Minbar Libya

بقلم عبد الستار حتيتة

لا يمكن الجزم بما إذا كانت العمليات العسكرية الكبرى الجارية في ليبيا، منذ قرابة العامين حتى اليوم، تهدف إلى تقليم أظافر مئات الميليشيات المدججة بالأسلحة الثقيلة، وفقا لخطة معدة مسبقا، أو أن التطورات والتداعيات والاحتراب تسببت كلها في تغيير مواقع هذه الميليشيات مؤخرا، وانحصارها في المنطقة الغربية من البلاد، ومن ثم انشطار كثير منها إلى مجاميع أكثر اختلافا وصراعا مما كانت عليه في الماضي القريب.

تأتي هذه التساؤلات في وقت يحاول فيه المجلس الرئاسي، برئاسة فايز السراج المدعوم دوليا، إيجاد قوة يعتمد عليها في فرض سيطرته على البلاد وعلى العاصمة الغارقة في الفوضى.

وفي حين تبدو فرص التوافق بين السراج، وقائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، ضعيفة، تجري الآن محاولة لتأسيس قوة شبه نظامية لكي تحل محل الميليشيات التي نزح معظمها إلى طرابلس بسبب هزائمها في الشرق وفي مناطق بالجنوب أمام قوات حفتر.

ومما ينذر بمزيد من الاقتتال بين الميليشيات داخل العاصمة وجود حكومتين فيها، واحدة برئاسة السراج والثانية برئاسة خليفة الغويل. وكل من هاتين الحكومتين لديها من يساندها من المجاميع المسلحة داخل طرابلس، بما فيها تلك المجاميع التي انتصرت مؤخرا في الحرب على تنظيم داعش في مدينة سرت الواقعة في الشمال الأوسط من البلاد، على بعد نحو 400 كيلومتر إلى الشرق من طرابلس.

ويجري الاحتشاد في الوقت الراهن بين الميليشيات التي أصبحت تستعد لمقاتلة بعضها بعضا بعد أن كانت حتى أشهر قليلة مضت في حلف كبير ضد حفتر.

اليوم أصبحت توجد ثلاثة أنواع من المجاميع الميليشاوية في غرب البلاد:

النوع الأول جهوي. وهذا يتركز في مدينة مصراتة الثرية، مثل «كتيبة المحجوب والحلبوص» إضافة للمجلس العسكري للمدينة، وفي عدة ضواحي في طرابلس مثل ميليشيات وكتائب هيثم التاجوري وعبدالرؤوف كاره والقوة المتحركة وسوق الجمعة وفرسان جنزور، وغيرها.

وفي مناطق أخرى من غرب العاصمة مثل الزنتان والزاوية وورشفانة. وكل ميليشيا تقريبا لديها جهاز مخابرات صغير خاص بها ولديها سجن ومساجين وترتكب فظائع بعيدا عن سلطة القانون، مثل معسكر معيتيقة بالعاصمة الذي يوجد فيه نحو ألفي محتجز.

ووقعت أعمال تعذيب، ضمن المنافسة على بسط النفوذ داخل العاصمة أدت إلى القتل مثلما جرى مع الشيخ نادر العمراني. وآخر الضحايا مصري متطرف اسمه حسام محمود جرى تصفيته يوم الاثنين الماضي 2016/13/12 في استراحة أحد قادة الميليشيات وذلك بعد تسرب معلومات عن تعاونه مع ميليشيا منافسة.

ويشار إلى أن أغلب المدن الليبية، وبخاصة في الغرب، ما زالت تحتفظ بمجالس عسكرية أسستها أثناء الثورة على القذافي.

ويحاول كل مجلس عسكري، وبخاصة في المناطق المهمة بالعاصمة وما حولها، استقطاب الميليشيات لتعزيز قوته ونفوذه، كما حدث في بلدتي صبراتة والزاوية.

ويبدأ راتب عضو الميليشيا من نحو 300 دولار ويصل إلى أضعاف هذا المبلغ لمحترفي القنص وقيادة الدبابات. والقسم الأكبر من المخصصات المالية يأتي من خزينة الدولة.

النوع الثاني ميليشيات مذهبية لديها فهم خاص ومزاعم عن تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة دولة دينية، منها ميليشيا أبو سليم التي توجد شكوك عن تعاونها مع «داعش». وأبرز هذه الميليشيات «كتيبة الفاروق» التي لها فرع في مصراتة وفرع في مدينة الزاوية، وهي ميليشيا «داعشية» بالأساس. وبعد تعرض «داعش» لضربات في سرت بدأت عناصره في التمركز في منطقتي الخمس ومسلاتة قرب العاصمة، وبعض البلدات الصحراوية في الجنوب.

وتحصل ميليشيات «داعش» على الأموال والدعم من جهات غامضة من وراء البحر.

وهناك الميليشيات التابعة للجماعة الليبية المقاتلة الموالية لتنظيم القاعدة، ومركزها طرابلس.

وميليشيات «الغرياني» وهي خليط من جماعة الإخوان ومنشقين عن الجماعة المقاتلة. وينتشرون بين طرابلس ومصراتة والجفرة (جنوب سرت). وأغلب هؤلاء تتدفق إليهم الأموال من طريقين.

الأول مخصصات باسم وزارتي الدفاع والداخلية أي من خزينة الدولة،

والثاني أموال خاصة تأتي عبر الحدود سواء في شكل أموال سائلة أو أسلحة ومعدات حربية ومقاتلين أجانب.

النوع الثالث فيطلق عليه البعض هنا «ميليشيات المرتزقة» ويقودها تجار بشر وسلاح يقومون بجلب المقاتلين والأسلحة من دول أفريقية وآسيوية وتسليم «البضاعة» لمن يريد من باقي الميليشيات الجهوية والمذهبية نظير مبالغ مالية كبيرة. ويحصل السمسار على مبلغ يصل إلى نحو نصف مليون دولار في مقابل جلب خمسين مقاتلا مدربا وذا خبرة من دول الجوار. ويتقاضى المقاتل من هؤلاء مبالغ تتراوح بين ألف دولار وألفي دولار في الشهر سواء شارك في الحرب مع الميليشيا أو لم يشارك. وآخر من وصل من هذا النوع مجموعة أفارقة تمركزوا في منطقة الجفرة. وقام بجلبهم سمسار من الزنتان لصالح ميليشيات تحاول استعادة الموانئ النفطية من سيطرة حفتر. وهدد السمسار، وهو عسكري سابق، بسحبهم حين تأخرت عنهم رواتب الشهر الماضي. وأشهر مجموعة ظهرت مؤخرا من هذا النوع من المقاتلين الأجانب الذين يغذون الميليشيات الليبية، ما أصبح يعرف بـ«كتيبة جامعي القمامة»، بسبب تهريبهم في الملابس البرتقالية لجامعي القمامة. ويبلغ عددهم نحو مائتي مقاتل من متوسطي التدريب ويبلغ راتب الواحد منهم نحو 500 دولار، وجرى جلبهم من شمال مالي إلى أحد القيادات السياسية في مدينة مصراتة. ثم حاول هذا القيادي التخلص منهم خوفا من العقوبات الدولية، وقام بمنحهم لميليشيا تدين له بالولاء في طرابلس. ومنذ سقوط نظام القذافي في 2011 ورث المسلحون المنتفضون الذين كانوا مدعومين من حلف شمال الأطلسي «الناتو» معسكرات الجيش الليبي وأسلحته.

أما الروافد الأساسية للميليشيات فكانت تتمثل، بعد القذافي، في المجالس العسكرية للمدن التي تشكلت أثناء الانتفاضة من شخصيات منشقة في الجيش والشرطة والمخابرات، مع مجاميع من المتطوعين المدنيين، لكن بمرور الوقت تمكنت قيادات جهوية وأخرى دينية متشددة من الإمساك بزمام الأمور، وطرد المخالفين لهم وحرمانهم من تقلد أي مناصب رسمية ، كما جرى طرد البرلمان المنتخب إلى أقصى مدينة في الشرق الليبي.

ومن أبرز أسماء قادة الميليشيات ممن ظهروا من طرابلس على سطح الدولة عقب سقوط نظام القذافي، شخصيات من مواليد الستينات، كانت تحارب الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، من بينهم عبد الحكيم بلحاج، وخالد الشريف، وسامي الساعدي، وعبد الوهاب قايد وغيرهم.

وفي مقابلة سابقة مع بلحاج قال إنه أسس حزبا سياسيا ولم تعد له علاقة بالميليشيات. لكن تقارير أمنية رصدت في الأسابيع الأخيرة نشاطا محموما لجمع الأسلحة وتدريب المقاتلين من جانب ميليشيات موالية لبلحاج في مناطق داخل طرابلس وأخرى مجاورة لها من ناحية الغرب. وعلاقة بلحاج جيدة مع المجلس الرئاسي ومع جماعة الإخوان ومع بعض من رفاقه القدامى ممن عادوا إلى ليبيا من أفغانستان، وشكلوا ميليشيات خاصة بهم في طرابلس مثل الساعدي.

ومن جانبه، شغل الشريف موقع وكيل وزارة الدفاع في حكومات ما بعد القذافي لفترة، ويتولى في الوقت الحالي إدارة سجن الهضبة الذي يوجد فيه قادة كبار من النظام السابق، ولديه قوات كبيرة على طريق مطار طرابلس، ويمتلك إمكانية تسيير دوريات في العاصمة. ويقول إن السجن يتبع وزارة العدل الليبية. لكن مسؤولا أمنيا في العاصمة قال إن هذا أمر يجري معظمه على الورق فقط. وحشد الشريف رجاله قبل أسبوع لمنع ميليشيات منافسة من اقتحام مبنى السجن. ويقول إنه يسعى لترسيخ الاستقرار في العاصمة والدفاع عن مبادئ الثورة. لكنه لم يعد على درجة الوفاق القديم نفسها مع رفاق الجبهة الأفغانية مثل بلحاج، والساعدي الذي يشغل حاليا موقع عضو دار الإفتاء ورئيس هيئة العلماء المسلمين في ليبيا.

وولد الساعدي في طرابلس عام 1966 في السنة نفسها التي ولد فيها بلحاج. وبدأ الرجل حياته أديبا وشاعرا، وكان محبوبا من المقاتلين الأفغان، ومن أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة. وحتى يومين ماضيين كان الساعدي يدير محاربيه انطلاقا من مصراتة، لكن تعدد الميليشيات في تلك المدينة وتربص بعضها ببعض جعل أصدقاءه من جماعة الإخوان ينصحونه بسرعة الانتقال بمقاتليه إلى طرابلس خوفا من تعرضهم للأذى. ويعد الساعدي حاليا من أكثر المقربين من مفتي البلاد المعزول من البرلمان، صادق الغرياني.

ولا توجد معلومات كثيرة عن خلفية عبد الوهاب قايد، ربما بسبب نشأته في بلدة مرزق النائية في جنوب ليبيا، وانطلاقه منها إلى أفغانستان في سن مبكرة. لكن أشهر ما هو معروف عنه أنه شقيق أبو يحيى، نائب الظواهري. وقتل أبو يحيى في غارة أميركية في باكستان عام 2012 .

ويعاني القايد في الوقت الحالي من أزمة صحية ويعالج في أحد المشافي خارج ليبيا. ويقول تقرير أعدته المخابرات الليبية إن توليه مسؤولية حرس الحدود والمنشآت الحيوية والاستراتيجية، عقب مقتل القذافي، سهل له جلب محاربين مرتزقة من دول أفريقية لصالح جماعته «الليبية المقاتلة». ويرصد التقرير أن عزوف الليبيين عن الالتحاق بالميليشيات المسلحة أو الاشتراك في حروبها أدى خلال العامين الأخيرين إلى اتساع تجارة استيراد المقاتلين من دول الجوار ومن بلدان أخرى، ليس لصالح ميليشيات الجماعة المقاتلة فقط، ولكن لميليشيات منافسة أخرى بما فيها تلك التابعة لتنظيم داعش.

وجرى نقل «كتيبة جامعي القمامة» في سيارات الدفع الرباعي عبر الصحراء بهذه الطريقة. ويلقب بعض رجال المخابرات المساندين للميليشيات عبد الوهاب قايد بـ«الفهد الأسود» و«رجل المهام الصعبة». بالعودة إلى الماضي، يقول سالم أبو جديدة، القيادي السابق في ميليشيا 17 فبراير (شباط)، التي تأسست في بنغازي في 2011 ،إن منتمين لمدن بعينها وآخرين من جماعات متطرفة، كان لديهم حرص منذ بداية الثورة على الاستحواذ على أسلحة الجيش من معسكرات القذافي وتخزينها في مواقع خاصة بهم بعيدا عن أعين باقي الثوار.

ويضيف: «لم نكن نعلم إلى أين يتجهون بها. كان من حقنا بصفتنا مجلسا عسكريا لثوار بنغازي أن نعرف لكن الأمور بدأت تتغير إلى الأسوأأصبحت كل جماعة تشكل ميليشيا تعمل لحسابهافيما بعد صوبوا تلك الأسلحة إلى صدورنا وطردونا من الساحة».

ومن جانبه، يقول إسماعيل الغول الشريف، النائب في البرلمان الليبي عن بلدية الجفرة، التي كان يوجد فيها أكبر مخازن لسلاح الجيش في عهد القذافي، إن كل هذه المخازن أصبحت خاوية على عروشها ولم يعد فيها طلقة واحدة بعد أن كانت ممتلئة عن آخرها بالدبابات والمدرعات والصواريخ والقذائف والذخيرة. وانتشرت هذه الترسانة من الأسلحة في أيدي ميليشيات ليبيا.

وقام اللصوص ببيع جانب منها لمن يطلبها في دول الجوار، خصوصا في أفريقيا. وفوق ترسانة الأسلحة التي استحوذت عليها، جلبت قيادات متطرفة للميليشيات، بعد أن وضعت يدها على مؤسسات الدولة، آلاف الأطنان من الأسلحة الحديثة ومنظومات التجسس والمراقبة.

___________

الشرق الأوسط اللندنية

***

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر