Minbar Libya

بقلم سليم مصطفى بودبوس

مع من تَتعامل الدولُ رسمياً في ليبيا؟ مع من تُوَقَّع المعاهدات والاتفاقات؟ في مصلحة من يصبّ استمرار الوضع على ما هو عليه؟ إلى متى تتحكم أطراف خارجية دولية في مصير هذا البلد العربيّ؟ وأين الجامعة العربيّة من كل هذا؟ بل أين المنتظم الأمميّ ذاته؟

تواردت على خاطري هذه الأسئلة وغيرها وأنا أقرأ عن الاتفاق الليبي الإيطالي بشأن الهجرة غير النظامية؛ ذلك أنّ المجلس الرئاسي الليبي برئاسة فائز السراج المدعوم دولياً، والمنبثق عن اتفاق الصخيرات بالمغرب، كان قد وقّع مع رئيس الوزراء الإيطالي باولو جنتيلوني، مذكرة تفاهم بشأن «التعاون في مجالات التنمية ومكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر وتهديد أمن الحدود بين ليبيا وإيطاليا»، وذلك في فبراير/ شباط الماضي بروما، وهي اتفاقية كثر اللغط بشأنها من حيث المضمون والشكل.

أمّا من حيث فحوى الاتفاق ومضمونه، وبحسب نص الاتفاق بين الطرفين، فإنّ إيطاليا تتعهد بمضاعفة الدعم والتدريب لخفر السواحل الليبية ومراقبة الحدود الجنوبية للبلاد، مقابل أن تقبل ليبيا ببناء مراكز لإيواء المهاجرين غير الشرعيين داخل أراضيها تموّلها إيطاليا، استعداداً لترحيلهم لبلدانهم. في حين يشكّك البرلمان في ما سبق، معتبراً أنّ الاتفاق ينص كذلك على توطين المهاجِرين غير القانونيين الذين يقبَض عليهم قبالة السواحل الليبية.

وأمّا من حيث الشكل فيعتبر الطرف الحكومي، بحسب وزير الخارجية محمد سيالة، نفسه ذا صفة دستورية وذا شرعية تخوّل له توقيع مثل هذه المعاهدات. أمّا البرلمان المنعقد في طبرق فقد عبّر عن اعتراضه على مذكرة التفاهم بشأن الهجرة غير الشرعيّة، معتبراً أنها «باطلة وغير ملزمة لليبيا»، وأنّ «رئيس المجلس الرئاسيّ لا يحمل أي صفة للتوقيع عليها»؛ ففائز السراج في نظر البرلمان لا يحمل أيّ صفة قانونية بدولة ليبيا وفقاً لـ»الإعلان الدستوري» الصادر عن البرلمان، مؤكداً أن مسألة الهجرة غير الشرعية من القضايا المصيرية المرتبطة بقرارات الجهة التشريعية الوحيدة في البلاد وهي مجلس النواب.

ولم يتوقف الاختلاف عند طابعه السياسي والقانوني، بل أخذ صبغة قضائية ملزمة قانوناً من خلال إصدار محكمة الاستئناف بطرابلس حكماً قضائياً يعلق بمقتضاه تنفيذ الاتفاق الليبي الإيطالي بشأن الهجرة غير النظامية. كما اعتبر البرلمان أنّ مسارعة الحكومة الإيطالية، وبعض الدول الأوروبية إلى توقيع مثل هذا الاتفاق، يرمي إلى التخلص من الأعباء والمشاكل الخطيرة المترتبة على الهجرة غير الشرعية، مستغلةً في نفس الوقت هشاشة المجلس الرئاسي وارتهانه إلى الدول العظمى خدمةً لمصالحها.

يأتي هذا الانقسام بشأن مذكرة التفاهم الليبية الإيطالية، في ظرف يزداد فيه الوضع في ليبيا تأزماً بين الفرقاء في الداخل، خاصةً من الناحية السياسية والعسكرية، وليس التحشيد العسكري من طرف الميليشيات في طرابلس إلا عيّنة لمدى خطورة الوضع، ودليلاً آخر على أنّ المجلس الرئاسي لا يمسك لوحده بزمام المبادرة في القرار وعلى الميدان، بل لعلّه واقع تحت ضغط الميليشيات، وما تخبّطه في إصدار بيانات إدانة المتظاهرين الجمعة قبل الماضي وتراجعه عن ذلك إلا دليلاً على ضعف موقفه. ويضيف مراقبون أنّ السرّاج يشعر بالإحباط بسبب حجم الضغوطات التي يتعرّض لها من الجماعات المسلحة، واكتفاء المجتمع الدوليّ بإصدار بيانات الدعم المعنوي دون مساعدات مادية تذكر.

إنّ التحركات العسكرية الميدانية الأخيرة في ليبيا تُنذر بالانفجار في أية لحظة، والصدام المسلح على وشك الحدوث بين المجموعات المسلحة الموالية للوفاق من جانب، والمجموعات المحسوبة على مصراتة من جانب آخر، والمدعومتين من أطراف خارجية إقليمية ودولية.

وإزاء هذه الفوضى السياسية وتنامي التهديدات الإرهابية، وعلى رغم نفي الدول الأوروبية الفاعلة نيتها التدخل الميداني في ليبيا، لاحظ المراقبون سعي واشنطن بسط نفوذها أكثر داخل ليبيا من خلال بناء قاعدة جوية عسكرية لطائرات دون طيار في مدينة أغاديز بالنيجر، لمراقبة الأوضاع داخل ليبيا من خلال السماح لطائرات «ريبر» بتنفيذ طلعات جوية للاستطلاع عن قرب ومراقبة تحركات تنظيم «داعش»، حيث ترى واشنطن أن عناصر التنظيم قد فرّت من سرت إلى الجنوب.

في هذا المعترك المحتدّم سياسياً وعسكرياً، ونظراً لفشل المبعوث الأممي مارتن كوبلر في مهمته بليبيا، تبرز مبادرة دول الجوار الليبي: تونس، الجزائر ومصر والتي يؤيدها أغلب الفرقاء الليبيين وهو ما يوحي بنجاحها، لكونها تستبعد كل تدخل عسكري خارجي، وتراهن على العنصر الليبي في تحقيق الوفاق والأمن لبلده، لولا أنّ أطرافاً خارجية عربية ودولية تؤيّد هذا الفريق أو ذاك وتسعى إلى إفشال المبادرة؛ إذْ حينما اقترب تفعيل المبادرة وعقد القمة جرى افتعال أزمات وحدثت تلك التطورات العسكرية بغية التشويش على هذه المبادرة وعرقلتها.

ولعلّ الفرصة مواتية لهذه المبادرة خاصةً بما تلقاه من دعم من منظمات إقليمية ودولية، كالإتحاد الإفريقي الذي يرفض التدخل الأجنبي في ليبيا، وجامعة الدول العربية التي قد تجد في هذه المبادرة فرصةً لإعادة الاعتبار إلى هذا الكيان شبه الغائب. كما أنّ الأمم المتحدة تشعر بحرج كبير بعد فشل مبعوثها، لذا فهي تدعم كل جهود سلمية للحل داخل ليبيا.

لذا على القوى الخارجية والإقليمية الكفّ عن تغذية الصراعات المسلحة من أجل إنجاح قمة دول الجوار ومبادرتهم لحلحلة الوضع في ليبيا.

_____________________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر