Minbar Libya

محمد أبو رمّان

لو تجاوزنا الجزر المتنوعة من الحركات الإسلامية العربية، عموماً، سنجد أنفسنا أمام تيارين رئيسين؛ التيار الأول هو الإسلامي السلمي، الذي يعلن قبوله باللعبة الديمقراطية ويشارك في العملية السياسية، مثل الأحزاب السياسية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، أو ما شاكلها.

أما التيار الثاني فهو الذي يؤمن بالعمل العسكري، ويرفض الدولة الديمقراطية، ويسعى إلى إقامة دولة إسلامية تُحكَم بالشريعة الإسلامية، كما يفهمها أنصار هذا التيار.

على صعيد التيار الأول، الذي يعلن القبول بالعمل السياسي والسلمي، فإن من الواضح أنّه انتقل مع الثورات الشعبية 2011 وما تلاها، إلى مرحلة جديدة، مختلفة كليّاً عن المرحلة السابقة التي كان هذا التيار يكتفي فيها بالمشاركة المحدودة في الانتخابات ضمن اللعبة السياسية.

في كلٍّ من المغرب العربي وتونس، أصبحت تلك الحركات اليوم شريكاً في السلطة، نسبياً، وتواجه مشكلات الحكم والأزمات الاقتصادية، وتنتقل – تدريجياً إلى أحزاب برامجيةأكثر منها أحزاباً أيديولوجية، وتتطوّر رؤيتها للديمقراطية بصورة أفضل.

في المقابل، تبدو معضلة هذه الحركات أكثر وضوحاً في المشرق العربي؛ في مصر والأردن واليمن والعراق وسورية. ذلك أنّ الأفق السياسي ما يزال مغلقاً أمام إحداث تغييرات جوهرية في نظام الحكم، نحو الديمقراطية، بل إن هنالك انتكاسات في مسار التحوّل الديمقراطي، وتعاني هذه الحركات في العديد من الحالات، من ظاهرة تنامي الانشقاقات والخلافات الداخلية إلى درجة غير مسبوقة.

وعلى العموم، يتبلور داخل هذه الحركات الآن اتجاهان متميزان:

الاتجاه الأول يعكف على ممارسة النقد الذاتيوتطوير القبول بالعملية الديمقراطية، وفصل الجوانب الدعوية عن السياسية، تمهيداً للتحوّل إلى أحزاب سياسية مدنية مُحترفة، مع تجنّب خلط البرامج بالشعارات الدينية. وهذا التوجّه بات واضحاً في المغرب وتونس (حيث يتزايد الفصل بين الجوانب الدعوية والسياسية)، كما بدأ يتجلّى في الأردن، جزئياً، إذ خاضت جماعة الإخوان الانتخابات الأخيرة للمرة الأولى من دون شعارها المعروف الإسلام هو الحل“.

أمّا الاتجاه الثاني، فهو الذي ما يزال يصرّ على التنظيم وأولويته، والحفاظ على أدبيات الجماعة الكلاسيكية، وهو يشكّك في مسار العملية الديمقراطية، بعدما حدث في مصر، وفي موقف الغرب بسبب ما يحدث في سورية والعراق. ويستدعي بعض أفراد هذا الاتجاه اليوم ميراث سيد قطب، الذي يتحدث عن الحاكمية ودولة الشريعة والصراع مع العلمانيين والاتجاهات الإيديولوجية الأخرى.

التيار الثاني، في المشهد العربي، فهو التيار المسمّى السلفية الجهادية، وقد شهد خلال العامين الماضيين بروز تنظيم داعش، الذي أصبح التنظيم الأكثر حضوراً ونفوذاً في أوساط الحركات الجهادية في العالم، وبايعته العديد من الجماعات المحلية. ونقل هذا التيار العمل الإرهابي من الحيّز النخبوي (أي اختيار الأشخاص والعمليات وتحديد الأهداف)، كما كانت عليه الحال مع القاعدة، إلى المجال العام (عبر ظاهرة الذئاب المنفردة؛ أي احتمال أن يقوم أي شخص بعملية ضد أي هدف، كما حدث في العمليات الأخيرة في الغرب).

تُرى، ما هو الاتجاه الذي يمكن أن يسود وينتصر بين هذه الاتجاهات؟ وإلى أي تيار تنحاز مؤشرات المستقبل من التيارين (الجهادي والسلمي)؟

يرتبط الجواب على ذلك بالأوضاع السياسية عموماً؛ فإذا كانت الدول والمجتمعات العربية تتجة إلى الديمقراطية والانفتاح وإنهاء الحروب الأهلية وتغليب الاعتبارات الوطنية والإصلاحية، فإن التيار الذي يؤمن بالمزيد من الديمقراطية والاندماج هو الذي سيسود، والعكس صحيح.

الواقع أن المؤشرات الأولية لا تدعو إلى الاطمئنان على المدى القريب. فحتى لو تمكّن التحالف الدولي من القضاء على تنظيم داعش عسكرياً، فإن من الممكن أن تصعد نسخة جديدة أكثر خطورة طالما أن الشروط السياسية والمجتمعية متوافرة، والدولة العربية تعاني من أزمات داخلية عاصفة تكاد تطيحها في بقعة واسعة من المشرق العربي، فيما يبدو أن أمام المغرب وتونس فرصة أفضل لتطوير نسخة أنسب من الإسلام السياسي المنخرط في العملية الديمقراطية.

***

د. محمد أبو رمّان باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، وكاتب في صحيفة الغدفي الأردن.

___________

المصدر: تقرير مؤسسة كارنيغي (انكاسارات عربية: مواطنون، دول، وعقود إجتماعية

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر