Minbar Libya

بقلم الجمعي قاسمي

دفع الانسداد الذي وصلت إليه العملية السياسية في ليبيا وما رافقه من انفلات أمني وعسكري خطير في العاصمة طرابلس، بخيار “حكم العسكر” إلى الواجهة، وسط تباين في الآراء والمواقف تخللته اتهامات مباشرة للمجتمع الدولي بتعميق الأزمة عبر سعيه إلى محاولة فرض الإسلام السياسي في ليبيا.

تعالت خلال الأيام القليلة الماضية الأصوات المطالبة بمرحلة انتقالية جديدة في ليبيا تحت “حكم العسكر” كمخرج للأزمة الراهنة التي ازدادت تعقيدا مع اقتراب انتهاء مدة العمل بالاتفاقية السياسية المنبثقة عن مخرجات اتفاقية الصخيرات التي على أساسها تشكل المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج.

وبدأ المشهد السياسي الليبي يزدحم بتلك الأصوات التي وجدت صدى لها في غرب وجنوب وشرق ليبيا، خاصة بعد الاشتباكات العنيفة بين الميليشيات المتناحرة التي زعزعت أمن العاصمة طرابلس واستقرارها، وموقف المجلس الرئاسي منها الذي وصف بـ”الخجول”.

وفي تطور لافت في مسار العملية السياسية الليبية ارتباطا بتلك الأصوات، جدد أبوبكر بعيرة عضو مجلس النواب الليبي (البرلمان) المعترف به دوليا، المطالبة بمرحلة انتقالية لمدة عام، تخضع فيها البلاد لسيطرة عسكرية بالكامل.

وأوضح في تصريحات بثتها ليلة الأحد/الإثنين قناة “ليبيا” التلفزيونية، أن المقصود بذلك هو “أن يكون هناك حكام عسكريون في جميع مناطق ليبيا وأن تسيّر البلاد بحكم عسكري”.

وأضاف بعيرة، الذي يعتبر أحد أعضاء فريق الحوار المفاوض لمجلس النواب الذي وقع الاتفاق السياسي بمدينة الصخيرات المغربية في 17 ديسمبر 2015، مخاطبا الذين يرددون عبارة “لا لحكم العسكر”، أن “هؤلاء العسكر هم أبناؤنا ومن قدموا دماءهم من أجل ليبيا وهم من قدموا الشهداء أيضا”.

وأكد في هذا السياق أن الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر “أصبح القوة العسكرية الوحيدة على الأرض، وأن العالم يعترف بها”، ثم اعتبر أن الاتفاق السياسي المنبثق عن اتفاقية الصخيرات “لم يعد يخدمنا في الوقت الراهن”.

وقبل ذلك، كان علي القطراني، نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، قد فاجأ المراقبين عندما اقترح فرض الحكم العسكري على البلاد لمدة عام.

واعتبر في حديث نشرته صحيفة “الوسط” الليبية في وقت سابق، أنه يمكن اعتبار تلك المدة “مرحلة انتقالية تجرى في أعقابها انتخابات رئاسية”، لافتا إلى أن ترشح المشير خليفة حفتر للرئاسة بعد المرحلة الانتقالية مرهون بإرادة الشعب ونتائج الاقتراع.

وفي تبرير لهذا الاقتراح، سعى فيه للرد على سؤال حول الأدوات التي تضمن اقتصار الحكم العسكري على عام واحد يعقبه تسليم السلطة إلى من تأتي به صناديق الاقتراع، اكتفى القطراني بالقول إن “فترة الانقلابات ولّت وهذا شيء يجب أن يعيه الجميع”.

لكن ذلك، لم يمنع من بروز قلق متزايد لدى العديد من الأطراف السياسية الليبية التي لا تخفي رفضها لمثل هذه الآراء والمواقف التي تدفع باتجاه فرض خيار “الحكم العسكري” على ليبيا لتجاوز حالة الانسداد السياسي الراهن.

وفي هذا السياق، حذر إسماعيل الغول، عضو مجلس النواب (البرلمان)، من مثل هذه الأصوات، باعتبار أن خيار “الحكم العسكري” ليس حلا مناسبا لليبيا والليبيين ولن يساهم في خروج البلاد من حالة الانسداد السياسي.

وقال في اتصال هاتفي مع “العرب”، “لا أعتقد أن خيار الحكم العسكري هو المخرج من هذا الانسداد، ذلك أن كل ما هو مطروح من حلول عادة ما يواجه برفض هنا ومعارضة قوية هناك، وبالتالي لن نصل إلى حل”.

وأعرب عن اعتقاده بأن الحل الأنسب الآن هو “الانطلاق من الاتفاق السياسي ومناقشته من كافة الجوانب لجهة تحديد النقائص، وكذلك أيضا لتحديد المخاوف لدى مختلف الأطراف أي الجيش ومجلس النواب ومجلس الدولة والمجلس الرئاسي، ثم معالجتها على قاعدة التوافق”.

واعتبر أن هذه المعالجة يتعين أن تتم في إطار حوار جدي تشارك فيه الأطراف المعنية، أي مجلس النواب والجيش والمجلس الرئاسي ومجلس الدولة، وذلك بعد تشكيل لجنة حوار جديدة تأخذ بعين الاعتبار تغير معادلة القوة على الأرض.

وشدد على أنه دون هذه المعالجة فإن الانسداد سيتواصل، كما أن خيار “الحكم العسكري لن يجسد على أرض الواقع، بل يصعب اللجوء إليه في هذه المرحلة التي تستوجب الحوار الجدي والفعال”.

وتعكس هذه المواقف المتباينة عمق المأزق الذي يحيط بالملف الليبي بعد نحو سنة من توقيع اتفاقية الصخيرات، وهو مأزق يرجح أن يتعقّد أكثر فأكثر على وقع تنافر مقاربات الحل الليبي وتداخل عناصرها وتشابكها مع أجندات إقليمية متعددة وأخرى دولية لها مصالح متضاربة تدفعها إلى الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، بعيدا عن تطلعات وانتظارات الشعب الليبي.

وكثيرا ما عانت ليبيا من تلك الاصطفافات التي تحكمها أجندات خارجية، وهو ما دفع محمد الدايري، وزير الخارجية والتعاون الدولي في الحكومة الليبية المؤقتة برئاسة عبدالله الثني المنبثقة عن البرلمان المعترف به دوليا، إلى اتهام المجتمع الدولي بالعمل من أجل تعقيد الأزمة السياسية في بلاده وليس مساعدتها على إيجاد حل دائم.

وذهب الداير في حديث نشره الإثنين موقع “ليبيا هيرالد” إلى حد اتهام المجتمع بمحاولة فرض “الإسلام السياسي” في ليبيا، قائلا “هناك بعض الأطراف الدولية تحاول فرض الإسلام السياسي في ليبيا، حيث انحازت لأطراف معينة ووضعت تركيزا كبيرا على تيار الإسلام السياسي”.

ورأى في المقابل أن الحل الوحيد حاليا هو تشكيل حكومة وطنية جديدة تنهي الانقسام السياسي الحالي الذي أنتج ثلاث حكومات في البلاد، أي حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج في طرابلس، والحكومة المؤقتة في الشرق المنبثقة عن البرلمان، وحكومة الإنقاذ برئاسة خليفة الغويل في طرابلس أيضا بالغرب.

____________

العرب الدولية

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر