولايات المتحدة أن هناك قوات مصرية تتجه نحو الحدود الجنوبية لفلسطين المحتلة في اتجاه مدينة غزة، ردت الولايات المتحدة بأنها سوف تدعم إسرائيل إذا لم تبادر هي بالحرب. لم ترغب الولايات المتحدة في الحرب، لأنها كانت في حالة حرب في فيتنام ولا تريد أن تفتح جبهة جديدة مع السوفيات.

اتهم العرب الولايات المتحدة الأميركية بأنها شاركت في القصف الجوي الأول للمطارات المصرية من اليوم الأول من الحرب. وربما يعزى ذلك إلى أنها محاولة من الأنظمة العربية لحفظ ماء الوجه ولتبرير الهزيمة من منطلق أن الولايات المتحدة قوة عظمى.

دافعت الولايات المتحدة في مجلس الأمن عن إسرائيل، وطالبت هي بوقف سريع لإطلاق النار، وطالب الاتحاد السوفياتي بوقف فوري لإطلاق النار. وفي الاتصالات الأميركية الروسية، طالب السوفيات بأن يتم وقف إطلاق النار بالتزامن مع الانسحاب من الأراضي المحتلة إلى ما قبل خطوط الهدنة، بينما طالبت الولايات المتحدة بالوقف السريع لإطلاق النار ومن ثم تبدأ مفاوضات لاستعادة السلام. طبقًا لهذه الوثائق لا يمكن الجزم بأن هناك تدخلًا أميركيًا مباشرًا عسكريًا في قصف القوات الجوية المصرية في اليوم الأول من الحرب.

أما موقف القطب الثاني في الحرب الباردة (الاتحاد السوفياتي) فمن الصعب قراءته وفهمه على نحو دقيق انطلاقًا من الطبيعة الدكتاتورية للنظام السوفياتي. ولطالما تضاربت الأدبيات السوفياتية حول الحرب، متراوحةً بين مؤامرة غربية/إسرائيلية أو رغبة سوفياتية أو رغبة عربية، لكنها تحولت في الكثير منها إلى الانحياز لمصلحة إسرائيل بعد نهاية الحرب الباردة. ومن أجل إعادة قراءتها على نحو أفضل سيُستعان بالوثائق الدبلوماسية المسربة والمراجع الأكاديمية والشهادات الشخصية.

كان الاتحاد السوفياتي ثاني دولة تعترف بإسرائيل بعد الولايات المتحدة، وأول دولة تقيم علاقات دبلوماسية معها، إذ كان يأمل السوفيات في أن تكون إسرائيل دولة اشتراكية في وجه الإمبريالية البريطانية“. وهذا ما يعني أن السياسة الخارجية السوفياتية تجاه المنطقة العربية حُّدِّدَت بعاملين؛ أيديولوجي وجيوسياسي، وكلاهما فرضته أوضاع فترة الحرب الباردة.

نقل ضباط أمن سوفيات معلومات للقيادة السوفياتية تحذرهم من قرار إسرائيلي بالعدوان على الدول العربية. إلا أن المسؤولين الروس نفوا ذلك، واتهموهم بالوقوع في فخ الدعاية الإسرائيلية. وبعد الحرب، حدث تناقض بين القيادات الروسية في الانحياز لمصلحة مصر والوقوف إلى جانبها، إلا أن القرار الروسي حسم بعد يومين بعدم التدخل عسكريًا في الحرب، وربما يعزى ذلك إلى أن إسرائيل كانت قد أنهت تدمير الطيران المصري المرابط في المطارات.

وعلى المستوى الإقليمي، كان من المهم التعرف إلى الموقف الإيراني من حرب حزيران/ يونيو 1967، لما له من أهمية في دراسة السياسة الخارجية الإيرانية. وقد يكون من المهم أو الضروري اتباع منحى تفكيك القوى داخل إيران، والتمييز بين النخبة السياسية ورجال الدين وأحزاب المعارضة السياسية.

الرواية الإسرائيلية لحرب حزيران/ يونيو 1967

إن عملية صنع قرار الحرب في إسرائيل عملية مركبة، يتداخل فيها ويتفاعل معها كثير من العوامل الداخلية والخارجية، بعضها رسمي علني أو غير علني، وبعضها الآخر غير رسمي وغير علني. فالحكومة الإسرائيلية هي الجسم الوحيد المخوّل اتخاذ قرار الحرب من الناحية الرسمية والقانونية. فإسرائيل كانت على أهبة الاستعداد واضعة إستراتيجية عسكرية محكمة المعالم بغية شن حرب 67 على مصر وسورية والأردن، وتحدد ذلك وفقًا لجملة من المتغيرات تتمظهر في كون حرب 1948 لم تنته، لأنها لم تجسد مبتغاها وتحقق ما كانت ترجوه وتأمله في ما يتعلق بمسألة حدود الكيان الصهيوني، وأنها لم تكن إلا جولة واحدة من الحروب التي على الكيان الصهيوني أن يستعد لها أتم الاستعداد ، وتسعى لاغتنام الفرصة السانحة لخوضها من أجل توسيع حدوده في جميع الضروب والاتجاهات، واحتلال الضفة الغربية وغزة وسيناء والجولان وجنوب لبنان، والدور البارز والمركزي للمؤسسة العسكرية للكيان الصهيوني في صنع قرار الحرب والتشبث بالحل العسكري لحل الأزمة التي تجلت ليلة الحرب وساهمت بصورة جذرية في تصعيدها.

على المستوى الداخلي في إسرائيل، فإن الديالكتيك الصهيوني حول حرب حزيران/ يونيو أعمق بكثير من كونه رؤى متباينة لتمفصلات الحرب، والإجابة عن سؤال مركزي مفاده: من المسؤول عن إشعال فتيل هذه الحرب ومن بدأها؟ لم يكن هذا الديالكتيك ليتجلى للعيان لولا ظهور المؤرخين الإسرائيليين المحدثين في وثبة وطفرة تعدّ من أهم التغيرات الأكاديمية الحاصلة، لأنها فتحت بادرة جديدة ستؤرخ للقضية الفلسطينية والصراع العربيالإسرائيلي، لكن هذه الوثبة كانت جزءًا لا يتجزأ من ظاهرة ثقافية وفكرية متشابكة. لهذا يكون الجدل المعاصر حول التأريخ الإسرائيلي ما هو إلا نتيجة لتطور ثقافي، لا ينعكس تأثيره في التأريخ فقط، بل في الأدب كذلك، وجرى عقد مقارنة مستفيضة بين أحدث ثلاث دراسات وأبحاث إسرائيلية لحرب حزيران/ يونيو، تجسد كل منها توجهات فكرية ورؤى أيديولوجية متمايزة؛ الأولى هي التي بسطها وعمد إلى عرضها الباحث مايكل أورين وهو مؤرخ وكاتب إسرائيلي، وسفير إسرائيل في الولايات المتحدة منذ 20 تموز/ يوليو 2009 في كتابه ستة أيام من الحرب: حزيران 1967 وتشكيل الشرق الأوسط الجديد (2002)، والثانية هي التأريخ المعاكس الذي قدمه توم سغيف في كتابه 1967: إسرائيل والحرب والسنة التي غيرت الشرق الأوسط (2005)، والثالثة هي التي خطها يوسي كلاين هالفي: “مثل الحالمون: قصة المظليين الذين وحدوا القدس وقسموا الأمة” (2013)، وعلى الرغم من التركيز على هذه الأعمال الثلاثة، إضافة إلى بعض الدراسات التي قدمها مؤرخون إسرائيليون مثل بيني موريس وآفي شلايم.

كما اهتمت بعض الأوراق المشاركة في المؤتمر بالإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في حرب 1967 وجهد الدفاع العربي، وتطرقت فيها إلى ماهية الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية خلال حرب حزيران/ يونيو، وبحث جملة الوسائل السياسية والعسكرية والدبلوماسية التي بذلتها إسرائيل في مقابل الجهد العربي، قبل الحرب وأثناءها، وتعرض إلى الجوانب السياسية والعسكرية والدبلوماسية قبل حرب 1967 وبعدها، وتتبع وسائلها والكيفية التي نفذت بها إسرائيل مخططاتها، والدوافع الإسرائيلية الحقيقية الكامنة من وراء الحرب.

حرب حزيران/ يونيو 1967: التفاعل مع نتائج الحرب وتداعياتها فلسطينيا وعربيًا

تركت حرب حزيران/ يونيو 1967 أثرًا في تطور المقاومة الفلسطينية في المجالات العسكرية والشعبية والتنظيمية، وعلاقتها بالأنظمة والشعوب العربية، وانعكاس ذلك على القضية الفلسطينية، ووجود إرهاصات لتشكيل منظمات فلسطينية أخرى، وتأثير جمال عبد الناصر في ذلك، فضلًا عن أثر الحرب المباشر في انطلاقة فتح الثانية. وكان من نتائج الهزيمة أنه لم تعد الجماهير الفلسطينية تؤمن بالحكومات العربية، ما أدى إلى تطور تشكيلات الأحزاب الفلسطينية، وتمكنت من إقامة قواعد لها في البلدان العربية. ومع نهاية الحرب توقفت ملاحقة العمل الفدائي الفلسطيني، بل أصبحت بعض الحكومات تؤمن بدوره، وكيف تم تحويل المقاومة من الهزيمة إلى تعزيز العمل الوطني الفلسطيني، ثم ما لبثت أن دخلت في مشاريع جانبية.

اقتصاديًا، كانت للحرب تداعيات سلبية على الاقتصاد الفلسطيني، وما زال يعانيها حتى اليوم، فبعد احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، تم وضع الاقتصاد الفلسطيني تحت السيطرة المشددة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي قامت باستغلال الأرض والموارد المائية في الضفة الغربية والقطاع لمصلحة الاحتلال. كما عرقلت نشاط القطاع الخاص الفلسطيني ومنعت تطوره، وفرضت قيودًا مشددة على حركة الأفراد والتجارة داخل الأراضي المحتلة وخارجها، وحولت الاقتصاد الفلسطيني إلى رهينة للسوق الإسرائيلية. أما الرواية الإسرائيلية بأن تأثير إسرائيل كان إيجابيًا، فهي رواية مغلوطة ومضللة؛ فقد أدت الممارسات الإسرائيلية إلى حدوث انهيار اقتصادي في قطاع غزة، وظهور أزمات إنسانية غير مسبوقة، ما أدى إلى تزايد معدلات البطالة والفقر وانعدام الأمن، وانعزال الاقتصاد الفلسطيني عن محيطه العربي، وإلحاقه بالاقتصاد الإسرائيلي.

عربيًا، تم تحليل جوانب الخلل في وقوع الهزيمة، وأسبابها، ولا سيما أن معظم التحليلات انطلقت من مرجعيات أدبية وفكرية فلسفية أو سوسيولوجية أو حتى سيكولوجية تناولت الأزمة بنوع من الهيستيريا إن صح هذا التعبير، وليس من منظور سياسي علمي رصين ولا يزال في مرحلة متخلفة في طبيعة التناول، مثل ما قام بمعالجته عبد الله العروي وعزيز العظمة وسمير أمين وجورج طرابيشي وغيرهم، الذين حمّلوا الشخصية العربية المسؤولية بحكم أنها تهتم فقط بالمظاهر والقشور ولا تهتم بالجوهر، وطريقة التناول فهلوية، ولا يحملون جمال عبد الناصر المسؤولية مثلًا، عادّين القضية مرتهنة بالناحية النفسية والشخصية للمصري عمومًا ولا علاقة لعبد الناصر وحده بذلك. لهذا، فهم يرون أن هذه الهزيمة حتمية، وليست لها علاقة تمامًا بالناحية العسكرية، فحتى الطريقة في التناول السياسي للقضية مالت إلى لوم المجتمعات العربية برمتها، ناقمة عليها، وواصفة إياها بكل نعوت التراجع والتخلف والتذبذب، ولم تحمّل الحكام المسؤولية التي ينبغي أن تلقى عليهم، فهم الذين غيبوا الشعوب عن ساحة المعركة تمامًا.

في السياق ذاته، تم التطرق إلى التحركات العربية عشية الحرب، ولعل موضوع القمة العربية الرابعة في الخرطوم، في آب/ أغسطس 1967، كان أهمّها من خلال تسليط الضوء على مؤتمر القمة العربي في الخرطوم من زاوية تاريخية، والذي عُقد لتدارس الموقف العربي والنظر في وضع خطة عربية مشتركة لإزالة آثار العدوان ومخلفاته.

في إطار اهتمام المؤتمر بمناقشة تجليات الاحتلال الإسرائيلي على الجولان ومواطنيه السوريين: التطهير العرقي والاستيلاء على الأرض وموارد المياه، جاءت دراسة، تحدثت عن أطماع الحركة الصهيونية في الجولان وسياسات الاحتلال ضد الجولان، ذاك أن الصهاينة لا يخفون أطماعهم فيها، وهناك سعي لجعلها ضمن الدولة العبرية المستقبلية. كما استعرضت التحليلات التي تقول بنفي المؤسسة العسكرية للكيان الصهيوني وجود أي خطط ممنهجة مسبقة لاحتلال الجولان، ويلقى هذا التوجه تأييدًا لدى معظم المؤرخين والباحثين الإسرائيليين. كما تم تناول شهادات لعدد من الضباط الذين شاركوا في حرب حزيران/ يونيو 1967 على الجبهة الأردنية والمصرية، وشهادات كذلك عن المشاركة العراقية.

_________________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر