Minbar Libya

بقلم فتحي إدريس

لازلت أتذكر جيدًا كلمات سمعتها من مواطن كندي عام 2002 في نقاش دار معه بُعَيْدَ إعلان جورج بوش الابن الحرب على العراق انتقامًا لتفجيرات 11 سبتمبر. قال لي بالحرف الواحد: “لا أعرف كيف يفكر هـذا الرجل (ويقصد بوش الابن)، فكلما استمعت له، وحاولت أن أفهم ما يعني ازددت اقتناعًا بأن ذكاءه لا يفوق ذكاء الضفدع بكثير” – انتهى كلامه.

صارت تلك الكلمات تحضرني من حين لآخر كلما شاهدت مسؤولاً يتحدث ويجانبه المنطق والصواب، ولكن ما إن شاهدت الرئيس المصري وهو يحاول جاهدًا إقناع مستمعيه بأفكاره الهلامية المبهمة وأحاديثه المتقطعة ونبرته الهامسة الرخـوة، حتى أدركت جيدًا ما كان يشعر به ذلك المواطن الكندي، بل وشعرت بأننا أحيانًا نبالغ في ظلم الضفادع.

أرشيف بوش في اليوتيوب والإنترنت لا ينضب، وكذلك هو أرشيف السيسي. إلا أن المأساة ليست في تراثهما الهزلي والمادة الكوميدية التي تركاها فحسب، بل في نتائج الضحالة الفكرية لهؤلاء القادة والتي جلبت، ولازالت تجلب، المصائب على الملايين من البشر.

فالضفادع تنتهي حماقاتها في البرك والمستنقعات؛ أما هؤلاء فحماقاتهم أحالت دولًا إلى برك ومستنقعات.

منذ أيام يُقتل مدنيين أبرياء بدم بارد في المنيـا في حلقة أخرى من حلقات الإرهاب الانتقائي في مصر فيخرج السيسي بعدها بساعات ليعلن بأن طائراته تقصف مدينة درنة الليبية والتي تبعد عن المنيا أكثر من 1200 كيلومتر وذلك لعلاقة مفترضةبين منفذي الجريمة وتلك المدينة، ويضيف كذلك بأنه سيوجه ضربة إلى الإرهابيين في أي مكان من العالم“..

الرجل ظهر مقلدًا خطابات قادة الدول الكبرى في مشهد هزلي كطفل يحاول أن يركض وهـو ينتعـــل حذاء أبيه!

ولعله من المضحك المبكِ أن يقوم السيسي بمثل هـذه الحماقات ويتصرف مثل قادة الدول العظمى ولا يجد من يقف في وجهه في أي من البلدين، بل إن البلاطجة من الإعلاميين والعسكر ومن يدور في فلكهما في ليبيا ومصر يبررون لهذه الحماقات ويروجون لها ويدرجونها تحت معزوفة محاربة الإرهابالتي سئمناها.

الأمر لا يتعلق بإطلاق مسبار فضائي إلى المريخ، بل نحن أمام معادلة سهلة وغاية في الوضوح: “فشل سياسيفي مصر يحاول السيسي ترميمه بدعم فشل عسكريفي ليبيا في ثنائية دعم وإسناد ليستفيد منها الطرفان ومن ضمن مخطط كبير لإجهاض الثورات العربية.

ما يهمنا هنا ليس تحليل الحدث وتداعياته السياسية والعسكرية بل تحليل التضفدع منطق الضفادعالذي يبرر لهذا العبث بمصائر الشعوب ويجلب لها الكوارث.

فالمشهد بدا لي ضفدعـياًبامتياز.. ابتداءً من المنطق الأخرق، إلى النقيق المزعج، إلى القفز العشوائي في البرك والمستنقعات العكرة والتي لا تُعرف نتائجها ولا تُحمد عقباها..

لا منطق ولا حكمة، بل عبث وتهور وحماقة لا تنطلي على عاقل.

ومن الطريف أن فشل التضفدعـ حرفيًا لا مجازًا ـ في المعالجات الأمنية له شواهده التاريخية كذلك.

ففي ثلاثينيات القرن الماضي قامت أستراليا باستيراد ضفادع الخيزران من جزر هاواي وتكليفها بمهمة أمنية وهي القضاء على الخنافس التي تفتك بمحاصيل قصب السكر. ولكن، وبعد وقت قصير، اكتشف الأستراليون حجم الكارثة، فلم تهتم تلك الضفادع بخنافس قصب السكر الأسترالية فتركتها وهاجمت جميع أنواع الحشرات الأخرى، كما أن جسمها كانت به كمية كبيرة من السموم ما سبب في وفاة كل المخلوقات التي تحاول أكلها مثل التماسيح، هذا بالإضافة إلى سرعة تكاثر هذه الضفادع ما جعلها تنتشر في أنحاء أخرى من أستراليا، فكانت خلاصة تلك المعالجة الضفدعيةدمارًا بيئيًا واسعًا مع عجز في علاج المشكلة الأساسية.

وختامًا، وعلى ذكر الضفادع، فقد جاء في الأدب الفرنسي قصة ضفدع لافونتينوهـو ضفدع أحمق انبهر بحجم ثور ضخم جاء ليشرب من البركة التي يسكن جوارها، فقرر الضفدع أن يصبح بحجم ذلك الثور، فراح يجهد نفسه لينتفخ ويتمدد وانهمك في شرب الماء، والضفادع من حوله تشجعه ليشرب أكثر ليزداد حجمه فصار ينتفخ وينتفخ حتى انفجر ومات. الغريب في الأمر أن الكاتب الفرنسي لافونتينمات قبل مئات السنين ولم يحضر القمة الأمريكية ـالخليجيةـ المصرية التي حضرها كل من ترمــب والسيسي ليستوحي منها قصته.

حفظنا الله وإياكم من التضفــدع وحفظ شعوبنا من المتضفــدعين !

***

فتحـي إدريس ـ طبيب ومـدون ليبــــي

_____________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر