Minbar Libya

بقلم مروان المعشّر

يمكن تعريف التعددية بأنها احترام وتقدير التنوع السياسي، والثقافي، والديني، والجنوسي. وقد غابت إلى حدٍّ بعيد عن السلوك السياسي والثقافي العربي.

وإذا كان ثمة عامل وحيد أسهم كل الإسهام في ركود المجتمعات العربية خلال العقود الأخيرة، فهو النزعة إلى تكرار الصيغ الجاهزة التي غالباً ما تخنق الإبداع، فسادت الثقافات التي تُعرَض فيها الوقائع بوصفها حقائق مطلقة، وتُقدّم الزعماء والأحزاب والإيديولوجيات باعتبارها تحمل الحلول للمشاكل كافة.

غير أن الأمل في قيام مجتمعات مزدهرة بصورة مستدامة وتجديد العالم العربي، لا يمكن تحقيقه إلا بتوفّر التزام حازم بالتعددية بجميع جوانبها. ويعني ذلك، من الناحية السياسية، حق الجميع، سواء كانوا عَلْمانيين أو دينيين، بالانخراط في المشاركة السياسية السلمية. ولا يحق لأحد أن يحتكر الحقيقة أو السلطة.

وإذا لم يترسّخ التداول السلمي للسلطة بصورة كاملة في الدساتير العربية والممارسات السياسية على السواء، فإن النزعة التسلطية لن تفضي إلا إلى المزيد من الشرذمة، والشقاق، والعنف.

يتعيّن على البلدان العربية أن تركّز على بلورة هُويات وطنية قوية قادرة على استيعاب جميع الولاءات الأخرى. وينبغي النظر إلى التنوع الثقافي، والإثني، والديني في العالم العربي بوصفه مصدر قوة لا ضعف.

ويعني ذلك أن على الحكومات أن تُنمّي إحساساً بالمواطنة يُعلي من شأن التنوّع، عوضاً عن تشجيع أشكال ضيقة من الشعور القومي تؤكّد تفوّق فئات معينة على فئات أخرى. ومن العوامل الحيوية في تعزيز المواطنة الإقرار والاعتراف بحقوق المرأة، بجعل هذه الحقوق جزءا أصيلاً لا يتجزّأ من الدساتير والتشريعات.

يتطلّب تجسيد هذه التطلعات اتخاذ خطوات مهمة عدّة. فلا بدّ،

أولاً، من إعادة صوغ مناهج التربية والتعليم الوطنية، والاستعاضة عن برامج التعليم المُسخَّرة لإظهار الخضوع والولاء لزعيم أو جماعة من الزعماء المقتدرين بمناهج تعلّم الولاء للوطن.

ثانياً، ينبغي أن يُطبَّق حكم القانون على الجميع بالتساوي، سواء كانوا من الأغلبيات أو الأقليات. فقد كانت العدالة الاجتماعية واحداً من المطالب التي طرحتها مختلف الانتفاضات العربية العام 2011.

وكان المواطنون في البلدان العربية يعربون عن موقف معارض لممارسة المحسوبيةالذي توزع فيه المكرمات والامتيازات على البعض لقاء ولائهم لزعيم أو نظام – وهو نظام شاع منذ عهد بعيد في بقاع عديدة من العالم العربي. ونتيجةً لذلك، فإن الناس لا يشعرون بأن بوسعهم تحقيق التقدم في حياتهم على أساس الجدارة. وقد ارتدّ أكثرهم إلى الانتماء إلى هُويّات فرعية – سواء كانت دينية، أم قبلية، أم جغرافية – بوصفها قنوات أكثر فعالية يمكن من خلالها التعامل مع مظالمهم.

ثالثاً، ينبغي تأمين حماية قانونية لحرية الاختلاف. فمن الأمور الحيوية أن تقوم البلدان التي تشهد مرحلة انتقالية إلى أنظمة أكثر انفتاحاً، بمأسسة الحقوق الخاصة بجميع الشرائح الاجتماعية. وسيؤدي الترسيخ المبكر لهذه الحريات إلى ضمان انتقال أكثر سلاسة، ويكفل للمواطنين، في الوقت نفسه، أن حكوماتهم ستصون حقوقهم. وسيفضي ذلك، بدوره، إلى تعزيز التماهي، بصورة أقوى، مع الدولة في أوساط المواطنين.

ولا يكفي الالتزام بالتعددية كشرط وحيد لضمان الاستقرار والازدهار في العالم العربي، إلا أنه خطوة ضرورية أولى لوضع بلدان المنطقة على المسار الصحيح المؤدّي إلى تحقيق هذه الأهداف الأساسية.

***

مروان المعشّر ـ نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وشغل سابقاً منصبَي نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية في الأردن.

_____________

المصدر: تقرير مؤسسة كارنيغي (انكاسارات عربية: مواطنون، دول، وعقود إجتماعية


أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر