Minbar Libya

 بقلم أحمد محمد

التبرير هو أحد أساليب الدفاع النفسي التي يقوم بها العقل الباطن للتقليل من حالة الخوف أو القلق. وغالبا ما يمارس الإنسان السوي أو المريض نفسيا هذه الطريقة بشكل غير واعٍ بعد وقوعه في خطأ أو وجود مشكلة ربما تسبب له القلق أو تأنيب الضمير أو الشعور بالخوف وما إلى ذلك.

هذا الأسلوب الدفاعي يمارسه العقل الباطن أثناء مواجهة المشاكل الشخصية أو العامة التي تتعلق بقضايا المجتمع أو السياسة.

هذا أمر طبيعي ولكن من المفترض أن يحاول الإنسان السوي العاقل أن يتغلب على هذه النزعة التي تجعلنا بعيدين عن مواجهة الحقائق والأخطاء وتجعل معظم الناس غارقين في الوهم والعواطف غير السوية.

ليس ذلك صعبا …. ولا يمكن أن نعتبر ذلك حديثا عن المثاليات التي يستحيل تحقيقها ولو بشكل بسيط ، ولكن للأسف من المفترض أن تعالج هذه المشكلة على مستويات مختلفة من قبل مختصين ونخب واعية ، ولكن في ليبيا – وبحسب اعتقادي الشخصي – لا توجد لدينا نخبة حقيقية ناضجة، لأنه من غير المنطقي أن يقودنا اللاوعي دائما.

لماذا نقوم بالتبرير؟

وهل يوجد علاج مباشر لهذه العملية العقلية أو المشكلة؟

في الحقيقة يقوم الناس بالتبرير عند عجزهم عن حل مشكلة ما، وأحيانا يلجأ الإنسان من خلال عقله الباطن إلى هذه الوسيلة عندما لا يكون قادرا على مواجهة الخطأ أو المشكلة بصراحة ومنطق سليم، وكل ذلك يهدف إلى التقليل من الشعور بالذنب والقلق والخوف دون وعي.

ولا يوجد دواء أو علاج مباشر لما يمكن تسيمته بالإفراط في التبرير!! لأن التبرير نتيجة وليست سببا أو عملية عقلية منفردة، ولذلك فإن معالجة لجوء الناس إلى التبرير (مسألة) تربوية نفسية في الأساس – وأنا هنا لا أتحدث عن معالجة القلق أو الاختلالات النفسية – وتبدأ المعالجة بالتأكيد من خلال محاولة تعزيز مبدأ مواجهة الذات والاعتراف بالخطأ أو المشكلة، ومحاولة تقييمها عقليا ومنطقيا.

هذه الأمور تحتاج بالتأكيد إلى عدة أشياء يجب أن تتوفر في الأفراد والمجموعات والمجتمعات، ومنها ضرورة وجود أسس تربوية صحيحة، تعمل على إنشاء أجيال متعلمة تتمتع بالشخصية القوية القادرة على مواجهة الأخطاء ومحاولة حلها بالطرق السليمة.

من الضروري أيضا أن توجد شريحة في المجتمع تتمتع بحس عقلي جيد ومتميز إضافة إلى قدرتها على التحليل ومعالجة المشاكل وتقييمها بالطرق السليمة، هذه الشريحة تسمى أحيانا بالنخبة وهي التي تقود الرأي العام –غالبا – في معظم المجتمعات.

عندما تكون النخب في مجتمع ما ضعيفة أو غير منطقية، وتلجأ إلى العواطف في التحليل والتقييم يتكون خلل كبير لدى الناس الذين يعتمد جزء منهم على المعلومات والحجج وما يعتبرها البسطاء حقائق يبثها هؤلاء المتخصصون والمثقفون والمسؤولون في المجتمع بطريقة أو بأخرى.

فعلى سبيل المثال، نجد المجتمعات الضعيفة ثقافيا وعلميا تلجأ إلى تفسير عدد كبير من الظواهر الطبيعة أو الفيزيائية على أنها من الظواهر التي تجمع غالبا تحت مسمى ما وراء الطبيعة، ومن هذا المنطلق يتم تبرير بعض الأحداث أو الظواهر بأنها تدخل لقوى خارقة أو سحر وما إلى ذلك.

إذا نظرنا بشكل عام إلى هذه التفسيرات نجدها غالبا منتشرة بين المجتمعات والشرائح غير المتعلمة وغير المثقفة، وهي تستند أحيانا إلى آراء بعض المتعلمين أو النخب الثقافية أو السياسية، وهنا مربط الفرس.

هناك دور كبير يقع على كاهل المسؤولين والدولة بشكل عام، لأنهم مسؤولون عن رسم سياسات الدولة التعليمية والتربوية والثقافية، إضافة إلى أن ممارسة التبرير على المستوى الرسمي السياسي أو التعليمي مثلا في المؤسسات والجامعات والمدارس يساهم بشكل كبير في تمدد هذه الظاهرة واعتماد الناس عليها.

إذا ضربنا بعض الأمثلة البسيطة على التبرير مثلا، أتذكر أنني قرأت استشارة لأحد الأشخاص ارتكب جريمة أخلاقية، وقام بتبريرها، بأن قوة خارقة سيطرت عليه وأمرته بفعل جريمته، وهذا غير منطقي وهو احتمال غير وارد إلى حد كبير، ولكن الحقيقة المجردة تقول إن هذا الشخص قام بفعلته هذه ولم يتقبل بعدها تأنيب الضمير الحاصل لديه ولجأ إلى هذا التفسير لتقليل شعوره بالذنب والقلق والخوف، ملقيا باللوم على هذا الشيء المجهول الذي سيطر عليه وأمره بفعل هذه الجريمة، وربما يكون الأمر نتيجة لمرض نفسي يسبب اختلالا عقليا وهلوسات سمعية وبصرية، ولكن الأمر في هذه الحالة أقرب إلى التبرير والإنكار منه إلى المرض النفسي في اعتقاد، ولكن على أية حال هناك احتمال بأن يتحول هذا الأمر إلى مرض في حالة هذا الشخص.

وإذا راقبنا مثلا ما يقوله بعض الناس، بعد انتشار جريمة معينة في المجتمع أو حدوث خطأ سياسي أو إداري ما من فئة تحظى بقبول أو شعبية لدى شريحة من المجتمع، فإننا نجد الناس يسارعون إلى تبرير الخطأ وإيجاد الحجج غير المنطقية التي يقنعون بها أنفسهم لتقليل شعورهم بالقلق أو الذنب أو تأنيب الضمير الحاصل جراء تأييد فئة ما أو كتلة أو شخصية سياسية أو توجه عام.

الأمر ذاته يحدث بعد حوادث السيارات والأخطاء التي يرتكبها الصغار أو الكبار بقصد أو بدونه، فمثلا جميعنا يسمع المبررات التي يسوقها الطالب – مثلا – بعد فشله الدراسي ، والتاجر والمسؤول والأب عند إخفاقهم في مسؤولياتهم أو فشلهم في أدائها.

مواجهة الخطأ، وتقييم المعطيات الحياتية والحكم على الأحداث بالعقل والمنطق كل هذه أشياء ممكنة ليست مستحيلة أبدا، ولا يمكن وصفها بأنها معايير أو معطيات أو متطلبات مثالية، ولكنها بالطبع نسبية بشكل كبير ولا يمكن الوصول فيها إلى القيم المطلقة التي يتنهي فيها التبرير وتكون الأحكام من خلالها صحيحة مطلقة.

ولكن نهضة المجتمعات تحتاج إلى هذه الأساليب، التي تعتمد على المواجهة والتقييم والمحاسبة والإصلاح، إضافة إلى معالجة الخلل وضبط معايير المجتمع والقوانين والمؤسسات، حتى يتسنى للدولة أن تتقدم وتتغلب على مشاكلها.

الانجرار وراء المبررات والإنكار والانعزال عن الواقع أو تحريفه، كل هذه الأساليب التي يعتمدها العقل الباطن كدفاع للتقليل من الخوف والتوتر والشعور بالذنب من الممكن أن تسبب مشاكل نفسية نتيجة لآثار هذه الأساليب وبناء على ما يحيط بالإنسان من متغيرات ويتناسب الأمر طرديا مع كثافة استخدام هذه الأساليب.

مواجهة الأخطاء يجب أن تتم بعقلانية وبشجاعة، ومن لا يعرف حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: ” كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون” ومن هذا المنطلق نعرف جميعا بأننا نقع جميعا في الخطأ ولكن يجب علينا أن نحاول إيقافه وألا نعود إليه، وهذا لا يتحقق إلا بمواجهة الأخطاء وعدم الانجرار إلى تبريرها سواء أكان ذلك بسبب الجهل أو انجرارا وراء العاطفة.

***

أحمد محمد ـ طبيب وكاتب ليبي

______________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر