Minbar Libya

بقلم: فريدريكا سايني فاسانوتي

fasanottif_portraitبالرغم من أن هناك بعض التقدم في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، إلا أن “الوحدة” كلمة غير قابلة للتطبيق في هذا البلد. ففي الواقع، لا تزال الاحتكاكات بين مختلف الفاعلين السياسيين مرتفعة. وفي نهاية المطاف، ربما يكون تبني شكل من أشكال الكونفدرالية (الدولة الإتحادية)، بدلا من المركزية هو أفضل نموذج في ليبيا.

***

السياسة الليبية: تمهيد

انقسمت القيادة الليبية خلال صيف عام 2014، بعد التلميح الأولي بالتعاون، إلى حكومتين:
الأولى، ومقرها في طبرق معترف بها دوليا. وقد تلقت الدعم من مجلس النواب ويدعمها الجيش الوطني الليبي. وخارجيا، دعمت مصر والإمارات العربية المتحدة وروسيا هذه الحكومة بسبب أيديولوجيتها المناهضة للإسلاميين. وفي مايو 2014، أطلق حفتر “عملية الكرامة” ضد الميليشيات الإسلامية، بدعم من كتائب الزنتان (التي تتكون من كتائب المدني، والصواعق، والقعقاع)، وميليشيات الأقليات العرقية من التبو وفزان.

والأخرى، ومقرها في طرابلس، ذات طبيعة إسلامية. ويدعمها المؤتمر الوطني العام الجديد وكانت جزءا من مجموعة فجر ليبيا من الميليشيات الموالية للإسلاميين (والتي تضم مجموعة من مصراتة والأمازيغ والطوارق). وقد دعمت قطر والسودان وتركيا هذه الحكومة لأسباب مختلفة، بما في ذلك الحصول على مكان أكثر بروزا على الساحة العالمية أو لدعم الإخوان المسلمين.

مراكز القوى والنفوذ في ليبيا:
لكن الأمر أصبح أكثر تعقيدا، لأنه لم تكن الحكومتان في طرابلس وطبرق فقط هما اللتان تتنافسان لملء فراغ السلطة في مرحلة ما بعد القذافي. فقد تغيرت الميليشيات وتفرقت باستمرار. وهناك جماعات سلفية مثل:
أنصار الشريعة في ليبيا (أو الدولة الاسلامية، وتتمركز بين بنغازي ودرنة)؛
شبكة محمد جمال (بين بنغازي ودرنة)؛
المرابطون (في جنوب شرق البلاد، في مناطق غات، وأوباري، وتساوة، ومرزق)؛
تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، في جنوب غرب وشمال شرق ليبيا)؛
أنصار الشريعة في تونس وتتمركز بين درنة وأجدابيا).

ثم في عام 2015، بدأت خلية تنظيم الدولة الإسلامية – وتتكون من حوالي 3000 مقاتل من التونسيين واليمنيين والجزائريين والليبيين، وأفراد من جماعة أنصار الشريعة – ترسخ سيطرتها في مدينة سرت، مسقط رأس القذافي. وتقع سرت في منطقة صحراوية غنية بالنفط ذات قيمة استراتيجية هائلة، حيث تقع في المنتصف بين إقليمي طرابلس وبرقة. وكانت ميليشيات مصراتة قد تعاملت مع أهالي سرت بقسوة بعد سقوط القذافي، مما دفع العديد من أهالي المنطقة للترحيب بتنظيم الدولة الإسلامية. ولذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن يختار تنظيم الدولة الإسلامية تلك البقعة، أو أن تصعد هذه المنطقة في فراغ السلطة الليبي بشكل أوسع: فليبيا ذات أهمية استراتيجية لتحقيق هدف التنظيم في التوسع عبر شمال أفريقيا في نهاية المطاف. وهي نقطة انطلاق لتهريب المجرمين عبر البحر المتوسط؛ وهناك إمكانية لاستغلال موارد الطاقة الضخمة بها، كما فعل تنظيم الدولة الإسلامية إلى حد ما في العراق.

ثم في ديسمبر عام 2015، وقعت حكومة الوحدة الوطنية في المغرب اتفاقا بموجبه أصبح فايز السراج رئيسا للوزراء. ولكن الجنرال حفتر وحكومة طبرق لم يدعما هذه الخطوة، ولا تزال البيئة الأمنية في جميع أنحاء البلاد في غاية السوء. وعلى الرغم من تأكيدات المبعوث الخاص لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مارتن كوبلر بأن ليبيا سوف تحقق الاستقرار، إلا أن البلاد لا تزال منقسمة بشكل خطير.

واليوم، لم تعد المعركة الحقيقية بين برقة وطرابلس وحدهما، لأن كلا الإقليمين، جنبا إلى جنب مع إقليم فزان، منقسمان داخليا. فلم يسمح للسراج بأن يصل إلى طرابلس في مارس من هذا العام إلا بعد تدخل المجتمع الدولي. وعلى الفور، اعتبر المؤتمر الوطني العام (المتمثل في رئيس الوزراء خليفة الغويل ورئيس المؤتمر نوري أبو سهمين) أن مجلس وزراء السراج “غير شرعي”، ولكن بعد شهر قرر في وقت لاحق حل نفسه لصالح حكومة الوحدة الوطنية برئاسة السراج. لكن السراج لم يحصل على التأييد الكامل من الحكومة في طبرق، بقيادة رئيس مجلس النواب عقيلة صالح عيسى.

هل هناك نقاط مضيئة؟

على الرغم من هذه الخلافات السياسية، كانت هناك علامات صغيرة على بعض التقدم. وقد وصل وزراء خارجية من دول أخرى، حتى رئيس وزراء مالطا، إلى طرابلس لإضفاء الطابع الرسمي على الوضع السياسي الجديد. ورغم أن السفارات لا تزال مغلقة، إلا أن هناك شعورا بأن الأمور تسير في اتجاه إيجابي. ولذلك، طلب السراج في أواخر أبريل من المجتمع الدولي التدخل من أجل تأمين آبار النفط، التي يحميها من الناحية النظرية إبراهيم الجضران الذي يتولى قيادة حرس المنشآت النفطية، وهي ميليشيا قوية متحالفة مع طرابلس. ولكن بالرغم من أن المجتمع الدولي يبدو مستعدا لذلك، بما في ذلك الحكومة الإيطالية التي تولت دورا قياديا، إلا أن اتهامات الضعف المحلي والتدخل الغربي زادت من تعقيد الساحة السياسية الليبية.

وفي الوقت نفسه، يتعرض تنظيم الدولة الإسلامية لعدد من النكسات، بعد أن تعرض معقله في سرت للهجوم من ناحية الجنوب والغرب والشرق على يد تجمع من قوات حكومة الوحدة الوطنية، وكتائب ميليشيات مصراتة، وحرس المنشآت النفطية. والآن، وصلت قوات حكومة الوحدة الوطنية بالفعل إلى وسط سرت واشتبكت مع تنظيم الدولة الإسلامية وتسيطر على المزيد من الأرض كل يوم. ويبدو أن تنظيم الدولة الإسلامية أضعف بكثير مما كان يعتقد كثيرون (مما يؤكد أن تقديرات عدد أفراده كانت خاطئة) والآن يفر أفراد التنظيم إلى فزان، حيث يمكن أن يكون أن تكون استراتيجيته أكثر مرونة وأقل اعتمادا على السيطرة على الأراضي.

إعادة النظر في مشكلة التشظي

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو التشظي المستمر في ليبيا. فالانقسامات الداخلية هي نتاج عقود من حكم القذافي الذي أبعد مواطنيه عن بعضهم البعض وعن بقية العالم وحرمهم من أي هيكل حكومي أو إداري صلب يمكن أن يبقي البلاد مستقرة في حال حدوث “مرحلة ما بعد نظام”. وبالنظر إلى الماضي الأبعد، من المهم أن نتذكر أن إقليمي طرابلس وبرقة لم يكونا متوافقين أبدا، حتى خلال عقدين من التمرد ضد إيطاليا. وقد استخدم الإيطاليون استراتيجية “فرق تسد” القديمة، وحفروا “أخاديد حقيقية من الدم” بين القبائل الليبية ، على حد قول الباحث البريطاني إدوارد ايفانز ريتشارد في عام 1949 .

واليوم، يبدو التوصل لاتفاق جدي بين الفصائل السياسية الرئيسية – حكومة الوحدة الوطنية ومجلس النواب – أمرا بعيد المنال. وفي غضون ذلك، لا يوجد عدد كاف من المؤسسات الأساسية اللازمة لتطوير وإدارة دولة حديثة. فقد انفقت ليبيا أموالا ضئيلة على التعليم، في حين يتفشى الفساد والبطالة على نطاق واسع. وعلى الرغم من موارد الطاقة الهائلة، إلا أن النشاط الاقتصادي في البلاد يشهد انكماشا كبيرا. وقد انخفض إنتاج النفط من 500 ألف برميل يوميا في عام 2013 إلى 300 ألف في يناير عام 2016، ويجري استنزاف احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي. وفوق ذلك، انهار قطاع السياحة.

بدلا من ذلك، كان هناك الآلاف من القتلى وأعداد كبيرة من اللاجئين. وبالرغم من أن جهود بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا كانت جديرة بالثناء، إلا أن المجتمع الدولي ينبغي أن ينظر بجدية في كيفية بذل المزيد من الجهد في ليبيا. ومن الأفضل وضع وتنفيذ خطة للتدخل الآن بدلا من انتظار حدوث حالات الطوارئ الحقيقية في ليبيا. يجب على المجتمع الدولي تخطيط ووضع استراتيجية حقيقية، وليس مجرد تنفيذ عمليات تكتيكية. ونظرا لتدهور الوضع الأمني بشكل كبير اليوم، يبدو من المستحيل أن نتخيل تدخل غير متصل بالأمن، حتى ولو دفاعا عن الجنود الذين يتم استدعاؤهم لأداء مهمة بسيطة مثل حماية حكومة التوافق الجديدة.

من أحد المقترحات التي يتعين النظر فيها هو مساعدة الليبيين على بناء دولة كونفدرالية (اتحادية) تنقسم إلى ثلاث أقاليم كبيرة: طرابلس، وبرقة، وفزان (أو ربما أكثر إذا كان الشعب الليبي يرى ذلك مناسبا). وربما حان الوقت أن تصبح هذه الأقاليم أكثر استقلالا، وتتبع المسارات المختلفة التي تختارها حسب أصولها العرقية والاجتماعية والدينية والسياسية الفريدة. وبطبيعة الحال، هذا الحل يعتبر حلا متطرفا. ولكن من الواضح أن المجتمع الدولي، الذي كان جزء لا يتجزأ من الثورة الليبية، لا يمكن أن يسمح الآن بفشل ليبيا كدولة.

يمكن أن تنجح مفارقة التفكيك من أجل البناء في هذه الحالة. وفي الواقع يبدو من غير الممكن تنفيذ الحل الذي طال انتظاره على المستوى الوطني والمتمثل في الوحدة السياسية. وبدلا من ذلك، يمكن أن يسهم تشكيل كونفدرالية إتحادية من المناطق الثلاث بحسب مناطق سيطرة القبائل والحدود الطبيعية في ضمان تحقيق استقرار أكثر عمقا. ويمكن للحكومات الإقليمية توفير حماية أفضل للمصالح المحلية في مجال الأمن وإعادة الإعمار الاقتصادي والحكم. وبالتالي يتعين على المجتمع الدولي أن يبدأ من الأسفل، من خلال التأكيد على الحلول المحلية ودعم الجهات الفاعلة المحلية والمساعدة في تمكين الليبيين من اختيار قادتهم على المستوى المحلي. وهذا الحل لا يستبعد وجود حكومة مركزية في يوم من الأيام، ولكنه يعني أن مثل هذه الحكومة ستكون أقل تأثيرا. إنها خطة صعبة وطويلة جدا، ولكنها ربما الخيار الوحيد الذي يمكن أن ينجح في ليبيا.

***

فريدريكا سايني فاسانوتي – كاتبة في مؤسسة بروكنغز

___________

المقال ترجم ونشر في موقع أيوان ليببيا عن الأصل (المنشور في منبر ليبيا الإنجليزي

أترك ردا

بريدك الخاص لن ينشر