Minbar Libya

بقلم مارك لينش

يُنبئ شطب الفرص الديمقراطية، وصعود تنظيمات عنيفة ناجحة، وتغيّر السياقين الإقليمي والإسلامي بأن منظمات أخرى غير الإخوان المسلمين قد تهيمن على المرحلة المُقبلة من السياسات الإسلامية.

***

الجزء الرابع

السؤال الكبير الآن الذي يتخبط في لججه قادة الجماعة هو: كيف سيؤثّر فقدان هذه الفرص على المواقع طويلة الأمد للأحزاب الإسلامية؟

الحزب مقابل الحركة

لم تجذُب أيٌ من التطورات الأخيرة في الطيف الإسلامي تفاعلات إيجابية واسعة، كتلك التي أطلقها قرار حركة النهضة التونسي بفصل الحزب السياسي عن الحركة الدينية وإعادة وَسم نفسها بالتعبير الذي يستخدمه الغنوشي نفسه، أي الإسلامي الديمقراطي“.52 وقد أعادت هكذا خطوة شجاعة تشكيل الحَلَبَة السياسية الإسلامية بوسائل مشوّقة حظيت باستحسان أنظمة الخليج، وفئات الجمهور المحلي المُعادية بالاجمال للإسلاموية، كما حفزت إسلاميين آخرين على دراستها بعناية.

بيد أن خطوة النهضة لم تكُ في الواقع فريدة أو مُستجدة كما بدت للوهلة الأولى. إذ كان ثمة أحزاب إسلامية أخرى تشعر هي الأخرى بالقلق حيال قضية التعايش بين الأوجه الدينية والاجتماعية لمنظماتها، وبين الأجندة العملية المحدودة الكامنة في هوياتها كأحزاب سياسية. وقد حاول بعضها التجاوب مع الضغوط التي مارستها عليها أحزاب أخرى والمجتمع المدني مطالبة إياها برسم خطاً فاصلاً بوضوح بين مسألة أين تنتهي الحركات الإسلامية، وأين تبدأ الأحزاب السياسية. وجرى ذلك في وقت كانت تتعالى فيه احتجاجات النقّاد من أن إدعاء هذه الاحزاب النطق باسم الإسلام وتُمثليه، يُسبغ عليها ميزة تفاضلية غير عادلة مع الناخبين الدينيين.

بيد أن الإسلاميين أنفسهم رفضوا غالباً هذه المجادلات استناداً في آن إلى أسس إيديولوجية واستراتيجية، وفضّلوا التمتع بالفوائد الانتخابية التي يوفّرها جهاز له انتشار واسع في المجتمع، بدل تهدئة شكوك منافسيها السياسيين. ثم أن الجهود السابقة لتسوية التوتر بين الحزب وبين الحركة من خلال تشكيل أحزاب سياسية اسمية، نادراً ما أنتجت هيئات منفصلة حقا.

وهكذا، بقي حزب العمل الإسلامي في الأردن غير مميّز كلياً تقريباً عن منظمته الأم، تماماً كما حزب الحرية والعدالة المصري في علاقته مع جماعة الإخوان. أما الغنوشي وباقي قادة النهضة فقد طرحوا باستحسان سابقة حزب العدالة والتنمية المغاربي، الذي كان أول من فصل حزباً سياسياً اسلامياً إسلامياً عن حركته الدينية من الناحيتين التنظيمية والبرامجية، كما كان الأكثر نجاحاً من بين كل الاحزاب الإسلامية في العثور على مكان له في مركز السياسات الوطنية.

ويلاحظ الباحث خليل العناني أن الخطة البارعة لفصل الحزب عن الحركة هي حصيلة نقاش قديم ومُتجدد، لكنه سُوِّيَ غالباً في المراحل السابقة لصالح الإدماج المتواصل.53

بيد أن الوعد الأوّلي بإرساء ديموقراطية حقيقية بعد انتفاضات 2011 ثم ماتلاها من هزّات عمليات الانتقال الفاشلة، منحت هذه الفكرة حفزاً أكبر.

وقد أرتدت خطوة النهضة الدراماتيكية، والتي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، بفصل هاتين الوظيفتين بأهمية أكبر لأنها جاءت في هذا السياق الانتقالي. وهكذا، وصفها الباحث خالد الحروب بأنها واحدة من أهم الخطوات في تطور الإسلام السياسي منذ نشأته“.54

والأن، ومع هذا الفصل، يمكن لحزب النهضة، مبدئياً، أن يخسر القدرة على الإفادة من موارد الحركة الدينية وخدماتها الاجتماعية، لكنه في المقابل سيربح في مجالات عدة منها توسيع دائرة المنضمين إليه، وتبنّي مواقف خارج أطر الاهتمامات الإسلامية التقليدية، والدخول بسهولة أكبر في تحالفات مع أطراف غير إسلامية.

هذه الاندفاعة الجديدة كانت براغماتية إلى حد بعيد، وهي تجد جذورها في الاعتراف بأن المقاربة التقليدية الخاصة بوضع الحركة الدينية في خدمة السياسات الانتخابية، فشلت فشلاً ذريعا. وقد عَنَتْ هذه البراغماتية أن الفصل سيُثبت، على الأقل في البداية، أنه ذو ديمومة مع نجاح هذا التشكُّل الجديد. لكن، لايزال يتعيّن على النهضة الذهاب إلى أقلام الاقتراع كحزب سياسي إعيد بناؤه، ولذا، إذا مافشلت هذه المغامرة في تحقيق نتائج ملموسة، قد تطفو الضغوط لإعادة دمجه في الحركة على السطح مجددا.55

في الأردن، يعتقد بعض قادة جماعة الإخوان أن فصلاً مماثلاً بين الحزب والحركة قد يوقف ضغط النظام المتواصل على المنظمة.56 لكن جبهة العمل الإسلامي، وهي إحدى التجليات المبكّرة والأكثر نجاحاً للأحزاب السياسية في الجماعة، لم تنفصل أبداً في الواقع بأي معنى يُعتد به عن الحركة الأوسع.

وقد جادل الخبير الإسلامي المتمرّس حلمي الأسمر بأنه في المناخ السياسي الجديد أدّت الازدواجية بين الحزب والجماعة إلى جعل هذه الأحزاب (الإسلامية) غير فعّالة“.57 بيد أن مثل هذه التقييمات لم تؤد بعد إلى أي قرارات نهائية.

يُذكر هنا أنه حتى جماعة الإخوان المصرية انضمّت إلى هذا النقاش، سعياً منها للعثور على مخرج من ورطتها.58

ففي 7 أيار/مايو 2016، وزّعت اللجنة الإدارية العليا لجماعة الإخوان علناً خريطة طريق لانقاذ المنظمة من خلال انتخابات داخلية جديدة.59

واقترحت اللجنة، في سياق اعترافها بحقائق الانشطارات العميقة وفشل المبادرات السابقة، إجراء انتخابات فورية لكل مكاتب الجماعة وعقد مجلس شورى جديد في حزيران/يونيو. لكن شيئاً من هذا لمّا يحدث.

جاءت هذه التطورات بعد شهرين فقط من اقتراح عمر دراج، وهو قيادي بارز في الجماعة في حقبة مابعد الانقلاب، بفصل الحزب السياسي عن الحركة الدينية، كخطوة لإعادة تأهيل المنظمة سياسيا.60

كما طرح دراج، في إطار النقاشات الداخلية حول إعادة هيكلة جماعة الإخوان، فصل عمل الجماعة الديني والسياسي وامتناع الجماعة عن التعبئة السياسية لفترة محددة من الزمن، كشرط مُسبق لقاء وقف إجراءات النظام التصعيدية ضد المنظمة. لكن حتى الآن، لم تحصد كل هذه المبادرات سوى الريح، ومع ذلك تستمر النقاشات الجيّاشة، فيما يواصل قادة والأعضاء في الجماعة البحث عن استراتيجية فعّالة.

مسألة الفصل هذه تبدو أكثر صعوبة بكثير في مصر منها في تونس، بسبب كلٍ من السياق السياسي والتجارب الخاصة لفرعي الجماعة. فقلّة من المصريين ستنسى سريعاً تجربة حزب الحرية والعدالة، الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين المصرية، بما في ذلك استخدام الجماعة الكثيف للخدمات الاجتماعية بهدف حصد الأصوات خلال انتخابات 2011 و2012.

ثم أن الجماعة كانت منغمسة بعمق في العمل السياسي خلال السنوات الـ15 الأخيرة، ما جعل التداخل بين نشاطاتها مركزياً لهوية المنظمة، وهيكليتها، وممارساتها. ويبدو من غير المحتمل أن يقبل الشبان الغاضبون من أعضاء الجماعةالمصدومون بالقمع العنيف للنظام، والتعذيب، والقتل الجماعيبفصل الحزب عن الحركة.

كما لايُظهر النظام المصري أي مؤشرات على أنه قد يُرحِّب بعودة الإخوان إلى الحياة العامة، لابل هو صعّد مصادرته لأصولهم وصنّف الجماعة كمنظمة إرهابية.

على أي حال، باتت فكرة فصل الحزب عن الحركة مُكرَّسة بوضوح كنموذج للمنظمات الإسلامية، حتى ولو كانت هذه تبدو مُترَعة بالاشكاليات في مصر. فالاستقبال الحماسي للمُعلقين المُصطفين مع دولة الإمارات العربية المعادية للإخوان، لقرار النهضة، قد يكون مؤشراً على الاحتمالات التي يمكن أن يوفّرها هذا النهج للإسلاميين المُحاصرين.

لكن، أي شكل سيرتديه هذا الفصل، وكيف سيؤثر على الآفاق الانتخابية للمنظمات الإسلامية، وما إذا كان أعضاء الجماعة مستعدين لقبول هذا الفصل، وإمكان تغلُّب الإسلاميين على شكوك غير الإسلاميين؛ كل هذه ستكون مسائل وأسئلة كبرى في المرحلة المقبلة.

المشاركة الديمقراطية

لقد استأثرت مسألة ماإذا كانت منظمات جماعة الإخوان ستصبح أكثر اعتدالاً حين تُمنح فرصة المشاركة في السياسات الديمقراطية، بالكثير من النقاشات بين علماء السياسة حول الحركات الإسلامية.61

لكن جُل هذه النقاشات خرجت مُحبطة. فمنظمة ما يمكن أن تكون معتدلة للغاية في مطالبها السياسية، فيما هي راديكالية جداً في رؤاها الثقافية والاجتماعية. ومواقف مختلف جماعات الإخوان قد تكون متطرفة في العلاقة مع القيم الغربية، لكنها متناغمة تماماً مع التيار الرئيس السائد في العلاقة مع القيم الخاصة ببلدانها.62

لطالما كانت المشاركة في العملية السياسية الرسمية مؤشّراً فاقعاً على طموح الإخوان المسلمين لأن يصبحوا جزءاً من التيار السائد. وقد نُظر حتى إلى مقاطعة الأحزاب الإسلامية للانتخابات مراراً وتكراراً على أنها تشكّل نقداً للممارسات غير الديمقراطية للأنظمة، لا رفضاً لمبادئ الديمقراطية. لذا، من غير المستغرَب ألّا تتوانى الأحزاب الإسلامية في المنطقة عن خوض الانتخابات التشريعية، حتى بعد تعرّضها إلى ضغوط شديدة.

تُعتبر تجربة مصر هنا أيضاً إشكالية وشاذّة في سياق المشهد الإسلامي الأوسع، كما أن المسار الذي سلكته البلاد بعد العام 2011 لم يقدّم دروساً حاسمة. ذلك أن فترة الانفتاح الديمقراطي كانت قصيرة للغاية، وترافقت مع غياب القواعد الدستورية أو المؤسسية المُستقرة، ناهيك عن أن الإدماج الديمقراطي أدّى إلى تقلّب حادّ في سلوك الإخوان وسائر الأفرقاء السياسيين في مصر.

فقد أسفرت الانتفاضة المصرية عن إضعاف الدولة بعمق، وتسلّل انعدام اليقين الحادّ إلى داخل المؤسسات التي كانت سابقاً تنعم بالاستقرار. وتخلّل تلك الفترة إجراء الانتخابات وسعيٌ إلى إرساء الحوكمة في ظل غياب دستور جديد وحالة من الاستقطاب الاجتماعي الكثيف والمتسارع، فضلاً عن التدخّل السافر لجهات خارجية لها مصلحة بما ستؤول إليه الأمور.

ولعلّ الطموح الذي كان يتنازع الإخوان من جهة، ونوازع الخوف الذي انتابهم من جهة أخرى، في خضم أجواء انعدام اليقين السائدة، توضح بشكل أفضل اندفاعهم المتهوّر للقبض على مقاليد الحكمآنذاك.63

يشي التخندق السلطوي الذي شهدته مصر في السنوات الأخيرة بأن الفرص المُتاحة للإدماج الديمقراطي ستكون ضئيلة في المستقبل المنظور.64

لكن الإدماج السياسي، شأنه شأن القمع، قد يرتدي أشكالاً عديدة، وقد يمارس هذان الاثنان تأثيراً مختلفاً على الهوية والسلوك التنظيميين.

ثمة فارق شاسع بين المشاركة في برلمانات سلطوية إلى حدٍّ ما (حيث لاتواجه السلطة الحاكمة أبداً تهديداً يُذكر)، وبين المشاركة في الأنظمة الديمقراطية بحق (حيث من الممكن حصد الفوز في الانتخابات والوصول إلى سُدة الحكم). وفيما قد يؤدّي إدماج الجميع في ظل الحالة الأولى (الأنظمة السلطوية) إلى تبنّي أهداف سياسية معتدلة أكثر لأن هامش العمل ضيّق، قد تؤدّي المشاركة في الحالة الثانية (الأنظمة الديمقراطية) إلى رفع سقف التطلّعات بإمكانية تحقيق تغيير جذري.

لكن التداعيات السببية البديلة واردة هنا أيضاً: فالإدماج السلطوي قد يعزّز الخطاب المتطرّف، لأن الكلام لا قيمة له ما لم يقترن بالأفعال. أما الإدماج الديمقراطي، فقد يشجّع على توخّي الحذر خوفاً من إقصاء الناخبين الوسطيين.

باختصار، كان من المنطقي دوماً الحديث عن أنماط اعتدال تختلف باختلاف أشكال الإدماج المتّبعة. ففي حين أن الإدماج السلطوي في المغرب حوّل خطاب حزب العدالة والتنمية وسلوكه إلى خطاب براغماتي ووسطي، كان للإدماج الديمقراطي في تونس، التأثير نفسه على حزب النهضة.

لعبت الانتخابات أدواراً عديدة في استراتيجية المشاركة. فحتى حين كان الإخوان يدركون أن الفوز في الانتخابات بعيد المنال، اعتُبرت المُشاركة وسيلة للتواصل مع المجتمع. كذلك، لطالما سعى أعضاء الإخوان إلى تبوّؤ مناصب قيادية داخل المجتمع المدني، وشكّلت الجامعات منبراً أساسياً لخوض النقاشات والتدريب في المجال السياسي، كما باتت الجمعيات المهنية معاقل للإسلاميين. وأتاحت الكتل البرلمانية، حتى عندما لم تكن قادرة على سنّ تشريعات مهمّة، الفرصة لتسليط الضوء على انتهاكات الحكومة والحفاظ على الحضور العام.

لذا، لم يكن تسنّم الحكم ضرورياً في إطار هذه المقاربة، بل كان سيلقي أعباء ثقيلة على كاهل الإخوان لتلبية مطالب المعارضة. لكن هذا المسار الطويل تعثّر بفعل التغيرات السياسية التي توالت بوتيرة متسارعة بدءاً من العام 2011. 65

من المدهش كم كانت مواقف الأحزاب التابعة لجماعة الإخوان المسلمين متّسقة لجهة اتخاذ قرار المشاركة في الانتخابات، في ظل العديد من الأنظمة السياسية، وعلى الرغم من تعرّضها إلى القمع بدرجات متفاوتة.

عموماً، الأحزاب الإسلامية التي قرّرت في وقتٍ معيّن مُقاطعة الانتخابات، كانت تعود لاحقاً لخوضها. ولم تَحِد هذه الأحزاب عن نهجها هذا خلال السنوات التي أعقبت الانتفاضات العربية. لذا، لن يكون مفاجئاً أن يخوض الإخوان المسلمون مجدّداً غمار الانتخابات بعد سنوات قليلة، حالما تتبدّل الظروف، مع أن هذا الأمر يبدو اليوم مستحيلاً.

العنف والتطرّف

أثّر تبدُّل السياق السياسي في أعقاب الانتفاضات العربية أيضاً على الحجج والعقائد الإسلامية حول العنف.66

فمنذ وقوع الانقلاب في مصر والمنحى التصعيدي الذي سلكته حركة التمرّد في سورية، بات العنف جزءاً من التيار العام الرئيس في المنطقة، ماشكّل تحدّياً جوهرياً لمنطق اللاعنف الذي وجّه دفّة الإخوان خلال العقود السابقة.67

وفي هذا الصدد، أعاد حازم سعيد، عضو جماعة الإخوان المسلمين في مصر، تشكيل شعار سلميتنا أقوى من الرصاصالذي لايَني يردّده المرشد العام للجماعة، في إطارٍ مختلف، مجادلاً أن الجماعة ترى إلى اللاعنف على أنه مجرّد تكتيك لا مبدأ إيديولوجي جوهري، على عكس الجهاد الذي تعتبره في المقابل مبدأ أساسياً ينبغي تحقيقه أحياناً بحدّ السيف، مضيفاً أن السؤال هو متى يجب الالتزام بمبدأ السلمية ولأي غاية.68 من الملفت أن مثل هذا الحديث، على الرغم من أنه يعبّر عن وجهة نظر عضو واحد وحسب، بات يُطرح في العلن اليوم.

تسلّط هذه المسألة الضوء على المخاطر المُحتملة للمنطق البراغماتي. ففيما كان اللاعنف سابقاً وسيلة فعّالة لاحتلال موقع الوسط وطمأنة الأفرقاء المشكّكين من غير الإسلاميين، يبدو أن المناخ الإقليمي الجديد يعطي قيمة للعنف لا بل يطلبه.

ومع تزايد زخم التمرّد السوري في العام 2013، بدأت النظريات الجهادية والممارسات العنيفة التي كانت مصدر نفور وإدانة في السابق، تحظى بتأييد علني، لا بل بالإشادة من قِبَل العديد من وسائل الإعلام العامة ووسائل التواصل الاجتماعي العربية.

وفي الوقت نفسه، سعت جماعة الإخوان المسلمين في سورية إلى تطبيق رؤيتها الوسطية التقليدية في خضم هذا المناخ المُترَح بالعنف، من خلال بذل جهود حثيثة (أكثر من معظم الجماعات الإسلامية الأخرى) للانخراط مع الأفرقاء غير الإسلاميين وطمأنة الأقليات وإبداء انفتاحٍ على الغرب.

لكن مع حلول العام 2015، عاد العديد من الأنظمة العربية إلى قمع مظاهر التبنّي العلني للأفكار الجهادية، ليس فقط بسبب الضغط الذي مارسته الولايات المتحدة، بل أيضاً لأنها بدأت تعي حجم التهديدات المُحتملة التي تطرحها مثل هذه الجماعات على أمنها.

لقد تبدّل المشهد الإقليمي والإسلامي جذرياً على مدى السنوات الأخيرة، بحيث بات من المستبعد أن تلعب جماعة الإخوان دور الحاجز ضد التنظيمات المتطرفة والعنيفة، حتى لو كانت لاتزال تريد ذلك. بل غالب الظن أن يؤدّي العنف المتنامي للسياسات الوطنية والإقليمية وتقهقر البدائل الديمقراطية والسلمية إلى دفع الأفكار السياسية التي يتبنّاها الإخوان المسلمون في اتجاهات أكثر تطرّفاً.69

لقد تغيّرت نظرة الإخوان المسلمين إلى استخدام العنف على مدى السنوات الأخيرة لأسباب نظرية وعملية في آن، ناهيك عن أن الصدمة الناجمة عن انقلاب العام 2013 تركت تأثيراً بالغاً في نفوس العديد من الأعضاء الشباب.70

يبدو أن اللاعنف كاستراتيجية قد باء بالفشل، فيما أولئك الذين يستخدمون العنف باتوا يحققون تقدّماً عبر المنطقة.71

إذ من الصعب رفع راية اللاعنف بينما يتعرّض الإسلاميون السلميون إلى القمع، في ظلّ الحروب التي تدور رحاها في كلٍّ من ليبيا وسورية واليمن. والحال أن التفوق المتصوّر للنموذج الجهادي يرتكز جزئياً على النجاحات التي حصدها مقارنةً مع الفشل الذي مُنيت به حركات التيار السائد.

لقد حظي نموذج الدولة الإسلامية بالجاذبية لأنه أظهر مدى فعالية العنف في الاستيلاء على الأراضي، وإقامة الحوكمة، والهيمنة على المجال العام. ومع أن الخسائر المتواصلة التي يتكبّدها هذا التنظيم واحتمال أن يُمنى بهزيمة عسكرية في ليبيا والعراق وسورية يحدّان من جاذبية هذا النهج، إلا أن قدرة تنظيم القاعدة وغيره من الشبكات السلفية الجهادية على البقاء والاستمرار طيلة الأعوام الـ15 الماضية، تشي بأن جوهر السردية الجهادية له جذور عميقة.

خاتمة: ما مستقبل السياسات الإسلامية؟

لاتشي مكابدات جماعة الإخوان المسلمين في مصر بأُفول الإسلاموية. فقد صمدت الحركات الإسلامية سابقاً في وجه حملات القمع الشرسة التي مارستها الدولة. وعلى الرغم من المضايقات التي تعرّضت إليها حركة النهضة في تونس على مدى عقود، إلا انها فازت في الانتخابات بعد أقل من عام على إطاحة الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

كذلك نجا الإخوان المسلمون في سورية من الحملة التي شنّها ضدّهم نظام الأسد، والتي كانت أقرب إلى التصفية منها إلى القمع، واضطلعوا بأدوار بارزة في مؤسسات المعارضة التي نشأت في أعقاب انتفاضة العام 2011.

كما صمد الإخوان المسلمون في مصر في وجه موجة القمع العاتية التي تعرّضوا إليها على يد نظام الرئيس جمال عبد الناصر في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم. ويبدو مُحتملاً أن تعاود جماعة الإخوان النهوض مجدّداً بعد الأزمة الراهنة. لكنها ستعود على الأرجح بحلّة جديدة.

فالجماعة التي عاودت الظهور في السبعينيات بعد الانفتاح السياسي على الإخوان في عهد أنور السادات، بدت مختلفة بشكلٍ كبير عما كانت عليه في العقود السابقة.

وكان التطور الذي شهدته جماعة الإخوان المسلمين السورية في المنفى في التسعينيات وفي العقد الأول من القرن الواحد والعشرين مختلفاً تماماً عن مسار جماعات الإخوان الأخرى التي بقيت ناشطة في ظل أنظمة سلطوية. كذلك شهد مسار حركة النهضة التونسية تطوراً دراماتيكياً خلال العقود التي تعرّضت خلالها إلى القمع على يد نظام بن علي، وتبدّى هذا جليّاً في سلوكها وخطابها في المرحلة الانتقالية التي أعقبت العام 2011.

وباتت جماعة الإخوان الأردنية الأكثر تقدّمية من بين الأحزاب السياسية الإسلامية في مطلع التسعينيات، حين بلغت الديمقراطية أوجها في الأردن، قبل أن تنزلق مجدّداً إلى غياهب التراجع والانقسام والتهميش بعد عقود من الاضطهاد المطّرد.

يُنبئ شطب الفرص الديمقراطية، وصعود تنظيمات عنيفة ناجحة، وتغيّر السياقين الإقليمي والإسلامي بأن منظمات أخرى غير الإخوان المسلمين قد تهيمن على المرحلة المُقبلة من السياسات الإسلامية؛ وذلك لأن النموذج التقليدي الذي تمثّله جماعة الإخوان غير مواتٍ في ظل المناخ الراهن الذي تبدو أبوابه مشرّعة أمام الخصوم الإسلاميين للإخوان.

وهذا يعني أن إخفاقات الإخوان المسلمين في مصر بالكاد ألقت بظلالها على الاندفاعة الإسلامية، بل حدث العكس حيث تحوّلت نقطة الارتكاز نحو الشبكات السلفية والجهادية التي تستند إلى رؤى إسلامية أكثر تزمّتاً وأقل مرونة. وفي حين أن التيار الإسلامي السائد اتّسم لعقودٍ بلاعنف الإخوان المسلمين ومشاركتهم في المسار الديمقراطي، إلا أنه بات يتجلّى الآن في سورية، وللعديد من السنّة في دول الخليج، من خلال حركة أحرار الشام ذات الأفكار السلفية الجهادية المُغالية بمذهبيتها.

فتح الإسلاميون بخطى حذرة النقاش حول هذه الوقائع السياسية الجديدة وبدأوا يعيدون النظر في إيديولوجياتهم واستراتيجياتهم. وتوفّر هذه النقاشات، التي كثيراً ماتُجرى على المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي بشكلٍ علني إلى حدٍّ ما، لمحةً عن الجهود الجماعية التي يبذلها الإسلاميون للإحاطة بالأوضاع الراهنة والتأقلم معها.

بيد أنهم لمّا يقطعوا بعد شوطاً كبيراً نحو صياغة توافق جديد. وقد تركت المحن التي تخبّط فيها أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في مصر في العام 2013 بصماتها المريرة والدامغة في نفوسهم، كما أن وقع الانقسامات لايزال مدوّياً حتى الآن. أما بالنسبة إلى الإسلاميين المغاربة والتونسيين والكثيرين غيرهم، فقد استأثرت متطلبات السياسات المحلية بكامل اهتمامهم. وفي ساحات الوغى مثل ليبيا وسورية، شكّلت ظروف الصراع وجاذبية الإيديولوجات الأكثر تطرّفاً عقبات كأداء يصعب تجاوزها.

يلقي هذا المناخ عبئاً أكبر على كاهل الأحزاب الإسلامية كي تنخرط في استراتيجيات الطمأنة والتنازلات الوقائية، في حين تسعى إلى تبوّؤ مناصب جديدة في المجالين السياسي والاجتماعي. ويبدو أن الأحزاب الإسلامية التي تحصد النجاح الأكبر، هي تلك التي نجحت في التكيّف مع الظروف السياسية الوطنية والإقليمية الجديدة، أي التي تعمل من داخل المؤسسات السياسية القائمة، عوضاً عن التصدّي لها. لقد انتصر الإصلاح – أو على الأقل الإدماج للجميع – على الثورة.72

تمكّن كلٌّ من حزب العدالة والتنمية في المغرب، وجماعة الإخوان المسلمين في سورية، وحزب الإصلاح في اليمن، وحركة النهضة في تونس، والحركة الدستورية الإسلامية في الكويت، من التكيّف مع الوقائع المحلية والإقليمية والظروف القائمة داخل التيارات الإسلامية، من خلال طمأنة سائر المجموعات حول حسن نواياهم، وممارسة الضبط الذاتي، والالتزام على نحو مقنع بالعمل من داخل النظام عوضاً عن السعي إلى الهيمنة.

وغالب الظن أن خطوة النهضة التي لقيت ترحيباً كبيراً وتمثّلت في فصل الحزب عن الحركة، ستؤثر على السجالات الوطنية والإقليمية حول المفاهيم، أكثر من مضاعفاتها على الأرض.

أما جماعة الإخوان المسلمين في مصر فهي تواجه مساراً أصعب من ذاك الذي ينتظر معظم نظرائها. فقد أدّى المستوى الحاد من الاستقطاب بين عامَي 2011 و2013، والقمع الشرس الذي تعرّضت إليه في أعقاب الانقلاب العسكري، والحملة التي شنّها النظام ضدّها من دون كلل، إلى المزيد من التشدّد في المواقف المناهضة للإخوان.

وباتت الجماعة غير قادرة على شقّ طريقها مجدّداً إلى النظام السياسي، أو حتى إلى بلوغ توافق داخل صفوفها حول هذه المسألة. كما بدا أنها عاجزة أيضاً عن طمأنة عموم المصريين المعادين لها، أو عن بناء تحالفات سياسية جديدة، حتى في ظل تنامي الانتقادات الموجّهة إلى نظام الرئيس عبد الفتّاح السيسي في أوساط النخبة.

وقد باءت بالفشل حتى الآن المبادرات الرامية إلى رأب صدوع الانقسامات غير المسبوقة التي تشوب الجماعة عن طريق الانتخابات وإعادة الهيكلة التنظيمية. ونحن بانتظار أن تؤتي الحوارات الداخلية أُكلها من خلال بلوغ توافق بشأن الاستراتيجية السياسية التي ينبغي اتّباعها أو بشأن المسائل الإيديولوجية الرئيسة حول العنف والمشاركة السياسية.

لكن، ريثما يتحقق ذلك، يُرجّح أن تبقى جماعة الإخوان المسلمين مُستغرقة بانقساماتها ومعزولة عن النظام السياسي المصري السلطوي، لكن الهشّ. وقد تكفّ مصر عن الاضطلاع بدور محوري في مشهد السياسات الإسلامية، والإقليمية بشكلٍ أعمّ.

سيكون لتطوّر المؤسسات السياسية، لا للإيديولوجيات الإسلامية، الفضل الأكبر في رسم معالم مستقبل السياسات الإسلامية. فالأحزاب الإسلامية تتكيّف مع الوقائع المحلية والإقليمية، بحيث تغدو عنيفة في خضم الحروب الأهلية، وديمقراطية حالما تسنح أمامها الفرصة لخوض الانتخابات. لقد أفسحت الانتفاضات العربية المجال لدمج الأحزاب الإسلامية في العملية السياسية أكثر من أي وقتٍ مضى. بيد أن ردود الفعل العنيفة التي أُثيرت في أعقاب تلك المراحل الانتقالية قد تؤدّي إلى إقصاء المجموعات الإسلامية عن المشاركة السياسية، وتدفعها عوضاً عن ذلك إلى الحشد والتعبئة ضد الأنظمة السياسية. لاتزال القواعد الشعبية التي عبّأتها الحركات الإسلامية موجودة وحاضرة. وتظهر التحديات التي يطرحها تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة أن ثمة حاجة ماسّة إلى إعادة بناء حواجز ضد التطرّف.

وستنجح الأحزاب الإسلامية في التكيف مع هذه التحديات إذا ما كانت قادرة على صوغ استراتيجيات سياسية جديدة مُقنعة وتبنّي مواقف إيديولوجية متناغمة مع الظروف المحلية والإقليمية وتلك القائمة داخل الحركات الإسلامية والتي لاتني تتبدّل، وكذلك إذا ما استطاعت طمأنة الأفرقاء غير الإسلاميين الذين تساورهم الشكوك حيال نواياها، ونجحت في الحدّ من جاذبية التوجهات الإسلامية الأشد عنفاً وتطرّفاً.

***

مارك لينش باحث غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، تتركّز أبحاثه على سياسات العالم العربي.

      1. هوامش:

52 Rached al-Ghannouchi, “From Political Islam to Muslim Democracy,” Foreign Affairs 95, no. 5 (September/October 2016): 58–75.

53 خليل العناني، مأزق إخوان مصربين السياسي والدعوي، صحيفة العربي الجديد، 8 حزيران/يونيو 2016، https://goo.gl/Yp2leP

54 خالد الحروب، النهضة التونسية وتحولاتها: دمقرطة إسلامية جديدة؟، صحيفة الحياة، 22 أيار/مايو 2016.

55 مقابلات أجراها الكاتب مع العديد من المسؤولين رفيعي المستوى من النهضة، تونس، 22 و23 آب/أغسطس 2016.

56 محمد أبو رمان، ما بعد الإخوان!”، جريدة الغد، 31 كانون الأول/ديسمبر 2015، http://goo.gl/0kw56V

57 مقتبسة من مقال لأسامة الشريف باللغة الإنكليزية، موقع المونيتور، 14 كانون الثاني/يناير 2016.

58 Khalil al-Anani, “Egypt’s Muslim Brotherhood Faces a Choice: Religion or Politics?,” Washington Post, June 20, 2016, http://goo.gl/JNhAJ3.

59 خطة الإصلاح متوافرة علىhttp://ikhwanonline.info

60 عمرو دراج، مراجعات سياسية.. بين الدعوي والحزبي، موقع عربي 21، 12 آذار/مارس 2016، http://goo.gl/PHV3wC

61 Jillian Schwedler, “Can Islamists Become Moderates?: Rethinking the Inclusion-Moderation Hypothesis,” World Politics 63, no. 2 (2011): 347–76.

62 Jillian Schwedler, “Why Academics Can’t Get Beyond Moderates and Radicals,” Washington Post, February 12, 2015, http://goo.gl/8Oe3Se.

63 Khalil al-Anani, “Upended Path: The Rise and Fall of Egypt’s Muslim Brotherhood.” Middle East Journal 69, no. 4 (2015): 527–43.

64 ناثان ج. براون وميشيل دنّ، جماعة الإخوان المسلمين في مصر: ضغوط غير مسبوقة ومسار مجهول، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، تموز/يوليو 2015.

65 الطحاوي، الإخوانجدل الثورة والإصلاح“.

66 Annette Ranko and Justyna Nedza, “Crossing the Ideological Divide?: Egypt’s Salafists and the Muslim Brotherhood after the Arab Spring,” Studies in Conflict and Terrorism 39, no. 6 (2016): 519–41.

67 Ahmed Ban, “TRANSLITERATED TITLE” [The future of the Muslim Brotherhood between peacefulness and violence], Regional Center for Strategic Studies, August 12, 2015, http://goo.gl/oLrQHc

68 جورج فهمي، جماعة الإخوان المسلمين: صراعٌ حول السلمية أم حول الجماعة؟، الشروق، 24 كانون الأول/ديسمبر 2015، http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=24122015&id=3b3d33f1-41f6-4031-8002-f01f5885911a

69 مختار عوض ومصطفى هاشم، تصاعد التمرّد الإسلامي في مصر، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، تشرين الأول/أكتوبر 2015.

70 Samuel Tadros, “The Brotherhood Divided,” Current Trends in Islamist Ideology 19, (September 2015): 63–84, http://goo.gl/rGXIdS.

71 عوض وهاشم، تصاعد التمرّد الإسلامي في مصر“.

72 عبدالله الطحاوي، الإخوانجدل الثورة والإصلاح، العربي الجديد، 17 كانون الأول/ديسمبر 2015، https://goo.gl/9qbDGh

_____________

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر