Minbar Libya

بقلم محمد صالح تنتوش

عند قراءتك للتاريخ السياسي والعسكري ستجد أن مفهوم التفاوض موجود في معظم الحروب ، سواء كانت تلك الحروب غزوا خارجيا أو حربا أهلية أو غير ذلك .

لماذا التفاوض ؟

نتيجة الحرب لا تقبل الكثير من الفلسفة فهي إما انتصار مباشر لأحد الطرفين أو هدنة وصلح بينهما وهو ما يبنى على التفاوض مع الطرف الآخر

وبالتالي فإن رؤية الأطراف المتصارعة لنتيجة الحرب سواء في بدايتها أو حتى أثنائها يجب أن تكون حاضرة أي إلى أين يمكن أن تصل الحرب وما هو الموقف من الطرف الآخر

فإذا كانت الدلائل تشير إلى انتصار أكيد لأحد الأطراف فبالتأكيد لن تنتهي هذه الحرب بالتفاوض لكن عادة ما يجب على المنتصر أيضا أن يحدد موقفه من الطرف المهزوم إذ يمكن للصراع والحرب أن تنتهي بفوز الأقوى لكن من شأن الطرف المهزوم أيضا أن يجعل من استقرار الامور بشكل نهائي أمرا صعبا (تجربة الأنظمة العربية مع المعارضة وخاصة المعارضة الاسلامية منها مثال لذلك) .

التفاوض يبدأ فور إدراك الطرفين أن الحرب لن تنتهي بسيطرة نهائية لأحدهما وقد لا يدرك أحد الأطراف ذلك إلا بعد وقت من اندلاع الحرب حيث أن هذا الطرف يدرك بعد مدة أن تقديره بأن نتيجة الحرب ستكون لصالحه كان تقديرا خاطئا نتيجة مقاومة الطرف الآخر (أو حتى تدخل أحد الأطراف الخارجية في الحرب سواء لدعم الطرف الآخر أو لضمان عدم انتصار أي من الأطراف ) .

التفاوض هنا لا يتعلق فقط بقدرة الطرفين على الجدال السياسي فالأمر يرتبط ارتباطا مباشرا بمكاسب الطرفين على الأرض وتقديرات الخسائر لكليهما أيضا نتيجة استمرار هذه الحرب أو هذا النزاع.

وقد يلعب الاعلام دوره أيضا في الترويج لحجم مكاسب الطرف الأول وخسائر الطرف الثاني أثناء التفاوض وحتى بعد الوصول الى اتفاق لإرضاء الأطراف الداخلية التي قد لا تكون راضية بما تحقق لها من مكاسب نتيجة الاتفاق الذي عقده ممثلوها في التفاوض خاصة اذا كان هذا الطرف مبنيا على مجموعة من التحالفات المختلفة ولا يمثل فئة واحدة .

بالتالي فإن عملية التفاوض قد تأخذ وقتا طويلا فهي ليست عملية ساكنة بل عملية ديناميكية تخضع للتغيرات التي تحدث على الأرض وقد يماطل أحد الأطراف في المفاوضات أو يتراجع عن أي اتفاقات مبدئية نتيجة شعوره بإمكانية تحقيق مكاسب أكثر مستقبلا نتيجة تحقيقه لانتصارات مكاسب فعلية على الأرض “فكلما تحصل على مكاسب أكثر على الأرض تحصل على مكاسب أكثر من أي اتفاق ومفاوضات قادمة ”.

أريد أن أؤكد هنا أن هناك عوامل أخرى تساعد على تحقيق مكاسب أكثر تتعلق بالحصول على التأييد الدولي و الشعبي خاصة في الحروب والنزاعات الأهلية .

ببساطة شديدة يمكن أن أقول هنا أن أقدم مجموعة من التصنيفات للقوى الموجودة في الصراع الذي انطلق منذ عام 2014 في مناطق مختلفة من البلاد على اساس ما كتبته هنا حول علاقة الصراع بالأرض ، فالطرف الذي لم يكن يملك رؤية حول كيفية نهاية الصراع مع الطرف الآخر وفقط استمر في الحرب دون أي تخطيط يتمثل في الطرف المقابل لعملية الكرامة في بنغازي (مجلس شورى الثوار وانصار الشريعة وغيرهم ).

بالتالي حتى عندما كان يسيطر على المساحة الأكبر من بنغازي لم يدخل أي من عناصر التحالف المضاد لحفتر (حتى المعتدلون منهم) في المنطقة الشرقية في أي مفاوضات قد تنهي النزاع وتحقق له مكاسب من هذا التفاوض نتيجة موقفه القوي على الأرض،

بينما كان الطرف المقابل لحفتر في المنطقة الغربية يتبنى نفس الاسلوب الى أن بعض عناصر تحالف فجر ليبيا (جزء من المؤتمر الوطني وبعض القيادات من مصراتة) دخلت في مفاوضات مع عناصر من تحالف عملية الكرامة (جزء من مجلس النواب) تحت غطاء دولي من الامم المتحدة بالتالي كان هناك تقدير للتأثير الدولي على الصراع .

وعندما وجد الطرف الرافض لهذه المفاوضات (الغويل ومجموعة من الكتائب المسلحة و اعضاء من المؤتمر الوطني )أن الاتفاق سيتم به أو بدونه حاول اجراء مفاوضات موازية مع الثني ومجلس النواب رغم عدم امتلاكه لرؤية في كيفية التعامل مع الطرف المقابل قبل ذلك.

لكن استمراره في هذه المفاوضات الموازية وعدم دخوله في مسار الاتفاق الذي كانت ترعاه الامم المتحدة واصرار بعثة الامم المتحدة في ذات الوقت على توقيع اتفاق الصخيرات وعدم الانتظار حتى تحقيق اكبر قدر من التوافق الداخلي لطرفي الحوار تسبب في خروج الغويل ومن معه دون أي مكاسب من الاتفاق وتعطيل الاتفاق في المقابل في المنطقة الشرقية ، لكنه كان سببا مباشرا بالتالي في وجود ثلاثة حكومات حتى وقت قريب.

استمرار الغويل فيما بعد في محاولة اشعال حروب قصيرة ضد القوات المؤيدة للمجلس الرئاسي في طرابلس وذلك لمحاولة العودة لطاولة الحوار بشكل جديد يضمن هذه المرة دخول الغويل ومن معه  في دائرة المتحصلين على مكاسب من الاتفاق عبر السيطرة على جزء من الأرض وهو ما يمثل كرت الدخول لأي طاولة حوار.

لكن الغويل أدرك ذلك متأخرا وهو ما تسبب في دخول اطراف أخرى أقل سيطرة على الارض واقل تأثيرا  في المنطقة الغربية بديلا عنه في طاولة الحوار والحصول على المكاسب المطلوبة قبل ضمان بعض القوة على الارض من خلال العمل السياسي لبعثة الامم المتحدة ولجنة الترتيبات الامنية وبعض اعضاء المجلس الرئاسي.

اذ ان ما قامت به البعثة من ادخال المجالس البلدية وبعض القيادات القبلية والعسكرية المحلية لعب دوره في تمثيل الجميع في الاتفاق عدا الغويل ومن معه، بالمقابل أصبح موقف حفتر أقوى فلأسباب عديدة لا يتسع المقام هنا لذكرها_ يتعلق بعضها بطريقة العمل والخطاب الذي تبناه حفتر وطريقة الخطاب والعمل الذي تبناه الطرف المقابل_

لم يرفض حفتر الاتفاق فأدخل مجلس النواب كممثل سياسي في محاولة منه للقول بأن عمله يقتصر على الجزء العسكري وعندما تم الوصول الى الاتفاق تحرك مؤيدوه داخل المجلس لتعطيل اتمامه اذ أنه كان يرى بأن المكاسب التي تحصل عليها من هذا الاتفاق لم تكن كما كان يطمح.

بالتالي كان في حاجة للسيطرة على مساحات أكبر وتقوية موقفه على الأرض وهو ما وصل اليه اليوم فعليا في ظل انقسام تحالف فجر ليبيا وعزل وخسائر الطرف المقابل له في بنغازي.

،بالتالي اعتمد الرجل على سياسة اعطاء أمل في بعض الأحيان لاتمام الاتفاق او طلب تعديله وفي ذات الوقت السيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي وهو بالمناسبة ذات الموقف الذي اعتمدته القوى الدولية الداعمة له وعلى رأسها الامارات ومصر فاعترافهما بالمجلس الرئاسي وسلسلة اللقاءات الداعمة للحوار والتفاوض ما بين طرفي المجلس الرئاسي ومجلس النواب والتي وصلت في اقصى درجات تفائلها الى عقد لقاء بين السراج وحفتر لم يخرج عن اطار الموقف العلني الذي تحتاجه هذه الدول امام الدول الأخرى وأمام الجمهور في مقابل استمرار الدعم العسكري لحفتر على الارض حتى الوصول الى المرحلة المقبلة .

كيف سيكون شكل الاتفاق المقبل؟

المرحلة المقبلة ستكون تعديل الاتفاق السياسي وسلسلة المفاوضات التي قيل انها ستنطلق الشهر المقبل لكنه في هذه المرة وبكل تأكيد سيكون معبرا بصراحة عن تفوق حفتر على الارض فاتفاق الصخيرات بنسخه المختلفة تم توقيعه في اواخر سنة 2015 وبدايات 2016 ووقتها لم يكن حفتر يملك أي تحركات حقيقية في الجنوب الليبي في وقت يسيطر فيه الآن على كامل الجنوب تقريبا عدا منطقة الجفرة ولم يكن مسيطرا كما هو الحال اليوم على المساحة الأكبر من بنغازي ولم يكن الانقسام كما هو الحال عليه اليوم في طرف تحالف فجر ليبيا سابقا سواء كان محليا داخل المناطق في ذاتها كما هو الحال عليه في مصراتة والزاوية أو ما بين المناطق في المنطقة الغربية كما هو الحال عليه بين كتائب طرابلس ومصراتة.

بالتالي فإن شكل الاتفاق المقبل لن يكون مماثلا بأي شكل من الاشكال حسب تقديري لما كان عليه الوضع في اتفاق الصخيرات ، لذ سيكون على جميع الأطراف الأخرى ان تثبت ان ما تسيطر عليه من أراضي بغض النظر عن حجمه الا انه سيكون مهما اذا ما كانت هناك رغبة حقيقية في الوصول الى اتفاق .

يبقى هذا بطبيعة الحال محاولة لتحليل ما هو موجود على الواقع وليس آراء شخصية اذ أن أفضل سيناريو يتمناه شاب في عمري هو الوصول الى انتخابات مقبلة في اسرع وقت ممكن وتغيير كافة الوجوه الموجودة على الساحة الآن.

لكن هذا الأمر يعد بمثابة الحلم وأمرا مضحكا بالنسبة لأطراف الصراع التي ترى بأنها قد دفعت ثمنا غاليا فيه وبالتالي لن تخرج من أي اتفاق ينهي الصراع خاوية الوفاض .

***

محمد صالح تنتوش ـ كاتب ليبي

__________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر