Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

قنفودة بالنسبة لعدد من البرلمانيين وللناطق الرسمي للجيش التابع للبرلمان بؤرة إرهاب يستوي في ذلك المقاتل والمدني، لهذا كان التعامل معها عسكريا بدون تمييز بحيث أصبحت منطقة محاصرة وتدك بالطيران وبالمدفعية.

الوضع الإنساني الخطير في قنفودة لم يكن مجرد مزايدة سياسية، فقد تحدثت به منظمات حقوقية، بل أظهرت صور ومناظر للعالقين صعوبة الحالة لدرجة اضطر المبعوث الأممي أن يصرح بما يشير إلى الكارثة الإنسانية في الحي.

مأزق نخبة الجبهة الشرقية وخلفهم قطاع واسع من الرأي العام إما أنهم انحازوا إلى موقف المحق على أساس أن كل من تجمعوا إرهابيين وأن العوائل ما هم إلا حواضن يساندونهم ويقدمون لهم الدعم، وليسوا عالقين اضطرتهم الظروف الصعبة للبقاء في مكان إقامتهم أو مواقع نزوحهم، أو أنهم التزموا الصمت ولم يدينوا مقاربة الساسة والعسكريين الكبار التي كانت بالقطع مخالفة للقوانين والاتفاقات الدولية المعنية بإدارة الحروب.

من أبرز انحرافات الصراع في بنغازي أن سلوك القتال والمواجهة أخذ طابعا عنيفا جدا بحيث أصبح مبرر القتال الذي هو القضاء على الإرهابيين الذين يمارسون أعمالا وحشية غير وجيهٍ في ظل تورط الجيش أو عناصر مساندة له في أعمال مشابهة، وفي بعض الحالات أكثر وحشية، ولقد ألقت حوادث التعذيب والقتل وإلقاء الجثث على قوارع الطرق أو المكبات، وحادثة حرق جثة قتيل تابع لمجلس شورى بنغازي بظلالها بشكل قاتم لا ينفع معه التبرير.

على مستوى إدارة المعارك والعمليات القتالية، فقد أظهرت النتائج أن درجة الانضباط متدنية جدا، ويظهر ذلك في طريقة القصف الجوي والأرضي، كما يتجلى في التعامل مع الأسرى والمنكوبين، وقنفودة مثال حي يجسد ذلك.

تصريحات قادة عسكريين قادوا محاورا أو تحدثوا رسميا باسم القيادة تكشف عن غياب الوعي بقوانين الحروب والافتقار للضوابط الحاكمة لإدارة المعارك. ولو سألت فاعلين في عملية الكرامة وقادة في الجيش التابع للبرلمان عن القانون الدولي الإنساني أو قانون الحرب، وعن الاتفاقيات الحاكمة للمعارك والاشتباكات لما أجابوا بما يفيد الالمام بها.

لو سألت عن إتفاقية جنيف الأولى 1949 والتي تعنى بحماية الجرحى والمرضى من كلا طرفي النزاع، واتفاقية جنيف الثانية 1949 التي تتكفل بحماية الجرحى والمرضى في البحار، واتفاقية جنيف الثالثة 1949 المعنية بحماية أسرى الحرب من كلا طرفي النزاع، واتفاقية جنيف الرابعة 1949 التي تركز على حماية المدنيين وضحايا النزاعات المسلحة، والبروتكولين اللذان أُضيفا فى العام 1977م واللذان يُعززان حماية المدنيين، لما وجدت جوابا شافيا.

فقد كان السلوك السائد هو العنف، ولأحد قادة المحاور في بنغازي تصريح شهير يقول فيه بأن حرق وتدمير بيوت المتهمين بالإرهاب يحمي اللحمة الوطنية!
على المستوى السياسي والاجتماعي والإنساني أخذت قنفودة منعطفا كبيرا بعد أن أعلن عمر أشكال رفضه الخروج من منطقة الاشتباك والقصف بدون العوائل والأسر والنساء والأطفال. وعمر أشكال واحد من أقطاب النظام السابق، وابن عم معمر القذافي، وقصة وجوده في منطقة قنفودة تعود إلى اعتقاله في فبراير 2011 حيث رحَّله مجلس شورى ثوار بنغازي هو وعشرات من السجناء من أحد السجون وتنقلوا بهم حتى وصلوا قنفودة.

المأزق الذي وضع فيه عمر أشكال الذين رفضوا التعامل مع العالقين بشكل إنساني بما توجبه الاتفاقيات الدولية كبير، فالرجل من منظومة بات الكثير من دوائرها ومكوناتها ضمن عملية الكرامة والأجهزة الداعمة لها، وهو شخصية بارزة ورفيعة سياسيا واجتماعيا لدى الكثير من أنصار عملية الكرامة، فأن ينحاز لدرجة تعريض نفسه للخطر، ويرفض فرصة الخروج من بوتقة اللهب بعد أن أتيحت له وذلك للدفاع عن العالقين من المدنيين، بل ويقتل في غارة جوية بعد تسجيله كلاما قويا في هذا الصدد، لهو بمثابة وضع أنصار عملية الكرامة في زاوية أكثر ضيقا.

أعتقد أن موت عمر أشكال بقصف جوي بعد إصراره على مواجهة مصيره مدافعا عما اعتبره ظلما ضد مدنيين عاشرهم وعاش بينهم أسابيع بل شهورا يشكل مأزقا إضافيا لعملية الكرامة التي لم تعر انتباها للجوانب الإنسانية، بل تورطت في العنف بشكل جعلها مكشوفة أمام القاصي والداني.

______________

 

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر