Minbar Libya

بقلم محمد شومان

بعد ست سنوات على ثورات العرب المتعثرة، أو ما يعرف إعلامياً بالربيع العربي، يدور استقطاب سياسي واجتماعي بين أنصار سرديتين، الأولى: أن الربيع العربي فوضى أو مؤامرة، والثانية: سردية أن ثورات العرب لم تكتمل،

حيث نجحت قوى الثورة المضادة والقوى الإقليمية والدولية في حصارها وإرباكها، وإدخالها في حالة من التعثر الفوضوي، وبالتالي لا بد من استكمال ثورات العرب لأنها لم تحقق أهدافها، وبقيت الأوضاع الاجتماعية والسياسية من دون تغيير حقيقي أو إصلاح في الدول الخمس التي شهدت ثورات غير مكتملة.

لست مع السردية الأولى، لأن هناك ألف دليل وبرهان منطقي وسياسي وأخلاقي للرد عليها وتفنيدها، وأعتقد أنها سردية لا تصمد أمام نقاش جاد وعقلاني، فالوقائع على الأرض واشتراك ملايين المواطنين في خمس دول عربية وفي توقيت متقارب، يؤشر إلى أننا كنا بصدد ظاهرة ثورية عابرة للحدود العربية، تجمعها النقمة على الاستبداد والظلم الاجتماعي، ولا يحركها متآمر خارجي أو داخلي، ولا شك في أن التسليم بسردية التآمر تنزع من الشعوب العربية قدرتها على الفعل المستقل، وتحبسها في إطار المغرر بها أو المفعول بها دائماً، أضف إلى ذلك أنه لا توجد وثائق أو شواهد ذات صدقية تثبت نظرية المؤامرة.

ان سردية المؤامرة تختلف عن سردية الفوضى، إلا أنه يتم تقديمهما في كثير من الخطابات الرائجة هذه الأيام على أنهما شيء واحد، أو أن المؤامرة أدت إلى الفوضى أو العكس. والمؤكد أن أنصار الأنظمة القديمة في الدول الخمس هم أكثر المروجين والمستفيدين من السردية المزدوجة (المؤامرة والفوضى)، لأنها تنزع الشرعية والوطنية عن ثورات العرب، وتتهمها بأنها أدت إلى نتائج سياسية واقتصادية سيئة، قياساً بما كانت عليه الأوضاع في الدول الخمس من استقرار سياسي واقتصادي.

والحقيقة أن التعثر الفوضوي في ثورات العرب جاء نتيجة التركة الهائلة من المشكلات التي خلفتها الأنظمة الاستبدادية في الدول الخمس، وضعف مؤسسات الدولة في اليمن وليبيا وسورية ونزعتها الطائفية أو القبلية، علاوة على انقسام وضعف النخب والقوى السياسية، وشدة التدخلات الإقليمية والخارجية، التي تآمرت علي الأهداف النبيلة للثورات العربية.

أما السردية الثانية، فأنا أؤيدها جزئياً، فقد تعثرت ثورات العرب، لكن ليس بالضرورة أن تكون الثورات المستمرة هي الخيار الوحيد المتاح أمامنا، حيث يراهن أنصار سردية ثورات العرب المتعثرة على حتمية اكتمالها في المستقبل القريب، فالنتائج غير المرضية التي انتهت إليها هذه الثورات خلال السنوات الست الماضية ستدفع الجماهير لا محالة إلى موجة ثورية أكبر وأوسع نطاقاً، وستنجح هذه المرة في تحقيق أهدافها، لأنها تعلمت من أخطائها، ولن تكررها من جديد.

ان هذا الرهان في حاجة إلى مراجعة، لأنه يقود إلى حالة مستمرة من عدم الاستقرار، كما يعكس نظرة مثالية لدى أنصار الثورة المستمرة لفعل الثورة ونتائجه، حيث ينظرون وبشكل شبه دائم الى الأحداث من حولهم على أنها تمهيد لثورات قادمة، على رغم أن واقع الحال في الدول الخمس لا يتحمل مزيداً من الثورات أو التغيرات السريعة والحادة، فالمشكلات والتحديات صعبة للغاية، وبعضها يهدد كيان الدولة والمجتمع، لذلك لا بد من الرهان على الإصلاح وليس الثورة. وهنا يمكن أن تكون الأهداف والشعارات التي أطلقها ملايين الثوار في ميادين وشوارع المدن العربية بمثابة موجهات لأي عملية إصلاح قادمة.

القصد أن ثورات العرب غير المكتملة أصبحت تجربة تاريخية مهمة ومؤثرة، وبقيت منها أفكار وقيم لا بد من احترامها والاسترشاد بها في عمليات الإصلاح، التي يجب أن تبدأ بسرعة في دول الربيع العربي الخمس، وفي غيرها من بلاد العرب. وتجدر الإشارة هنا إلى انطلاق شعارات الإصلاح العربي وضرورات التحول الديموقراطي والعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة قبل 2010، لكن أغلب الأنظمة العربية لم تأخذ أفكار الإصلاح ومشروعاته بالجدية المطلوبة، وتحايلت عليها، وما تحقق منها لم يرض الجماهير العربية، خاصة الشباب الذي خلق مجالاً عاماً افتراضياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما كانت الأنظمة غير قادرة علي ملاحقة أو تقييد هذا المجال العام، الذي كان جديداً وغريباً على أنظمة قديمة وحكام تجاوزهم الزمن ومتطلبات الإصلاح.

لقد جاءت ثورات العرب بعد أن تعثرت عمليات الإصلاح ووسائله المشروعة في إطار الأنظمة السياسية الحاكمة، وهو درس التاريخ الذي يجب أن تتعلمه النخب السياسية الجديدة في الدول العربية، فالإصلاح الشامل هو صمام الأمان ضد أي ثورات أو اضطربات أو انتفاضات جماهيرية، ولدينا الآن بعد ست سنوات من الثورة، رصيد كاف وتجارب مريرة لتعلم درس حتمية الإصلاح. لقد انتهت ثورات العرب في ليبيا واليمن وسورية إلى حروب أهلية، وانقسامات واختراقات إقليمية ودولية، وقابلية للاستعمار بدت في الترحيب بالتدخل الأجنبي، وبالتسابق على تقديم تسهيلات عسكرية لقوى إمبريالية.

لا بديل من الإصلاح، ولا بد لأنصار السرديتين، الثورة المستمرة أو مؤامرة الربيع العربي، كما لا بد للنخب الحاكمة أو المعارضة، من التفاوض والقبول بالتعايش على قاعدة الإصلاح، ما يعني التخلي عن حلم أو هدف الثورة والتغيير السريع والشامل، والتخلي عن فكرة الثورة المستمرة والموجات الثورية، وكأننا خلقنا للثورات والحروب الأهلية والصراعات والاستقطابات التي لا تنتهي إلا بنفي الآخر.

في المقابل، يجب أن تتخلى الأطراف الأخرى عن فكرة أن الأوضاع العربية قبل الثورات كانت أفضل، ولم يكن في الإمكان أحسن مما كان، وأن هذه الثورات أدت إلى نكسات وهزائم، وبالتالي لا بد من استعادة الماضي. مثل هذا النهج شبيه بنهج «الإخوان» والجماعات التكفيرية التي تريد أن تعود بنا الى الماضي، من دون إدراك لحقائق العصر وتحولاته. كذلك لا بد أن تتخلى بعض النخب الحاكمة عن وهم استئصال الآخر، أو القدرة على الفوز في مباريات صفرية، وادعاء أن أسلوبها في الحكم والإدارة هو الأفضل والممكن الوحيد. على هؤلاء مراجعة كل هذه الأوهام وممارسة قدر أكبر من التواضع، والإيمان بأن العيش المشترك والإصلاح الجاد والمتدرج والشامل والذي يشترك فيه الجميع ولا يستبعد منه أحد، هو طوق النجاة للشعوب العربية.

لكن تظل هناك إشكاليات صعبة في طريق الإصلاح، تتعلق بتكوين النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية، ومدى قدرتها على ممارسة هذا النوع من العقلانية والتواضع والقبول بالعيش المشترك، لأن نخبتنا في الأصل مكتفية بنفسها ومحدودة الخيال، كما أن أقساماً منها طائفية أو قبلية، ولا تستطيع تجاوز حدود هذه الانتماءات الضيقة. من هنا لا بد أن تقدم تضحيات وتنازلات صعبة، وأن تُمارس عليها ضغوط شعبية سلمية، من أجل أن تتخلى تلك النخب طوعياً عن بعض امتيازاتها، وتُجدد نفسها، وتعتمد على أهل الخبرة والعلم عوضاً عن أهل الثقة أو أبناء الطائفة أو القبيلة، وأن تلتزم بقيم وآليات الديموقراطية. ان هذه التنازلات ضرورية لنجاح عمليات الإصلاح وإقامة دولة القانون، لأنه إذا لم يتم الإصلاح في المدى المنظور، فإن المنطقة العربية أو بعض دولها قد تنفجر فيها ثورات وفوضى لا يعلم مداها وخطرها إلا الله.

______________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر