Minbar Libya

إعداد : معاذ أبوالزمازم

المقدمة : تعتبر قضية النزوح الداخلي في ليبيا معضلة كبيرة تساهم في تعقيد الوضع الداخلي الليبي وتعكير السلم الأهلي على المدى القصير والطويل، وسبّب تصاعد حركة النزوح في ليبيا في السنوات الماضية مشكلات أدت إلى تفاقم الأزمة وانتشارها بشكل واسع في المجتمع الليبي.

وستغطي هذه الورقة البحثية عملية حصر النازحين المتبعة في ليبيا في السنوات الماضية وطرق تحسينها للحصول على أرقام أكثر دقة بشأن أعداد النازحين.

التمهيد:

بسبب أحداث ثورة فبراير اشتعلت الاشتباكات المسلحة في مناطق كثيرة في البلاد تسبب في نزوح السكان عن منازلهم، فكان أول مثال هو نزوح المدنيين في جبل نفوسة في اتجاه الحدود التونسية في وازن وذهبية، ومن ثم نزوح بعض المدنيين من مصراتة بالجرافات باتجاه بنغازي ، وكذلك نزوح المدنين من بنغازي باتجاه بقية مدن الشرق، هذه الحالة العامة سادت في فترة الثورة ولكن لمدة قصيرة انتهت فيها عمليات النزوح بانتهاء العمليات القتالية داخل تلك المدن.

ومن هنا يبدأ الشق الثاني من عملية النزوح، فبعد انسحاب النظام أو هزيمته في منطقة معينة يبدأ بالتراجع تدريجيا إلى مناطق ومدن تعتبر حاضنة للنظام، فعندما يبدأ الهجوم العكسي من قوات الثوار على تلك المواقع وخشية من الانتقام وعدم ضبط النفس يبدأ سكان تلك المدن بدورهم النزوح إلى مناطق أبعد توفر المأوى والأمان لهم.

 وفي هذه الحالة بالتحديد تكون أغلب المدن النازحة مجاورة لمدن ثائرة تعرضت لحصار وقتل مدة طويلة، فلم يلبث حتي انهار النظام وانفرط عقد النزوح، المدينة تلو الأخرىتقرر الخروج قبل وصول قوات الثوار إليها، وأكبر مثال لذلك مدن تاورغاء والعوينية وزاوية الباقول والقواليش وغرب الرياينة، فهذه المناطق هجرت بشكل كامل إلى خارج مناطقها بعد انسحاب قوات النظام منها، ومنذ انتهاء الثورة وإلى سنة 2014 تحولت مدينتا طرابلس وبنغازي إلى أكبر مستقبل للنازحين من جميع مناطق ليبيا، وإلى سنة 2014 اقتصر النزوح الجماعي في ليبيا على مؤيدين النظام السابق، وأيضا أغلب حالات النزوح الفردية كان سبب أغلبها الانتماء الشخصي للنازحين.

 حالة انعدام الأمن وعدم محاسبة المسؤولين على الجرائم المرتكبة في فترة الثورة وماسبقها أدى إلى حالة من الفوضى ومحاولة أخذ الحقوق بشكل شخصي وانتشار فكرة الثائر بين العامة، كل تلك الاخترقات أدت إلى انتشار حالات النزوح لأصحاب الأموال من مؤيدي النظام السابق إلى تونس ومصر، أما النزوح الداخلي فقد اقتصر في أغلب الأحيان على من لا قدرة لهم على العيش خارج ليبيا.

فبالنظر إلى الوضع العام، فإن غياب الأمن وعدم توفر الحماية اللازمة للنازحين في تجمعاتهم أو مخيماتهم يشجع بشكل كبير عملية النزوح إلى خارج ليبيا، وقد نذكر هنا ما تعرضت له مخيمات نازحي تاورغاء من اختراقات وعمليات قتل عشوائية متكررة في السنوات الخمس الماضية.

بالنظر إلى الأعداد المحدودة للنازحين بين عامي 2011-2014 فقد كانت عملية حصر النازحين سهلة نوعا ما، فمنذ إنشاء أول وزارة للشؤون الاجتماعية جرى استحداث مكاتب شؤون اجتماعية في أغلب مدن ليبيا وكانت إحدى المهام الرئيسية لتلك المكاتب هي حصر النازحين داخل نطاق كل بلدية على حدة.

تكون طريقة الحصر عن طريق حضور النازحين إلى مقار تلك المكاتب لتسجيل بياناتهم وفتح ملف فيها، ويجري تسجيل عدد أفراد الأسرة ومن أين أتوا وأين استقروا، قد تكون هذه الطريقة هي أكثر الطرق انتشارا في المكاتب الحكومية لحصر أعداد النازحين، وبسبب كون الطريقة تعتمد بشكل كبير على مبادرة النازح بتسجيل نفسه داخل تلك المكاتب ولعدم وجود المحفزات، فإن عددا كبيرا من الأسر النازحة تتخلف عن التسجيل.

هناك أيضا من يتحجج بالحالة الأمنية وسرية المعلومات والمحافظة عليها وعدم تسريب الأسماء إلى جهة أخرى مهما كانت، وللتغلب على هذه الصعاب والعقبات في طريق رصد أغلبية النازحين وأعدادهم بدقة قامت مكاتب الشؤون الاجتماعية بإلزام نفسها والمؤسسات العامة والمنظمات الخيرية المحلية والدولية بعدم توزيع مساعدات للأسر أو الأشخاص غير المسجلين في سجلات النازحين بالمكاتب، وذلك لإجبار غير المسجلين على التسجيل.

تعتبر أرقام مكاتب الشؤون الاجتماعية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني الضالعة في موضوع حصر النازحين هي المصدر الأساسي لمعلومات المنظومات الدولية كالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين و منظمة الهجرة الدولية، وقد وصلت أعداد النازحين في الفترة الممتدة ما بين نهاية 2011 إلى منتصف 2014 في أقصي حد لها إلى 70 ألف نازح.

ومنذ منتصف 2014 وبعد انطلاق عملية الكرامة في مدينة بنغازي ومن ثم انطلاق عملية فجر ليبيا في طرابلس واتساع رقعة الاشتباكات لتشمل مدنا عدة في كل مناطق ليبيا سواء في الشرق أو الغرب أو الجنوب، ما نتج عنه تضاعف العدد الكلي للنازحين في ليبيا بمعدل أربعة أضعاف ليصل إلى مستوى تاريخي في منتصف سنة 2015، ويقارب العدد الكلي للنازحين 450 ألف نازح منتشرين في مواقع متفرقة في ليبيا.

تبدو هذه الزيادة الحادة في نسبة النزوح أمرا طبيعيا إذا علمت أن سلسلة الأحداث في تلك الفترة قد تخللها الآتي: القتال في بنغازي في محاور عدة وفي أحياء مكتظة جدا بالسكان كالصابري و سوق الحوت، حرب المطار في طرابلس التي أدت إلى نزوح أغلب سكان المنطقة المجاورة للمطار، كذلك الصراع داخل الكفرة، الحرب التي امتدت لعام ونصف العام في أوباري.

بعد انتهاء حرب المطار والصراع في طرابلس انتقلت الاشتباكات إلى مناطق ورشفانة وكانت اشتباكات حادة جدا أدت لنزوح معظم سكان المنطقة الشاسعة وفي الوقت نفسه كان هناك اشتباكات ممتدة على طول مدن الساحل من الزاوية إلى زوارة وكذلك في المناطق أسفل جبل نفوسة بين قوات عملية فجر ليبيا والقوات المحسوبة على عملية الكرامة في المنطقة الغربية، ثم حرب ككلة ونزوح كامل لسكانها، وأخيرا الحرب في سرت التي أدت إلى أكبر موجات النزوح في ليبيا حاليا.

تعتبر المحطات السابقة هي أبرز الأسباب التي أدت إلى الزيادة الكبيرة في عمليات النزوح ونلاحظ أن التسلسل الزمني للأحداث لا يساهم بشكل إيجابي في حل أزمة النازحين أو التقليل من الأرقام الموجودة، فمتى توقفت حرب أو أعلنت هدنة ما يلبث النازحون بالعودة إلى مدينتهم حتى تشتعل حرب أخرى في مكان آخر تكون أشد وأنكى من سابقتها.

إن اتساع رقعة الاشتباكات والقتال في السنتين الأخيرتين أدى لزيادة الحمل على كل المنظمات المحلية والدولية العاملة في مجال إحصاء النازحين، فالزيادة في أعداد النازحين يجب أن يقابلها زيادة في الموارد البشرية لتكون عملية الإحصاء دقيقة وسريعة، ولكن بسبب الظروف الراهنة والانقسام السياسي والوضع الاقتصادي الهش لم يكن من السهل توفير بيانات دقيقة جدا من جانب المنظمات المحلية، فالعملية استمرت بالطريقة التقليدية نفسها من جمع البيانات عبر مكاتب الشوؤن الاجتماعية في كل مدينة أو لجان الأزمة المشكلة من قبل المجالس البلدية في أغلب البلديات، وقد كانت أغلب المنظمات الدولية في تلك الفترة تعتمد على أرقام المصادر المحلية في إعداد خطط التدخل الخاصة بها والتقارير عن الحالة الإنسانية في ليبيا.

وبخصوص المصادر المحلية لأعداد النازحين فيعاب عليها دائما قلة التفاصيل المدرجة ضمن الإحصاء وغياب التحديث المستمر للأرقام، فإذا لم يحصل توزيع لمواد إغاثية فلن تحصل على تحديث في الأرقام من ناحية الزيادة أو النقصان، وجود مثل هذا القصور دفع منظمة الهجرة الدولية إلى نقل تجربة مصفوفة تتبع النازحين المستخدمة في عدة دول عانت كوارث طبيعية أو حروبا كالعراق وهايتي إلى ليبيا في نهاية سنة 2015، لتكون المصفوفة مصدرا دقيقا للمعلومات وتوفر بدائل للمنظمات الدولية والمحلية عند الحاجة للقيام بتوزيع أي مساعدات أو توفير الدعم النفسي والمادي للنازحين.

الدافع وراء عملية حصر النازحين:

إن الدافع الرئيسي وراء عملية حصر النازحين يكمن في توفير مصدر مفتوح للبيانات عن النازحين بأماكن وجودهم وفئاتهم العمرية وجنسهم والأماكن التي قدموا منها وأهم احتياجاتهم، وتوفر مثل هذه البيانات قاعدة أساسية تنطلق منها المنظمات المحلية والدولية لإعداد خطط التدخل وتحديد الأوليات المطلوب توفيرها للنازحين، وكذلك لمعرفة أسباب النزوح الرئيسية ليتم دراستها ومحاولة تداركها مستقبلا.

إن توفير معلومات دقيقة عن النازحين كأعدادهم وأماكن وجودهم مع توفير دلائل تسهل عملية الوصول إليهم باستخدام خرائط غوغل مثلامما يسهل بشكل كبير جدا سرعة الوصول إلى النازحين وتقديم المساعدات لهم بطريقة سلسلة قد تغني أحيانا عن إيجاد وسيط محلي ويساهم في تقليل وقت التدخل عند حصول الأزمات.

فالإختلافات في بيانات أعداد النازحين وعدم وجود مصدر موثوق يملك بيانات دقيقة يؤدي إلى تأخير كبير في عملية تقديم المساعدات وإيقافها أحيانا، فأغلب المنظمات الدولية تحمل عاتقها مسؤوليات كبيرة تجاه المانحين. وعليها توفير تقارير دقيقة عن أوجه صرف الأموال الممنوحة وفي مدة زمنية معينة، فمتى كانت تقارير أوجه الصرف مقنعة استمرت الجهات المانحة بتقديم الدعم للمنظمات الدولية التي بدورها تقوم بالتعاون مع شركاء محليين يقومون بتنفيذ الخطط والمشاريع المعدة، وبينما تلعب المنظمات الدولية دور الرقيب عليها، ويعود هذا الأمر بسبب الوضع الأمني المتردي الذي منع أغلب المنظمات الدولية من العمل داخل ليبيا وأدى إلى نقل مكاتب تلك المنظمات إلى تونس منذ صيف سنة 2014.

إن سرعة الإستجابة تعتمد على الكم المجموع من البيانات فكلما كانت البيانات تحتوي على معلومات إضافية كلما تحسنت جودة المساعدات المقدمة وكذلك يتم توفير الأولويات المطلوبة للنازح.

يترتب على عدم إجراء عملية حصر للنازحين عواقب وخيمة جدا كتوقف المساعدات المقدمة من المنظمات الأجنبية بشكل نهائي أو في الأغلب حدوث تأخر في الدعم المقدم من تلك المنظمات أو القيام بتزوير الأرقام للإستفادة الشخصية مما ينتج عدم القدرة على وضع الخطط المناسبة لتقديم المساعدة المستعجلة للنازحين، وقد ينتج عن عدم إجراء حصر للنازحين تلاعب بالأرقام الخاصة بهم من أجل مكاسب سياسية أو مادية لبعض الأطراف من تضخيم للأعداد في جهة وتقليل منها في جهة أخرى من أجل مصلحة شخصية وليس من أجل الصالح العام، لذلك لا تعتد معظم المنظمات الدولية بالأرقام المقدمة لها إلا بعد التثبت من صحتها عن طريق الشريك المحلي لتجنب التجاوزات التي قد تحدث نتيجة للأرقام الخاطئة.

***

قدمت هذه الورقة في ندوة : “النازحون في ليبياتحديات وحلولالتي عقدت بتاريخ 4 يناير 2017

__________________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر