Minbar Libya

اعداد : د. شاهر إسماعيل الشاهر

الكلِبتوقراطية مصطلح يعني نظام حكم اللصوص. وهي كلمة يونانية مشتقة من لفظين؛ “كلبتو” (Κλεπτο) بمعنى لص، وقراط” (κρατ) بمعنى حُكم. وهي نمط الحكومة الذي يراكم الثروة الشخصية والسلطة السياسية للمسؤولين الحكوميين والقلة الحاكمة، وذلك على حساب الشعب والجماعة.

***

رابعاً: الشمولية أو الكُليَّانية

كلمة الشمولية ظهرت أولاً في ايطاليا « Totalitario » عام 1925, وانتشر استعمالها بمعنى سلبي, قبل أن يعطيها منظرو الفاشية معناها الايجابي. والشمولية مفهوم يستعمل من قبل علماء السياسة لوصف الدولة التي تحاول فرض سلطتها على المجتمع وتعمل على السيطرة على كافة جوانب الحياة الشخصية والعامة قدر إمكانها.

تطور المصطلح في عشرينيات القرن العشرين من قبل المحامي الألماني النازي كارل شميت والفاشيست الإيطاليين. استخدم كارل شميت المفهوم في كتابه “مفهوم السياسة” الصادر عام 1927، ليقدم أسساً قانونية للدولة البالغة القوة. وأصبح المفهوم رائجاً في الأوساط الغربية المناهضة للشيوعية خلال حقبة الحرب الباردة، من باب إظهار التشابه بين ألمانيا النازية ودول فاشية يمينية أخرى من جهة، والحزب الشيوعي السوفييتي اليساري من جهة أخرى. حركات وحكومات أخرى وصفت بأنها شمولية مثل الإتحاد الإسباني لحق الحكم الذاتي الذي ظهر مابين 1933 و1937 في الجمهورية الإسبانية الثانية.

تمت صياغة مفهوم الشمولية بأنها “شمول” السلطة السياسية من قبل الدولة في عام 1923 من قبل جيوفاني أمندولا، الذي وصف الفاشية الإيطالية كنظام مختلف اختلافاً جوهرياً عن الديكتاتوريات التقليدية. تم تعيين معنى إيجابي للمفهوم في كتابات جيوفاني جنتيلي، المنظر الرئيس للفاشية. استخدم جنتيلي مفهوم الشمولية للإشارة إلى بنية وأهداف الدولة الجديدة، وهي “التمثيل والتوجيه الشامل للأمة والأهداف القومية”. وصف الشمولية بأنه مجتمع تؤثر فيه إيديولوجية الدولة والسلطة على معظم المواطنين. وفقاً لبينيتو موسوليني، هذا النظام يسيس كل شيء روحي وبشري، “كل شيء داخل الدولة، لا شيء خارج الدولة، لا شيء ضد الدولة”.

إي سنغ مان الذي أصبح لاحقاً أول رئيس لكوريا الجنوبية، استخدم مصطلح الشمولية في كتابه “اليابان من الداخل إلى الخارج” الصادر عام 1941 لوصف الحكم الياباني لدول آسيوية عديدة وصنفه بأنه معارضة للعالم الديمقراطي، حيث للأفراد أهمية أكبر من المجتمع نفسه. فريدريش فون هايك، ساعد في تطوير فكرة الشمولية في كتابه الناقد للاشتراكية والمدافع عن المنافسة الاقتصادية والمعنون “الطريق إلى العبودية” الصادر عام 1944.

في المقدمة، هايك يظهر تناقض القيم البريطانية الغربية مع ألمانيا النازية تحت حكم أدولف هتلر ، مشيراً إلى أن الصراع بين اليسار واليمين داخل حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني هو صراع دائم بين الفصائل الاشتراكية المتنافسة. وقال عن ألمانيا وإيطاليا وروسيا ” تاريخ هذه البلدان في السنوات التي سبقت صعود نظام شمولي فيها أظهر بعض الميزات التي لا نعرف عنها”.

الفيلسوف الليبرالي كارل بوبر، في كتابيه المؤثرين في نقد الشمولية “المجتمع المنفتح وأعداؤه” (1945) و”فقر التاريخانية(1961)، أكد أن الديمقراطية الليبرالية تتناقض مع الشمولية، وجادل أن هذه الأخيرة ترتكز على الاعتقاد بأن التاريخ يتحرك نحو مستقبل غير قابل للتغيير وفقاً لقوانين معروفة. حنة آرنت في كتابها “أصول الاستبداد” الصادر عام 1951 والتي حللت فيه ظواهر النازية والستالينية، جادلت بأن الأنظمة والدول الشيوعية والنازية كانت أشكالاً جديدة من الحكومة، وليست مجرد نسخ مجددة لأنظمة قديمة من الطغيان.

ووفقاً لآرنت، مصدر جاذبية  الأنظمة الشمولية للجماهير هي عقيدتها، والتي توفر إجابات واحدة ومريحة لكل أسرار الماضي والحاضر والمستقبل. وتضيف أنه وبالنسبة للنازية، كل التاريخ هو تاريخ من الصراع العرقي أو الإثني، وللاشتراكية، كل التاريخ هو تاريخ صراع الطبقات الاجتماعية، وبمجرد قبول هذه الفرضيات يمكن تبرير كافة إجراءات الدولة بالاحتكام إلى طبيعة وقانون التاريخ المفترض، وبالتالي عقلنة إنشاء نظام الدولة الاستبدادي.

درس كثير من العلماء غير المذكورين أعلاه ومن مختلف الخلفيات الأكاديمية والآيدولوجية ظاهرة الشمولية، وقدموا تعريفات مختلفة لها ولكنهم جميعهم يتفقون بأن الشمولية هي السعي إلى تعبئة المواطنين لدعم الإيديولوجية الرسمية للدولة، وغير متسامحة مع النشاطات التي لا تخدم أهداف هذه الدولة، تستلزم القمع وسيطرة الدولة على الأعمال التجارية أو النقابات العمالية، ودور العبادة أو الأحزاب السياسية.

1- عناصر الشمولية:

للشمولية عناصر أساسية، وهي:

  • الظاهرة الشمولية تأتي في نظام يعطي حزباً واحداً احتكار النشاط السياسي بكامله.

  • يقوم الحزب المحتكر على إيديولوجية يتسلح بها, وتقود فعالياته. ويمنحها سلطة مطلقة. وتصبح بالتالي الحقيقة الرسمية للدولة.

  • لنشر هذه الحقيقة الرسمية تقوم الدولة بنفسها باحتكار مزدوج لوسائل القوة ووسائل القمع. وتضع تحت إدارتها وتوجيهها مجموعة وسائل الاتصالات, من صحافة وإذاعة وتلفيزيون, وغيرها من الوسائل.

  • تخضع النشاطات الاقتصادية والمهنية للدولة, وتصبح جزءاً منها, وبما أن الدولة غير قابلة للفصل عن إيديولوجيتها, فإن غالبية النشاطات الاقتصادية والمهنية تطبع بالطابع الرسمي.

  • وعندها تصبح الدولة منظمة الأنشطة وخالقها. ويصبح كل نشاط خاضع للإيديولوجية الرسمية. وكل خطيئة ترتكب في نشاط اقتصادي, أو مهني, يعتبر خطأً إيديولوجياً.

2- الفرق بين الأنظمة السلطوية والشمولية

مصطلح “نظام سلطوي” يدل على حالة يكون فيها صاحب السلطة واحد وهو الفرد الديكتاتور، أو مجلس عسكري أو مجموعة نخبوية صغيرة تحتكر السلطة السياسية. النظام الشمولي من جهة أخرى، يحاول السيطرة على كل جوانب الحياة الاجتماعية تقريباً بما في ذلك الاقتصاد والتعليم والفن والعلوم والحياة الخاصة وأخلاق المواطنين.

الأيديولوجية المعلنة رسميا ًتخترق أعمق روافد الهيكل المجتمعي وتسعى الحكومة الشمولية إلى السيطرة تماماً على أفكار وأفعال مواطنيها. الشمولية هو نسخة متطرفة من السلطوية. التسلط يختلف في المقام الأول عن الشمولية، فالمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية الموجودة ليست تحت سيطرة الحكومة.

ويسيطر النظام الشمولي على المجتمع من خلال:

  1. التركيز الأقصى على السلطة.

  2. الحكم بالقوة والتهديد وبالتخويف.

  3. إفساد العلاقات الإنسانية والعامة.

  4. الدعوة إلى التعبئة ضد مؤامرة العدو. العدو سيئ يعمل في الظلام, يخرب ويتآمر.

:والجدول التالي يوضح الفرق بين خصائص النظم السلطوية والنظم الشمولية

. يقول باول سندرول، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولورادو، أنه في حين أن كلا السلطوية والشمولية أوجه مختلفة من الأوتوقراطية، فإنها تختلف في ثنائيات رئيسة:

  • في الديكتاتوريات الشمولية يطور القائد أو الزعيم كاريزما عبادة شخصية أمام الجماهير في نظام شبه ديمقراطي يعتمد على رابطة متبادلة بين الجماهير والقائد من خلال التلاعب بوعيهم وخلق صورة شبه نبوية لشخصيته.

  • السلطويين ينظرون إلى أنفسهم كأفراد راغبين في السلطة ويريدون الحفاظ عليها، أما الشموليون فنظرتهم إلى أنفسهم غائية أسطورية تقريباً فهم ليسوا مجرد طغاة بل وظيفتهم تغيير وإعادة تشكيل الكون من جديد.

  • السلطويين يفتقدون الأيديولوجية، يحكمون بمزيج من غرس الخوف ومنح المكافآت إلى المتعاونين المخلصين، وتوليد حكومة كليبتوقراطية في نهاية المطاف.

3- صفات النظام الشمولي:

حسب كارل فريديريخ، هناك خمس صفات أساسية تميز النظام الشمولي، وهي:

  1. حزب وحيد يراقب جهاز الدولة, يديره رئيس ذو كاريزما خاصة.

  2. إيديولوجية دولة تحتوي على أبعاد خارج حدودية وأممية.

  3. جهاز بوليسي يعمد للإرهاب.

  4. إدارة مركزية للاقتصاد.

  5. احتكار وسائل الاتصال الجماهيرية.

وهكذا، بالمقارنة مع الأنظمة الشمولية، النظم السلطوية تترك مجالاً أكبر للحياة الخاصة، تفتقر إلى توجيه للفكر، تحمل بعض التعددية في التنظيم الاجتماعي، وتفتقر إلى القدرة على تعبئة السكان للسعي إلى تحقيق الأهداف الوطنية، وتمارس السلطة ضمن حدود يمكن التنبؤ بها نسبياً.

***

د. شاهر إسماعيل الشاهر – أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعتي دمشق والفرات – مدير المركز الوطني للبحوث والدراسات بدمشق

_____________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر