Minbar Libya

 بقلم علي الدلالي

المشهد الإعلامي في ليبيا ما إن تخلص من قبضة الرقابة الصارمة التي كان يفرضها نظام العقيد القذافي على مدى أربعة عقود ونيف وتنفس بعضا من الهواء شبه النقي عام 2012 حتى سقط من جديد في فوضى عارمة من التلوث الفكري والأخلاقي ونهج يفتقر إلى أبسط القواعد المهنية،

إلى درجة أن بعض المواقع والصحف والفضائيات المؤدلجةأو المخولجةباتت تشكل خطرا على المدنيين والسلم العام وتساهم من حيث تدري أو لا تدري في تفكيك النسيج الاجتماعي الليبي وإطالة عمر الصراع ومعاناة الليبيين البسطاء من خلال الترويج لخطاب الفتنة والتحريض على القتل والتهميش،

وسكب الزيت على النار، وصناعة الطغاة، ورسم الخطوط الحمراء، وترسيم التابوهاتبمعنى المحرمات، وتسويق المجرمين والمهربين وتجار البشر، وتبييض الفساد ونهب المال العام.

ساعد الفضاء المغلق ما قبل العصر الرقمي النظام السابق منذ سبعينيات القرن الماضي وإلى غاية منتصف التسعينيات، مع بداية إشعاع ثورة المعلومات والاتصالات والسماوات المفتوحة، على التحكم في وسائل الإعلام وتوجيه دفتها رغم محاولة الليبيين اقتناء أجهزة ومعدات تمكنهم من التقاط بث إذاعة لندنلمتابعة ما يجري في بلادهم، ولجوء طيف آخر من الليبيين إلى تركيب هوائيات الويزي” – إن لم تخني الذاكرة في التسميةللحصول على بعض المحطات الإيطالية خاصة في فصل الصيف.

كان القذافي وزير الإعلام الفعلي ولم يتخل عن هذا الدور على الإطلاق إلى حين مغادرته باب العزيزيةذات يوم من صيف 2011 ولكنه لم يثق يوما في الصحفيين الليبيين الذين دفع الكثير منهم ضريبة باهظة رغم التزامهم بـ الخط العام“.

تكفي الإشارة هنا إلى أن من بين الأجهزة التي تتولى التحقيق مع الصحفيينالذين يُخطئون، عن غير قصد بكل تأكيد، إدارة مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية والهدف غير المعلن من ذلك إصابة عصفورين بحجر واحد،

ترويع الصحفيينوإرهابهم نفسيا من خلال الإيحاء بأنهم فاقدو العقل والأهلية تحت تأثير المخدراتمساطيلوالتلويح بأنهم قد يُتهمون بتعاطي المخدرات وترويجها،

ناهيك عن إحالة عدد كبير من الزملاء إلى العمل في جهاز الأمن الداخلي، ولا يزالون حتى اليوم يحملون ندوب تلك المرحلة الصعبة والقاسية.

ارتبط القذافي بالعديد من الأسماء اللامعة في عالم الصحافة سواء في الغرب (بريطانيا وفرنسا تحديدا)، أو في الوطن العربي (بيروت والقاهرة)، والعلاقة هناكما لا يخفى على أحدليست علاقة حب بقدر ما كانت علاقة تفوح منها رائحة البترودولاروشراء الأقلام والذمم، وهي ممارسة معروفة ومستمرة في كافة دول العالم دون استثناء.

وعند انتشار ظاهرة الفضائيات الإخبارية لم يتأخر عن ركوب موجتها وجذبه بوجه خاص ميكروفونقناة الجزيرة القطرية التي كانت مطيته وإحدى نوافذه على العالم الخارجي، فاستغل هو انتشارها الساحر واللافت للنظر في فترة وجيزة، واستغلت هي الخزانة العامة الليبية من خلال تكاليف البث الحي في الجزيرة مباشرللأحداث التي كان يصنعها القذافي وهي كثيرة،

غير أن الجزيرةساهمت في نهاية المطاف إلى حد كبير في إسقاط نظامه، وتلك قصة أخرى قد يكشف التاريخ يوما عن ملابساتها،

وفي اعتقادي يكمن سر هذا الانقلاب والقطيعة ونهاية شهر العسلودون الذهاب بعيدا على رأي إحدى مذيعات الجزيرة الجميلاتفي البحث عن المرأةكما يقول المثل الفرنسي.

استمرت الأجسام والحكومات الليبية المتعاقبة منذ المجلس الوطني الانتقالي وحتى اليوم في تهميش قطاع الإعلام والصحفييين الليبيين، واكتفى القائمون على هذه الأجسام بصفحات فيسبوكيةباهتة ومبتذلة تفتقر للمهنية ولفنون صناعة الخبر ورواية القصة الصحفية،

صفحات تنقل كالببغاء تحركات المسؤول واستقبالاته وتصريحاته دون أي تحليل في استنساخ مشوه للعقود الأربعة الماضية، وهو في الواقع تعد صارخ على حق الليبيين في الوصول إلى المعلومات ومعرفة ماذا يجري في بلادهم وماذا يدور في محيطهم لأنهم ملوا بكل بساطة أن يكونوا مثل الأطرش في الزفةكما يقول المثل الليبي.

وفي هذا الصدد شكل لقاء الرئيس السراج والمشير حفتر قبل أسبوعين في أبو ظبي برعاية إماراتيةكما يبدوحدثا بارزا ومهما في خضم الصراع المدمر والمحموم على السطة والمال في ليبيا، بل قد يكون من أبرز الأحداث منذ اشتعال الحرب العبثية بين عملية فجر ليبياوعملية الكرامةقبل ثلاث سنواتالأختان غير الشقيقتين لعملية فجر أوديساغير أن ما دار بين الرجلينرغم الآمال التي علقها الليبيون البسطاء على ذلك الاجتماع لرفع معاناتهم التي طالتبقي في صدريهما وعند مضيفهما الذي قد لا يكون فاته زرع مكان اللقاء بأجهزة التنصت.

التزم الرئيس والمشير الصمت واكتفى الرئاسي بإصدار بيان فيسبوكيهزيل لا يسمن ولا يغني من جوع، ولم تكن له أية انعكاسات في الشارع الليبي عدا ما تم تسجيله في سوق المشير ودكاكينالظهرة حيث اشتعل الدولار بعد أن كان هوى إثر نشر صورة اللقاء وبدلة المشير المدنية رغم غياب المصافحة.

قبل بضعة أيام تابع ملايين الفرنسيين عبر شاشات التلفزيون مناظرة على الهواء استمرت حوالي ثلاث ساعات بين المتنافسين على مفاتيح قصر الأليزيه، مانويل ماكرون ومارين لوبان، اللذين عرضا على الفرنسيين برنامجهما لقيادة فرنسا، ثالث قوة نووية وخامس قوة اقتصادية في العالم، لحكم الفرنسيين، ما يعكس احترام هؤلاء القوم لشعوبهم أولا ولأنفسهم ثانيا.

نحن على أبواب السبع العجاف ولم يقم أي مسؤول من متصدري المشهد في ليبيا بتقديم مشروع وطني واحد إلى الليبيات والليبيين عنوانه (ليبيا)، بل كانت قلوبهم شتى وكل أحد منهم يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة والحرص على مصلحة الشعب الليبي وبالتالي الحق في حكمه،

وفي خضم الفوضى الأمنية التي غرقت فيها البلاد بسبب هذا التناحر وانتشار السلاح والصراع على السلطة والمال بات الصحفيون هدفا لجميع الفرقاء على أساس إن لم تكن معي فأنت عدويالأمر الذي دفع العشرات من الصحفيين والأدباء والكتاب إلى الرحيل للعيش في الشتات في صيغة أخرى من التهميش والضياع.

_______________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر