Minbar Libya

  اعداد : د. شاهر إسماعيل الشاهر

الكلِبتوقراطية مصطلح يعني نظام حكم اللصوص. وهي كلمة يونانية مشتقة من لفظين؛ “كلبتو” (Κλεπτο) بمعنى لص، وقراط” (κρατ) بمعنى حُكم. وهي نمط الحكومة الذي يراكم الثروة الشخصية والسلطة السياسية للمسؤولين الحكوميين والقلة الحاكمة، وذلك على حساب الشعب والجماعة.

ويعد القرن العشرين قرن النقاش المفتوح حول قضية الديمقراطية. ولكن النقاشات المحتدمة حول الموضوع لم تخرج عن بوتقة الفكر الليبرالي في مقابل الفكر الاشتراكي: أي بين الديمقراطية الليبرالية والديمقراطية العمالية.

وهناك عدد من الدول غير الديمقراطية، والتي سيتم تصنيفها على الشكل التالي:

أولاً: الدكتاتورية Dictatura

الدكتاتورية كلمة لا تينية: وهي شكل من أشكال الحكم المطلق حيث تكون سلطات الحكم محصورة في شخص واحد كالملكية أو مجموعة معينة كحزب سياسي أو ديكتاتورية الجيش. وكلمة ديكتاتورية مشتقة من الفعل (dictātus ديكتاتوس ) بمعنى يُملي أو يفرض أو يأمر، وللديكتاتورية أنواع حسب درجة القسوة فالأنظمة ذات المجتمعات المغلقة التي لا تسمح لأي أحزاب سياسية ولا أي نوع من المعارضة وتعمل جاهدة لتنظيم كل مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية وتضع معايير للأخلاق وفق توجهات الحزب أو الفرد الحاكم تسمى  أنظمة شمولية مثل ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي والفاشية، ويمكن اعتبارها نسخة متطرفة من السلطوية حيث أن الأنظمة السلطوية لا تتحكم في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية للبلد من الناحية النظرية على الأقل، والأنظمة السلطوية بشكل أدق هي الأنظمة التي لا تحكم وفق أيديولوجية سياسية محددة ودرجة الفساد فيها أعلى من تلك الشمولية.

ظهرت في تلك الفترة عدد من الأنظمة السياسية التي وصفت من قبل أصحاب المذهب الليبرالي بالدكتاتورية مثل الأنظمة الفاشية في إيطاليا وألمانيا والنظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي، حيث اتسمت تلك الأنظمة حسب الليبراليين بسمات الدكتاتورية مثل نظام الحزب الواحد، تعبئة الجماهير بايدولوجيا النظام الحـاكم، السيطرة على وسائل الإعلام وتحويلها إلى بوق للدعاية لصالح النظام، توجيه النشاط الاقتصادي والاجتماعي للجماهير توجهاً ايدولوجياً لصالح النظام الحاكم والاستخدام التعسفي لقوة الأجهزة الأمنية من أجل ترويع المواطنين. ومن الأمثلة على الحكام الدكتاتورين.

1- الدكتاتورية مـا بعد الحرب العالمية الثانية:

يرى أصحاب المذهب الليبرالي أن الدكتاتورية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أصبحت ملمحاً بارزاً في العديد من دول العالم الثالث حديثة الاستقلال، والتي غلب على أشكال الحكم في معظمها الطابع العسكري، كما أن الدول ذات أنظمة الحكم الشيوعية والاشتراكية اعتبرت دكتاتوريات أيضاً من وجهة نظر اللبيراليين. وقد احتجوا في ذلك لغياب الاستقرار السياسي عن الكثير من هذه الدول وشيوع الانقلابات العسكرية والاضطرابات السياسية فيها، فضلاً عن ظهور مشكلات تتعلق بمسألة الخلاف على السلطة.

2- أنماط الدكتاتورية

للدكتاتورية عدة أنماط، منها:

  1. الدكتاتورية الفردية. وتكون بتسلط فرد على مقومات الدولة تسلطاً شاملاً معتمداً على القوة العسكرية التي للدولة. ويقصد بالمقومات (الأرض، الثروة، الشعب، الحكم)، وغالباً ما يتصور الدكتاتور نفسه هنا بأن له صلة روحية بالله الذي يلهمه ما يجب أن يفعل، أو أنه يتصور نفسه أنه هو الإله، ولذا يحيط نفسه بهالة من الحصانة والعصمة.

  2. الدكتاتورية الجماعية. وتكون بتسلط جماعة على مقومات الدولة.

وكلا النوعين السابقين يكون في الدولة ذات طابع الملكية المطلقة، أو الدولة ذات طابع الجمهورية. وتختلف فيه الدولة الملكية عن الجمهورية بفرض قدسية الأسرة الحاكمة على الشعب وادعاء الحصانة المطلقة لها. والطبيعة الاجتماعية للدكتاتورية تظهر في المجتمعات المتخلفة والمتقدمة أيضاً، إلا أن في المجتمعات المتخلفة يتحمل المجتمع أكبر قدر من صناعة ذلك الاستبداد نتيجة التقوقع الاجتماعي والتعصب العشائري والقبلي.

أما في المجتمعات المتقدمة فيحدث الطغيان والاستبداد الواعي بأسباب عديدة، منها: غياب الوعي الجماعي عن السلطة الفوقية، وتحول المجتمع إلى آلة عمل متناسقة ومتناغمة للعيش وإشباع الغرائز فقط، ففي المجتمعات المتقدمة يكون الاستبداد فكري وليس عملي، فهو لا يقتل الإنسان ويحفر مقابر جماعية، بل يقتل الروحية المتحركة والفكر المتطور بحجج وأساليب خفية تسبق الزمن الآني (مستقبلية).

3- سمات الدكتاتور:

  1. قمع الشعب في الداخل، وشن الحروب على الجوار.

  2. تشكيل الشعب بقالب معين، وتدجينه وفق أيدلوجية معينة.

  3. استغلال الدين لتثبيت حكمه.

  4. بناء جهاز استخباراتي قوي ونشيط يتخلل الشعب.

ثانياً: التسلطية أو السلطوية

شكل من أشكال الحكم تدير فيه البلاد فئة قليلة من الناس، ويسهم بقية السكان بقسط ضئيل في صنع القرار، وقد تقوم الدول التسلطية بحظر الانتخابات أو تقييدها بشدة، أو التلاعب بها لتلائم أهدافها الخاصة، ويمكن أن تحد من سلطات الهيئات التشريعية التي تمثل الشعب مثل البرلمان ومجلس الشيوخ، وتقيد الحرية الفردية، ويتمثل التسلط في نماذج من الحكومات مثل الحكومات الاستبدادية والديكتاتورية.

فالتسلط هو نمط من أنماط ممارسة السلطة يصف الوضع الذي يستحوذ فيه فرد أو مجموعة من الأفراد على الحكم دون الخضوع لأي قاعدة أو قانون، ودون أي اعتبار لجانب المحكومين, وما يميز هذا النمط من العلاقات بين أداة الحكم والرعية هو تدني درجة المشاركة السياسية، وتقييد الحرية الفردية, وحضر كافة المؤسسات التشريعية.

ويتجسد التسلط في الممارسات القسرية للحكومات التي تختلف باختلاف أهدافها وأساليبها المختلفة؛ ففي حين يحاول بعضها تغيير الواقع وفقاً لجملة من المبادئ التي يقررها من بيدهم السلطة، فإن البعض الآخر يهتم أساساً بتركيز السلطة وممارستها بصورة بهيمية وقاسية.

تختلف أهداف الحكومات التسلطية وأساليبها. ففي الدولة الدكتاتورية مثلاً يحاول القادة تغيير المجتمع وفقاً لمجموعة من المبادئ. وقد يكون الحكم في الدولة المستبدة مهتماً فقط بالحصول على الثروة الشخصية والسلطة. وتقوم بعض الدول التسلطية باستخدام السلطة بصورة قاسية وظالمة، ولكن بعضها الآخر قد لا يقوم بذلك. وقد تتبع الدول الديمقراطية في بعض الأحيان الأساليب التسلطية في الحروب، أو غير ذلك من الحالات الطارئة.

ويرجع أغلب المحللين سبب نشوء دولة السلطة في دولنا العربية في عصرنا الحاضر إلى عدة أسباب، أهمها:

1- تأثر أحزابنا الحاكمة بالنموذج الاشتراكي السوفيتي وما نتج عنه من هيمنة موضوعات نظرية وسياسية جرى اعتمادها عند بناء الدولة السوفيتية ونظامها السياسي أهمها استلام السلطة السياسية عن طريق الثورة، وإحكام القبضة على السلطة لبناء الدولة.

2- غياب المرجعية الفكرية الناظمة للحياة السياسية لدى الأحزاب في البلدان العربية وسيادة المستوى الأيديولوجي وشعاراته المثالية التي تجانب الحياة الواقعية.

3- بحث الشعوب العربية عن رمز أو صناعته في كل مرحلة كونها (أي الشعوب العربية) تتفاعل كثيراً مع شخصنة الأشياء لا عمومياتها وكونها ميالة إلى صاحب الخطاب العالي والصوت المدوي الذي يجيد استخدام المفردات المناغمة لمشاعرها وملامسة احتياجاتها ولو بشكل نظري.

4- وجود خط دولي أو عالمي لا يرغب في وجود دولة المؤسسات في هذه الدول كون الأخيرة ستكون موزعة السلطات مما يصعب التعامل المستقبلي معها وخصوصاً في جانب الثروات والعلاقات الاقتصادية وحتى التبعية السياسية.

5- ضعف تيار المجتمع المدني أو غيابه ورضوخه وخضوعه لأغلب مفاصل السلطة في هذه البلدان.

6- فقدان الهوية الإنسانية وسيادة قيم الانتفاعية والمصالح على حساب الآخرين وحقوقهم وانتشار حالة التزلف والتملق للكسب غير المشروع.

وعلى أية حال فإن التسلط أساسه رفض الحوار والنقاش الموضوعي، وعدم تقبل الرأي المعارض، وسيادة علاقات أساسها الرضوخ وتقبل الأوامر العلوية، والرغبة المتأصلة في ممارسة التسلط والسيطرة على من هم أدنى في المرتبة. فالفرد الذي هو ذاته موضوعاً للتسلط ما أن يصبح في موقع المسؤولية حتى يتحول وبشكل غير مبرر إلى مشروع لمتسلط صغير، ولن يتوانى أبداً في استخدام كل ما أوتي من وسائل القهر والإكراه.

ثالثاً: الاستبدادية

يستخدم الاستبداد عادة كمرادف للتسلط، ولغة يعني التفرد بالشيء والاستئثار به، وهو غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال المفرط في الرأي والحقوق المشتركة، وهو تصرف فرد أو جمع في حقوق الجموع بالمشيئة وبلا خوف تبعه. والمستبدَ هو ذلك الشخص الذي يتفرد برأيه دون غيره فيما ينبغي المشورة فيه، إلا أن تعبير الاستبداد انصرف مع مألوف الاستعمال إلى نعت من نعوت الحكم المطلق المشوب بالجور والظلم الذي لا يأبه القائمون فيه بأية قيود أخلاقية أو قانونية، ويتبع المستبد أهوائه الخاصة بدلاً من تحكيم مقتضيات المصلحة العامة. وبذلك يخلو حكم المستبد من أية ضوابط رقابة على الحكم ومحاسبته أو أن تكون هذه الأجهزة معطلة.

إن نظام الاستبداد هو حكم أو نظام مستقل بالسلطة فيه فرد أو مجموعة أفراد دون الخضوع لقانون أو قاعدة ودون النظر لرأي المحكومين.

وفي أصول اللغة اليونانية فإن اصطلاح الاستبداد despotes يتضمن معاني الظلم والجور والتفرد الأرعن بالرأي، بل أن هذه الكلمة تعني سيد البيت أو رئيس الجماعة، وأطلق أباطرة بيزنطة هذا الاسم على من كانوا يولّونهم من أبنائهم وأصهارهم حكّاماً لمقاطعات الإمبراطورية، ويعزى في هذا الصدد إلى اليكسيوس الثالث أنجلوس البيزنطي الذي حكم من سنة 1195 إلى 1205م، إدخال هذا اللقب في مفردات تسلسل السلطة، وإضفاء رتبة عليا تأتي مباشرة بعد رتبة الإمبراطور مباشرة.

ثم تطور مصطلح الاستبداد فلازمته صفة الافتقار إلى الشرعية، فأصبح يشير إلى نظام لا يستند إلى أي تقليد أو عرف أو دستور، ويميل فيه القائمون إلى الظلم والانفلات من القيود, فوصفه أرسطو بأسوأ أنماط الحكم وأكثرها فساداً يدور فيه اهتمام الحاكم حول تأمين رفاهيته الشخصية من دون المصلحة العامة. ويصف أفلاطون المستبد, وطريقة حكمه بأنه الحاكم الذي يستولي على السلطة بالقوة، ويمارسها بوسائل قمعية وإكراهية ليتخلص من خصومه ومعارضيه، فهو يكثر الوعود ويلجأ لإثارة الحروب لإضعاف المواطنين ليسهل عليه الاستئثار بالسلطة.

الاستبداد السياسي كما يرى الكواكبي هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة دون خوف أو تبعة ». الاستبداد بشكل عام إفراز ذاتي للتخلف، فالفرد حين يفقد عزّته الحقيقية يبحث عنها بشتى الوسائل، فعندما لا يجد الظمآن الماء يتجه إلى السراب الذي « يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً »، ومن هنا ينشأ الاستبداد، فالمستبد إنسان فقد مثله الأعلى الذي يجد فيه ذاته وعزته، فراح يبحث عنها بشتى الوسائل, ومنها محاولته أن يفرض رأيه على من دونه، ويدفعه ذلك للتعصّب لرأيه دون سواه بل ويتشبث به, فالفرد موضوع الاستبداد هو في واقع الأمر مستبد في نفسه، ولو تمكن لجعل البشر جميعهم خاضعين لأمره.

***

د. شاهر إسماعيل الشاهر – أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعتي دمشق والفرات – مدير المركز الوطني للبحوث والدراسات بدمشق

_____________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر