Minbar Libya

بقلم د. محمد بالروين

الشائع في أغلب الاوساط الاجتماعية أن الصعلوك هو شخص خارج عن عادات المجتمع وتقاليده، ومتمرد عن المحيط الذي يعيش فيه. وحدد الدكتور شوقي ضيف، في كتابه العصر الجاهلي”…

معنى الصعلوك لغة بأنه الفقير الذي لا يملك المال الذي يساعده على العيش وتحمل أعباء الحياة، مؤكداً أن هذه اللفظة تجاوزت دلالاتها اللغوية وأخذت معاني أخرى كقطاع الطرق الذين يقومون بعمليات السلب والنهب.”

أما الدكتور الكنعاني فيقول إن “لفظ صعلوك الذي سمعته يتردد بين أقراني، عندما يريدون أن يسبوا، أو يسخروا من رفيق لنا رث الهيئة فقير الحال والنسب والحسب..”، واستمر الدكتور الكنعاني في القول”… شرح مدرس اللغة العربية، وهو يقول: كان الصعاليك خارجين عن القانون، وكانوا لصوصاً وقطاع طريق.

وعندما عدت إلى معاجم اللغة، خاصة قاموس الفيروز بادي ولسان العرب لابن منظور، وجدت أن معنى الصعلكة هو الفقر، والصعلوك هو الفقير الذي لا مال له يستعين به ولا اعتماد له على شيء أو أحد،” (راجع: الكنعاني، أخبار الوطن, 2013).

ولعل خير مثال علي الصعلكة الاجتماعية والاقتصادية هو ما قام به ذلك الشاعر الجاهلي “عروة بن الورد” الذي كان يسرق ليطعم الفقراء ويحسن إليهم.

وكان يلقب بـ “أبو الصعاليك”, لجمعه إياهم وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم ولم يكن لهم معاش ولا مغزى.

وقد وصف الاستاذ مصطفى المرابط، في مقال له بعنوان “عروة بن الورد: أمير الصعاليك أو الصعلوك النبيل،” صعلكة عروة بأنها نبيلة، وعلى أنه “شاعر تركَ بصمةً واضِحةً في سجلِّ الشِّعر الجاهلي؛ لما عُرفَ به مِن إنسانية ونبْل وتضحيَة وفَناءٍ للذات ونُكرانٍ لها في سبيل الإنسانية والحياة والعدل والمُساواة، فهو لم يقمْ بأعمال الإغارة والسلب والنَّهبِ مِن أجل نفسه أو بغيةَ الاغتناء وتحصيل الثروة، بل كانت مُغامراته وإغاراته من أجل جماعة الفقراء التي كانت تأتي عنده كلما اشتدَّ بها الحال وضاق بها العيش، كان ينهَب من الأغنياء ويَمنحُ الفُقراء ويُساعدهم.”(راجع: المرابط , 2015).

وقد وصفت جريدة البيان اللبنانية عروة بن الورد بــ “أمير الصعاليك” و”أبو الفقراء”, لأنه كما قالت “كان يغير على أغنيائهم ويسبي من الأنعام ما قدر عليه ويذبحها ويوزعها على الفقراء الذين يتوسدون الأرض فراشاً ويلتحفون السماء غطاء.

وقد دانت له بالمعروف كل البطون الخاوية وسودوه عليهم دون طلبه، وأصبح رمزاً واستحوذ على لقب ربما هو الأول من نوعه في العالم فكان “أبو الفقراء” (راجع: البيان اللبنانية).

ويُروى عن عبد الملك بن مروان انه قال “عندما تعرض أحد الأثرياء لعروة بن الورد ووصفوه بأنه مضنىً و أنه هزيل شاحب اللون، فقال لهم إنني يشاركونني كثيرون من المحتاجين والسائلين وذوي الحاجة في شرابي أو طعامي أما أنت فلا يشاركك أحد فلست أنا الخليق بالهزؤ والسخرية إنما الخليق بذلك أنت السمين البخيل” (راجع: منتديات فرسان الثقافة , اكتوبر 2015).

الصعلوك السياسي

إذا كانت الصعلكة الاجتماعية والاقتصادية مقبولة في العصور الماضية، ولها بعض المحاسن والنبل، وهناك ما يُبررها في بعض الأحيان والظروف، فان الصعلكة السياسية – وخصوصا هذه الايام – هي عكس ذلك تماما.

فالصعلوك السياسي هو شخص يتعاطى السياسة في دولته لا لشيء إلا لسرقة الفقراء والمواطنين البسطاء لتحقيق مصالحه الانانية فقط.

بمعني الصعلوك السياسي ليس هو ذلك الفقير الذي يسرق لانه لايملك قوت يومه، وليس هو الذي لا يملك المال الذي يساعده على العيش، وليس هو فقير الحال والنسب والحسب، وليس هو السارق الذي يسرق ليطعم الفقراء والمحتاجين ويحسن إليهم، وليس هو ذلك الصعلوك النبيل – كصعلكة عروة بن الورد – وإنما هو الصعلوكُ الفاسد اقتصاديا والشرير اجتماعيا، والخارج عن قانون المجتمع وعاداته وتقاليده، وهو الشخص الذي يعمل جاهدا على تغيير الثوابت الاجتماعية والأخلاقية التي يعتقد بها شعبه.

إنّ جلّ الصعاليك الذين وجدوا في قديم الزمان – وخصوصا قبل ظهور الاسلام – كانوا أرجل وأنبل وأشجع من صعاليك السياسة هذه الأيام!

فصحيح أنّ الصعاليك الذين وجُدوا في قديم الزمان كانوا يقتلون ويغتصبون أموال الناس، لكنهم كانوا يفعلون ذلك عيانا ومواجهة وعن بينة، ومن أجل مساعدة الفقراء والمُحتاجين.

فكانوا يأخذون من الاغنياء ليطعموا الفقراء.

أما صعاليك السياسة اليوم فهم وبحق مجرد مرتزقة فاسدين، وليس لهم من شغل إلا سرقة المال العام واحتكار الأسواق والسلع، وبكل الطرق والوسائل المُتاحة لهم.

ليس هذا فقط بل هم على استعداد للتنازل عن كل شيء، والعمل مع كل من يخدم مصالحهم حتى ولو قادهم ذلك للعمالة وخيانة الوطن، ولعل أحسن وصف يليق بهؤلاء البشر أنهم خريجو مدرسة “تأبط شرا(المتوفي عام 530 م)، الذي قالت له أمه: “ألا ترى غلمان الحي يجتنون لأهليهم الكمأة (الفقع) فيمتارون لهم؟ فقال: أعطني جرابك حتى أجتني لك فيه، وبدلاً من أن يملأ جراب أمه بالكمأة، صاد عدداً من الأفاعي وصك عليهن الجراب ودخل على أمه يتأبط الجراب الجلدي السميك ففرحت، فأطلق الأفاعي تجوس في بيتها ففزعت وصرخت لقد تأبطت شرا.” (راجع: كتاب الأغاني)…

فهل هناك وصف يُليق بهؤلاء الصعاليك السياسيين في هذا العصر، أحسن من وصفهم بـ “تأبطوا شرا.” فهم من وثق بهم الشعب، ووضع عندهم أمانة المال العام فخانوها وسرقوها، ونشروا الفساد في كل ما تبقي من مفاصل الدولة!

والحقيقة المرة أن الصعلكة السياسية قد أصبحت هذه الأيام ظاهرة اجتماعية مَرضَية مُعدية.

وأن الوطن، نتيجة لهذه الظاهرة – قد تحول الي “مستنقعات” يملكها مجموعة من الفاسدين المُفسدين، الذين قاموا باستغلال كل من حولهم، والتعدّي على كرامتهم، وانتهاك حرماتهم.

وكانت نتيجة أعمالهم أن عمّ الفساد في البر والبحر، وأصبح المواطن بسيط المسكن، فقير الحال، ضحية للسلب والنَّهبِ. فهل آن الأوان أن تعود الامور إلى نصابها، وان تصبح لنا دولة يحكمها القانون ويسودها العدل؟!!!

وأخيرا، ما أحوجنا اليوم – في هذه الفوضى العارمة والفساد المستشري في كل مكان – إلى توحيد صفوف الفقراء في كل ربوع الوطن وجمع كلمتهم، لمواجهة هؤلاء المفسدين في الأرض.

وما أحوج هؤلاء الفقراء والمواطنين البسطاء إلى “صعلوك نبيل ” – كصعلكة عروة بن الورد الذي كان يُلقب بأمير الصعاليك أو الصعلوك النبيل.

لقد وصفت صعلكة عروة بأنها “نبيلة”، لأنها تركَت بصمةً واضِحةً ومُشرفة في عصره الجاهلي؛ لما عُرفَ به مِن إنسانية ونبْل وتضحيَة ونُكرانٍ للذات في سبيل الإنسانية والحياة والعدل والمُساواة بين أبناء قومه..

فهل آن الأوان لهؤلاء الصعاليك السياسيين أن يستحوا، وأن يتركوا هذا الشعب المسكين وحاله؟

وإذا لم يكن بمقدورهم القيام بذلك، فليس لدينا ما نقول لكم إلا ما قاله رسولنا (ص): “إذا لم تستح، فاصنع ما شئت.”…

والله المستعان.
***

د. محمد بالروين ـ كاتب وأكاديمي وناشط سياسي ، وعضو هيئة صياغة الدستور الليبي

 _____________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر