Minbar Libya

بقلم سليم مصطفى بودبوس

سليم مصطفى بودبوس

تمرّ السنوات، ويخرج بعض الليبيين في مدينة مصراتة، وغيرها من المدن الليبية، للإحتفال بذكرى التخلّص من حكم الدكتاتور معمّر القذافي. يحتفلون محاولين النظر بعين المتفائل إلى المستقبل، مؤكدين أنّ ما حدث سنة 2011 أفضل بكثيرٍ ممّا كان عليه الليبيّون قبل ذلك خاصّةً مع تعاظم رقعة التشكيك في جدوى ما حدث وإن كان بشكل أقلّ ممّا عليه حال التشكيك في جدوى ثورات الربيع العربي عموماً.

ولئن كانت العودة إلى الوراء مستحيلةً، فإنّ المستقبل السياسي والاقتصادي والاجتماعي لليبيين لم تتضح ملامحه حتى الآن، وحتّى كلمة السفير البريطاني في طرابلس بيتر ميلت التي توجّه بها حديثاً إلى الشعب الليبي بهذه المناسبة، والتي شاطرهم فيها مشاعر الإحباط تجاه المشاكل اليومية مثل الكهرباء والماء والسيولة، لم تخفّف عنهم معاناتهم اليومية.

كلمة السفير البريطاني زادت الشعب الليبي تأكّداً من حقيقة أولئك الذين شاركوا في العملية العسكرية ضد ليبيا، وفي طليعتهم بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية؛

هؤلاء فتحوا البلاد على المجهول، ثمّ تركوها في حمّام دم لم تعرف ليبيا مثله،

وتركوا عِبرةً لا تزال تُغذّي أصحاب العقول، وكلّ من يحاول الاستعانة بالغرب لتحقيق طلباته؛

تركوا عِبرةً مفادها أن الاستقواء بالأجنبيّ، مهما كان نوع هذا الاستقواء، لنيل الحقوق، ومهما كانت مشروعة، ليس الحلّ الأمثل، ولا البديل الأسلم.

لقد اقتصر دعم المجتمع الدوليّ على التمنيات بالتوفيق في عملية المصالحة التي تنشدها ليبيا اليوم، ولم يُرَ من الغربيين مِثلُ ذلك الحماس والاندفاع للخروج بليبيا من عنق الزجاجة وتخليص الشعب من الفوضى، فليبيا اليوم «فسيفساء» من المدن والأقاليم الخاضعة لسيطرة مختلف الميليشيات والقبائل المتنافسة و»المجالس المحلية»، وقد بلغت الجريمة مستويات غير مسبوقة، فيما تزداد المشاكل الحياتية أمام الليبيين يوماً بعد يوم.

تلك هي نتيجة التدخّل الأجنبيّ في ليبيا.

لا شكّ أنّ ليبيا تحاول، ومنذ العام 2012، انتخاب مؤسسة حاكمة موحدة، وبناء دولة مدنية عصرية، وجيش وطني موحّد، لكنّ هذه الجهود التي أيّدتها الأمم المتحدة في الظاهر لم تحقّق هدفها حتى الآن؛ إذْ لم تتحقّق المصالحة بين فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني والمدعومة دولياً، وقائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر الذي لا يعترف بحكومة طرابلس والذي تمكّن من السيطرة على أربعة موانئ نفط رئيسية، وهذان الطرفان هما الفاعلان الرئيسيان في المعادلة داخل ليبيا، دون أن ننسى دور رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، والحكومة المنبثقة عنه برئاسة عبد الله الثني وحكومة الإنقاذ التي شكّلها المؤتمر الوطني العام والتي يرأسها خليفة الغويل، فضلاً عن شتات «داعش» المبعثر هنا وهناك في المدن الليبية، وبقايا رموز نظام القذافي، وأبرزهم «أحمد قذاف الدم» الذي يعلن بين الفينة والأخرى عن عزمه العودة إلى ليبيا والثأر لمعمر القذافي.

هكذا تبدو ليبيا اليوم كرقعة شطرنج في طورٍ متقدمٍ من اللعبة: قطع متفاوتة في قوّتها على الميدان ولكنها متشابكة في مواقعها تحركّها أيادٍ من خارج الرقعة تتكالب على توجيه الأمور وفق مصالحها المتضاربة.

وهو ما أوصل ليبيا إلى هذا المأزق بعد ست سنوات من التخلص من نظام معمر القذافي؛ قوى إقليمية ودولية تريد فرض أجندتها على ليبيا وتسعى بشتى السبل إلى الإبقاء على الوضع خدمةً لمصالحها.

ولا يعني هذا التحليل أنّ الصورة جدّ قاتمة؛ فليبيا الحضارة لابدّ أن تعود، وليبيا التاريخ العريق الضارب في عروبته لابد أن تقف من جديدٍ على أسس سليمة باتفاق أبنائها دون أن ينتظروا الحل من الخارج.

ليبيا الخير والعطاء لابدّ لها أن تستمرّ في حاضنتها المغاربية والعربيّة بالموقع والمكانة التي تستحقّ.

ولكنّ الحقيقة المؤلمة والقاتمة أنّ كل تدخّل غربيّ في أيّ دولة، وخاصة عربيّة مركزية لم نجد له مزيّة سوى «مزية» نشر الفوضى؛ فانظر إلى العراق، دارالسلام ورمز الأمان، وكيف تحوّلت إلى دار للتفجيرات ومرتع للإرهاب.

.وانظر إلى أفغانستان من قبلها وسورية من بعدها، وكذا ليبيا وغيرها

إنّ الأصل في الإصلاح وتحقيق المطالب هو الحوار والمحافظة على الاستقرار، ومراعاة المصلحة الوطنية بالأساس.

أمّا الاستقواء بالأجنبيّ وخاصّة عسكريّاً، فهذا ممّا لا يحمد عقباه على الجميع.

________________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر