Minbar Libya

بقلم ماجد البرهومي

الديمقراطية ليست «بدعة غربية» كما تسوق لذلك تيارات دينية متطرفة، بل هي نظام حكم قديم عرف في بعض أمم البحر الأبيض المتوسط، التي من بينها حضارات يجوز اعتبارها شرقية.


فالإغريق الذين يصنفون كغربيين تأثروا وأثروا في المجتمعات الشرقية القديمة، والحضارة الهيلينستية التي أرساها الإسكندر الأكبر دمجت بين شعوب من مشارق الأرض ومغاربها استحال الفصل بينها ثقافيا، وبالتالي لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار حضارة الإغريق المتوسطية التي نشأت في صلبها الديمقراطية حضارة غربية رغم وقوع اليونان جغرافيا في القارة العجوز.

كما أن جمهورية قرطاج التي عرفت نظام حكم تم الاتفاق بين المؤرخين وعلماء الاجتماع والسياسة على أنه نظام ديمقراطي، ليست حضارة غربية بالنظر إلى جذورها الفينيقية الكنعانية، واختلاط شعبها المؤسس بأمازيغ شمال أفريقيا في ما يعرف اليوم بتونس، رغم دخول أجناس أخرى في بوتقة هذه الإمبراطورية على غرار شعوب جزيرتي كريت ومالطا والصقليين وأهل سردينيا والكالابريين والتورينيين والبالياريين والإيبيريين وغيرهم.

فالديمقراطية بهذا المعنى هي موروث إنساني ساهم التونسيون في إرساء دعائمها في العهد القرطاجي، وكذا الليبيون الذين كانوا ضمن حدود هذه الجمهورية التي امتدت إلى خليج سرت، وبالتالي فهي ليست وافدا غربيا ثقيل الظل كما يروج لذلك البعض، ناهيك عن التشابه الكبير بين الديمقراطية وبين الشورى التي حث عليها الإسلام في أكثر من موضع.
ولم تبتدع البشرية في كل الأحوال منذ نشأتها، وإلى يوم الناس هذا، شكلا مثاليا للحكم، فحتى الديمقراطية، التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، فيها الكثير من المساوئ والهنات التي أطنب في الحديث عنها فقهاء وشراح القانون الدستوري وكذا المختصين في علوم السياسة والاجتماع، إلا أن الديمقراطية بأشكالها المختلفة، والتي جوهرها حكم الشعب لنفسه بنفسه إما مباشرة أو من خلال نواب (أعضاء برلمان، رؤساء، مسؤولين جهويين ومحليين) ورغم كل النقائص التي يمكن تعدادها، تبقى أفضل ما توصلت إليه الإنسانية باتفاق أغلب الباحثين والمفكرين وحتى الساسة.

فقد اعتبر رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرتشل، المنتخب ديمقراطيا، في هذا الإطار، أن الديمقراطية هي أسوأ شكل للحكم، باستثناء جميع الأشكال الاخرى التي جُرّبت من وقتٍ لآخر.

وتقتضي الديمقراطية، باعتبار أنها ثقافة مستجدة في مجتمعاتنا القبلية الأبوية، ضرورة الاحتكام باستمرار وقدر الإمكان، للإرادة الشعبية من خلال تكثيف المناصب الخاضعة للانتخاب والابتعاد عن سياسة التعيينات، أسوة بديمقراطيات عريقة اتبعت هذا النهج وأثبت جدواه، وعملا بمبدأ «ضرورة إدارة الناس لشؤونهم بأنفسهم» حتى لا يقع الحيف بالمسار.

فكلما ازداد عدد المناصب الخاضعة للانتخاب ازدادت الثقافة الديمقراطية ترسخا في المجتمع، واعتاد الناس على التداول السلمي والاحتكام إلى الصندوق، وإقصاء منطق الغنيمة الذي يميز الحياة السياسية في كثير من المجتمعات العربية ذات الأصول البدوية.

كما تقتضي الديمقراطية، وفي هذا الظرف الاستثنائي الذي تعيشه المنطقة العربية، توسيع مجال الاستفتاء الذي يعبر من خلاله المواطنون مباشرة عن إرادتهم دون حاجة إلى وساطة المنتخبين، سواء أكانوا نوابا أو أعضاء حكومة أو رؤساء أو غيرهم.

فالثقافة الديمقراطية، التي تجعل من فوضهم المواطن شؤونه من خلال صناديق الاقتراع، يلتزمون بما تعهدوا به، غائبة أو تكاد عن الطبقة السياسية في بلادنا ولم تترسخ بعد، وبالتالي، فكلما تم الحد من سلطات المنتخبين وتفويض الأمور إلى صاحب السلطة الأصلي، أي الشعب، كلما تم الحد من الحيف والإنحراف لهؤلاء المؤتمنين على مصائر شعوبهم.

وتبدو بلداننا بحاجة أيضا إلى مؤسسات قوية يرسخها دستور ديمقراطي يساهم في كتابته خبراء من أهل الاختصاص أو لجنة برلمانية تضم خبراء يمتلكون القدرة على تشخيص الأوضاع واختيار شكل النظام المناسب وطرق سير المؤسسات والآليات. وتقوم هذه المؤسسات الدستورية والسلط بمراقبة بعضها بعضا وتتصدى لأي انحراف قد يحصل من إحداها أثناء أدائها لمهامها، سواء خلال المرحلة الانتقالية التي ستطول نسبيا أو حتى بعدها.

فمن البديهي أن التحول إلى النظام الديمقراطي في أي دولة يتطلب دستورا يكون الأصل للبنى المؤسساتية والأنظمة القانونية في الدولة، يحدد العلاقات بين المواطنين ودولتهم، وبين هذه الدولة وبلدان العالم ومنظماته الدولية.

ويلعب هذا الدستور دورا بالغ الأهمية في ترسيخ واستمرارية النظام الديمقراطي المفترض إنشاؤه لأنه الأساس الذي يبنى عليه كل شيء في مرحلة لاحقة لكتابته والمصادقة عليه من قبل برلمان أو مجلس تأسيسي أو هيئة أخرى يتم الاتفاق عليها.

ولعل الأهم، هو إيجاد أحزاب سياسية قوية وحقيقية تؤمن بالديمقراطية والتداول القيادي في مؤتمراتها، تكون بمثابة المخابر للتخطيط وإعداد البرامج وتكوين القادة وتهيئتهم للحكم. وهذا ما تفتقده على سبيل المثال تونس، التي طغت على أحزابها المحسوبية و اللوبيات العائلية، رغم أن الظاهرة الحزبية قديمة وتعود إلى بدايات هذا القرن مع تأسيس حركة الشباب التونسي سنة 1908 على يد ثلة من الوطنيين من أمثال علي باش حانبة والبشير صفر، ثم الحزب الحر الدستوري سنة 1920 على يد المرحوم عبد العزيز الثعالبي، فالحزب الحر الدستوري الجديد سنة 1934 على يد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة ورفاقه، ناهيك عن الحزب الشيوعي التونسي الذي نشط منذ سنة 1920 إلى أن تم تحجيمه بداية 1963 ليعود إلى النشاط بعد قرابة العقدين من الزمان إضافة إلى أحزاب أخرى لم تخطف الأضواء قبل الاستقلال.

كما أن تكريس الحريات العامة والخاصة وحقوق الإنسان واقعا، يعتبر أمرا ضروريا حتى ينجح أي مسار ديمقراطي في أي دولة تعيش أوضاعا مشابهة لحالة الفوضى وعدم الاستقرار التي تعرفها بلداننا.

وفي هذا الإطار وجب على منظمات المجتمع المدني أن تضطلع بدورها من أجل ترسيخ هذه الثقافة لضمان كرامة البشر، من خلال منظومة حقوقية متكاملة تولي العناية بالإنسان باعتباره محور الاهتمام، مع عناية أكبر بالطفل والمرأة والأسرة التي هي النواة الأولى للمجتمع وفيها تترسخ الثقافة الديمقراطية وتنتشر في المحيط الاجتماعي.

وينبغي للقضاء أن يلعب دوره المهم في عملية التحول الديمقراطي، فلا ديمقراطية بدون قضاء عادل ومستقل، يختلف عن السائد في الوقت الراهن والخاضع لسلطة الميليشيات، وبدون عدالة انتقالية حقيقية، لا عدالة المنتصر التي تسود اليوم في تونس وسادت في بلدان أخرى غيرها.

فالمحاسبة على الجرائم والانتهاكات التي حصلت قبل ما تسمى «ثورة 17 فبراير» وبعدها في ليبيا، ضروري، وكذا الاعتذار لضحايا العهدين للمرور مباشرة إلى مرحلتي المصالحة بين الجلاد والضحية، وإصلاح أجهزة الدولة لضمان عدم العودة إلى هذه الممارسات، ولطي هذه الصفحات السوداء في تاريخ ليبيا بصورة نهائية أسوة بما حصل في جنوب أفريقيا على سبيل المثال.

ويبدو تكريس الديمقراطية أيضا بحاجة إلى قوانين وتشريعات جديدة تضمن انتشار العدالة في مفهومها الشامل، وفي مختلف المجالات وتضمن أيضا التطبيق الصارم لهذه القوانين من قبل دولة مركزية قوية يمتد نفوذها على كامل الإقليم المترامي بحدوده الموروثة عن الاستعمار.

فمن الضروري أن يشعر المواطن بأن هناك مرحلة جديدة، تقطع نهائيا مع مساوئ الماضي دون إغفال ما تضمنته من إيجابيات، انطلقت فعلا في وطنه، تدفعه إلى الانخراط فيها بحماس أملا في مستقبل أفضل لأجياله القادمة. كما يبدو تطوير الحوكمة المحلية أمرا ضروريا من خلال الدفع باتجاه منح الجماعات المحلية الصلاحيات الإضافية التي تمكنها من المساهمة في عملية التنمية الشاملة، وفي بناء النظام الديمقراطي المنشود، خاصة أن مركزة السلطة أثبتت فشلها في عديد بلدان العالم.

ويتم ذلك من خلال الاستئناس بتجارب مقارنة لأنظمة سياسية حققت نجاحات في هذا المجال، سواء في العالم الغربي أو في بعض البلاد الإسلامية.

فوحدها الديمقراطية المحلية، التي يمكن أن تطبق فيها بعض آليات الديمقراطية المباشرة، نظرا لصغر مساحة المحليات وقلة عدد سكانها، قادرة على القضاء على النزعات الانفصالية وكذا الفيدرالية التي ينادي بها البعض في بلداننا دون خجل أو وجل.

فالحكم المحلي أو اللامركزي يمكن اعتباره منزلة بين المنزلتين وحلا وسطا يمكن أن يرضي دعاة الحكم المركزي ودعاة الفيدرالية على السواء.

لكن ما تعيشه بلداننا اليوم من فرقة سياسية واجتماعية وقبلية، ومن اقتتال وتناحر وانقسامات ومطالبات بالفيدرالية وغيرها، يجعل عملية التحول التدريجي نحو إدارة الصراع بين الفرقاء ديمقراطيا، عرضة لعديد المصاعب والعراقيل ما لم توضع خطة حقيقية أو خريطة طريق واقعية وجدية تحقق هذا التحول التدريجي في هذه البلدان بعيدا عن الحسابات الضيقة للفرقاء السياسيين ومن يحركهم، سواء وراء المحيط أو في الضفة الأخرى للمتوسط أو في مناطق أخرى.

ورغم أن معوقات تكريس الديمقراطية في بلداننا عديدة وهي الطاغية على المشهد، إلا أن هذه الصورة شديدة القتامة لا تخلو من بعض بقع الضوء التي تبعث الأمل في النفوس من أجل غد أفضل.

فمثلما توجد معوقات توجد أيضا معطيات واقعية وعوامل مساعدة قد تدفع يوما باتجاه استقرار بلداننا ونزوعها إلى صوت الحكمة والعقل بعيدا عن التناحر ودعوات الفرقة والفيدرالية والتقسيم، بعد أن تخف وطأة الضغوط الخارجية والتدخل السافر في شؤونها.

***

ماجد البرهومي ـ كاتب تونسي

__________

القدس العربي

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر