Minbar Libya

اهتزت تونس بالاحتجاجات بعد أن رفض الشعب التونسي اعتلاء رئيس الوزراء لمنصة مجلس الدولة، يوم الخميس، بمدينة تطاوين الجنوبية،

حيث انشغلت البلاد آنذاك بالعديد من الإضرابات العامة؛ بسبب ارتفاع معدلات البطالة (لتصل إلى 15% في جميع أنحاء البلاد وزادت نسبتها بين الشباب)؛ لتستمر عدة أسابيع، إلى جانب إضراب آخر في بداية الشهر تزامنًا مع فشل زيارة الوزير لحل مشاكل الشعب.

تعتبر تونس دولة أفريقية صغيرة في شمال القارة، يصل تعدادها السكني إلى 11 مليون شخص. كانت تُعرف تونس في وسط العالم، قبل شهر ديسمبر من العام 2010؛ بكونها عاصمة قرطاج القديمة، وبحاكمها الرئيس حبيب بورقيبة أثناء ذروة القومية العربية، وبتصوير فيلم حرب النجوم بها.

تحولت تونس إلى المسرح العالمي عندما أشعل بائع فاكهة نفسه بالنار في ديسمبر عام 2010، اعتراضًا على أسلوب المعاملة الوحشي من قبل رجال الشرطة التونسية وافتقارة للحياة الاقتصادية القويمة. تسببت هذه الحادثة في إشعال فتيل المظاهرات وأدت بالتالي إلى فرار زين العابدين بن علي، الرئيس التونسي، خارج البلاد متجهًا إلى السعودية مصطحبًا عائلته، ليعيش هناك حتى وقتنا الحالي.

وقتها، فشلنا كلنا في توقع ما قد يحدث في العالم العربي، أو أن حادثةً ما في تونس قد تؤدي إلى انتشار حالة عامة من العصيان في جميع أرجاء العالم العربي، ولكنها انتشرت، وبتوابع وخيمة.

أطلقت وسائل الإعلام على هذه الموجة الاحتجاجية “الربيع العربي” (حاولت البحث عن أول استخدام لمصطلح الربيع العربي فوجدته في موقع الفورين بوليسي في تاريخ 6 من شهر يناير لعام 2011). بعدها أعلنت إدارة باراك أوباما الأمريكية بدأ صفحة جديدة من التاريخ العظيم باندلاع مثل هذه المظاهرات المعبرة عن رأيها في العالم العربي لتنتهي فترة من عقود الديكتاتورية، وبدأ حياة ليبرالية ديمقراطية في الشرق الأوسط.

وتم اعتبار إطاحة الجيش المصري للرئيس حسني مبارك من السلطة، نصرًا للمتظاهرين الليبراليين، بينما اعتبرت المعارضة الرافضة لحكم بشار الأسد في سوريا آنذاك، بمثابة ثورة ليبرالية في سوريا. بينما شوهدت الانتفاضات الليبية ضد معمر القذافي ومشاركة الغرب للإطاحة بالنظام، أداة لتحقيق العدالة.

ولكن سرعان ما ثبت أن أمنيات الغرب لم تكن سوى أماني وأحلام. ففي مصر، لم يتغير النظام فعليًا أبدًا. فلا يزال الجيش المصري هو القوة المهيمنة على البلاد. فعلى الرغم من محاولات مصر للخوض في تحقيق الديمقراطية والتي أوصلت بمحمد مرسي، من جماعة الإخوان المسلمين، ليكون رئيسًا للبلاد، إلا أنه تم الإطاحة به من قبل الانقلاب العسكري، ليصبح السيسي (من الجيش المصري) رئيسًا لمصر، أو على الأقل يبدوا كذلك أمامنا في التليفزيون.

لا تقوم تونس على نفس العادات العسكرية القيادية، ولكن مركز قواها بقي كما هو؛ حيث تنبثق قوتها من وزير الداخلية والاتحادات وهياكل الأحزاب القديمة، مع تغيير أساميها واتخاذ شعارات جديدة.. يا لها من ثورة فعلاً!

وحين كان هناك تغيير للنظام في العالم العربي، عمّت الكوارث. فمن الصعب أن يطلق على كل من ليبيا وسوريا مصطلح “البلد” بعد الآن. فهي بلاد عفى على حدودها الزمن، بل وأصبحت مناطق تعرف بالقتال بين فصائلها وفقًا للقبائل والطوائف، وعلى حسب أيديولوجياتها.

بينما انخرطت اليمن في حرب أهلية منذ أن بدأت العديد من التظاهرات فيها، والتي سمحت بدخول عناصر تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية ومليشيات الشيعة المدعومة من قبل إيران، لتعمل داخل حدود اليمن المشتركة مع السعودية.

بينما اختلف السبيل في العراق عن بقية العلام العربي؛ بسبب غزو أمريكا لها في عام 2003. إلا أن ظهور داعش بها كان بسبب مرور العراق بالعديد من المصاعب الاقتصادية وهو ما تسبب في ظهور فراغات عديدة في مقاليد القوة؛ فاسم الدولة الإسلامية كان في الأساس “الدولة الإسلامية بالعراق”.

نجح جزء وحيد في العالم العربي في الحفاظ على استقرارة؛ الدول الملكية. حيث تم إخماد المظاهرات البحرينية، المحكومة من قبل السنة على الرغم من عموم أكثرية الشعب من الشيعة، بتعاون كل من السعودية ومجلس تعاون الخليج العربي.

الأردن نجحت أيضًا في الحفاظ على موقفها على الرغم من اجتياح اللاجئين السوريين لها. ونجحت المغرب في تحقيق الإصلاحات العديدة منعًا لخروج مظاهراتها عن قيد السيطرة. فلربما كان النظام الملكي ملائمًا أكثر لمثل هذا التحدي بسبب قيامها على أسس التفوق الملكي للملك نفسه؛ فإذا أمر الملك بشيء، لابد وأن يتم تنفيذه.

معظم العالم لم يستوعب أن معظم التظاهرات العربية تكونت من طبقات أخرى مختلفة عن الليبرالية. فكانت جماعات تعرف بطابعها الإسلامي. ولا يعني ذلك بالضرورة أن المسلمين لا يمكن أن ينتموا إلى الجانب الليبرالي أو أن الليبرالية لا يمكنها التعايش مع الإسلام؛ فنظريًا تستطيع الليبرالية التأقلم مع الإسلام. ولكن، فعليًا، لم يذكر في التاريخ أن الليبرالية طبقت في العالم العربي.

يُعد الإسلام هو العامل الوحيد الذي نجح في توحيد العالم العربي تحت شعار واحد، ومعظم زعماء العرب تصدعوا أمام الاتجاهات الإسلامية خوفًا من أي تغيرات محتملة قد تطبقها مثل هذه الحركات الإسلامية.

وبالطبع، كان زعماء العرب محقين في مخاوفهم؛ حيث تم اغتيال الرئيس المصري السابق أنور السادات من قبل جماعة مهدت لظهور تنظيم القاعدة عرفت باسم “الجهاد الإسلامي المصري”، بينما تسببت داعش في تدمير السياحة التونسية من خلال مهاجمة شواطئها.

فبدأت مؤشرات انفجار الحركات الإسلامية العدوانية المكبوتة، والتي تسببت في كوارث القرن العشرين، منذ عام 1980. وفشل الغرب ف التصرف معهم آنذاك. ولقد أثبتت أحداث اليوم أن أسامة بن لادن كان محقًا في تحليله للعالم العربي ومعاداته لزعمائه الذين تسببوا في نهب شعوبهم، وعلى الرغم من أنه فشل في تحقيق أهدافه، إلا أنه كان محقًا.

كانت تونس البلد التي منحت العالم العربي الأمل بالربيع العربي، إلا أنها كانت بمثابة ميلاد نظم جديدة تطورت بشكل سيء. ولكن أنظروا لما حدث في الثورة الفرنسية، الحرب الأهلية الأمريكية، والعديد من الصراعات الأخرى في أوروبا على مدار عقود عديدة، وأخذت أعوام عديدة لتتبلور في هيئة الديمقراطية الحالية، أما في تونس، فقد وضع دستور جديد، وأقيمت انتخابات رئاسية جديدة، وتم تداول السلطة بطريقة سلمية وأقنعت حزب إسلامي للعمل وفقًا لهيكل حكومي جيد.

وعلى الرغم من ذلك كله، لا تزال تونس في مأزق اقتصادي كبير وهدفًا من قبل داعش والعديد من المليشيات الأخرى. فأصبحت لا تعتبر مثالاً على نجاح الربيع العربي، ولكنها أفضلهم.

لم يكن هناك ربيع عربي أبدًا، فلابد وأن يتوقف العالم عن استخدام هذا المصطلح. فما حدث في عام 2011 كانت حركة يقظة من الإسلاميين نتجت عنها حروبا أهلية استمرت حتى الآن في العديد من الجبهات؛ من سوريا والعراق واليمن وشبه جزيرة سيناء وليبيا والحدود التونسية الجزائرية، إلى جانب الشيعة والسنة والعلمانية والدينية والقبلية.

***

ترجمة صحيفة تقرير عن المقال الأصلي في موقع جيوبوليتيكال فيوتشرز

_________________________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر