Minbar Libya

بقلم محمد صالح تنتوش

دائما ما نسمع في كل البيانات والتصريحات تقريبا عن رفض التدخل الخارجي في الحياة السياسية في ليبيا وعن ضرورة ان يكون الحوار ليبيا ليبيا ، وغيرها من التصريحات التي تعبر عن رفض تدخل الأجنبي في أمور الحياة السياسية .

والحقيقة انك قد تضع عذرا لمثل هذا الكلام عندما يخرج من شخص لا علاقة له بالعمل السياسي او المسلح في البلاد ، لكن أن يخرج من أشخاص يمارسون العمل السياسي أو المسلح .

عملية التدخل الخارجي في الشؤون الليبية أساسا لم تكن محلية يوما من الأيام فمن بديهيات السنن الكونية أن الدول القوية دائما ما تسعى الى التوسع وفرض نفوذها على دول أخرى أقل قوة حيث تختلف طريقة التدخل تبعا لقوة وضعف هذه الدول و رفضها أو اذعانها لمثل هذا التدخل ، والحقيقة ان المنطقة لم تستطع مقاومة هذا التدخل حتى اثناء الفترة الأخيرة من الحكم العثماني وفي اقصى ارتفاع لصوت المقاومة والممانعة أيام الثورات القومية العربية كان موازين القوى موجودا في الحسبان بالتالي كان توجه الكثير من الدول العربية لطلب العون من الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت .

بالتالي دعونا نتفق أيضا أن أخذ موازين القوى في عين الاعتبار والمصالح المشتركة للدول وعدم القدرة على الانعزال وسط هذا العالم هي أمور بديهية أيضا ، بالتالي فان دول المنطقة دائما كانت بين حالتين وهي اما وجود دولة ونظام يتعامل مع موازين القوى حسب نقاط ضعفه وقوته لكن دون أن تكون له القدرة على الانقلاب على هذه الموازين أو لعب دور القوة الأكبر وحتى عند محاولاته القليلة دائما ما كانت تعود العملية عليه بالضرر ، أو بين حالة أخرى وهي حالة التشرذم والحرب الأهلية واللادولة وبالتالي فان المجتمع الدولي يجد في مثل هذه الحالة ذرائعه المفضلة للتدخل والتي تبدأ بادعاء حماية المدنيين وتصل في اقصى صراحتها الى التصريح بحماية المصالح والأمن القومي للدول الكبرى خارج حدودها .

وبعيدا عن قضية تاريخ الدولة الليبية في التدخل في شؤون جيرانها و تدخل جيرانها والدول الأخرى في شؤونها خاصة اثناء أحداث 2011 إلا أن حديث بعض أطراف الصراع الذي وصل ذروته سنة 2014 عن رفض التدخل الخارجي أمر مستغرب جدا ، فتقرير لجنة الخبراء بالأمم المتحدة لسنة 2015 على سبيل المثال سجل وبدلائل ملموسة حالات استعانة جميع أطراف الصراع بمساعدة خارجية سواء عن طريق التدخل العسكري المباشر عن طريق القصف الجوي أو المشاركة الأرضية أو عن طريق المساعدات العسكرية ، وهو أمر لم تعد تنكره هذه الأطراف من خلال تصريحاتها المختلفة التي تبرر استعانتها بمثل هذه المساعدات بأنها تأتي من دول صديقة .

عندما انطلقت العمليات العسكرية سنة 2014 في شرق البلاد وغربها نشر “المركز الليبي للبحوث والتنمية ” ورقة تقدير موقف حول ما يمكن أن تصل اليه الأمور في حال استمرار الوضع على ما هو عليه من عدم قبول التهدئة مع الآخر وتداعيات العمليات العسكرية وذكرت الورقة ان هذه الحرب لن تنتهي يقينا الا بالتدخل الخارجي سواء بطريقة ناعمة مستخدما الأمم المتحدة للوصول الى تهدئة واتفاق بين أطراف الصراع أو بطرق أخرى قد تصل الى نشر قوات حفظ للسلام أو غير ذلك ، والحقيقة أن الورقة لم تأتي بجديد بل هي اعتمدت على نقطتين رئيسيتين في تحليلها ، أولهما تجارب الدول الأخرى التي رفضت فيها أطراف الصراع الجلوس على طاولة الحوار الا بعد تدخل دولي وهذه التجارب قريبة العهد بتاريخ الأزمة الليبية ، اما النقطة الأخرى التي اعتمدت عليها تلك التحليلات فتمثلت في رصد سلوك الأطراف المختلفة في إدارة الصراع و الخطاب المعلن في ذلك الوقت.

فجميع تلك الأطراف شملت ضمن قياداتها قيادات رسمية في الدولة الليبية سواء فيما يتعلق بأعضاء في السلطة التشريعية أو التنفيذية ، هؤلاء لم يستطيعوا إدارة الخلاف الدائر بينهم تحت قبة السلطة التشريعية وفي إطار العملية السياسية السلمية.

بالتالي إننا نتكلم عن انحياز من يصنفون أنفسهم من “النخب” لأطراف الصراع المختلفة ، بالإضافة الى انحياز بعض من يحسبون على القوى المدنية والاجتماعية مدعوما بالقنوات الاعلامية وحتى المؤسسات الدينية الى تلك الأطراف .

بالتالي فإن التساؤل كان دائما إذا كانت هذه الأطراف المختلفة التي كان من المفترض أن تكون هي من تتبنى خطابا معتدلا يسعى للتقريب بين وجهات النظر و الى الدعوة للسلام والصلح؛ كيف ستنتهي الحرب ؟؟ خاصة مع عدم تصور أن لأي طرف القدرة على اقصاء أو القضاء على الطرف الآخر نهائيا و التجربة اللبنانية ليست ببعيدة عنا.

هذا التساؤل هو ما دفع الكثير من المحللين والمتابعين الى القول بأن هذا الصراع الداخلي لن ينتهي الا بتدخل خارجي مهما كانت صورته ، وبالتالي فان هذا التدخل كان وسيكون دائما نتيجة لسعي الأطراف المختلفة مدعومة بأفراد ومؤسسات “النخبة ” للحصول على مكاسبها الخاصة دون النظر الى العواقب التي ستترتب عن أفعالها و أقوالها التي أصبحنا نعيشها اليوم .

***

محمد صالح تنتوش/ كاتب ليبي

____________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر